ريسان جاسم عبد الكريم : قصص قصيرة جدا

reysan jasem 222 ــ  عقارب .

أخّر ساعته .. أعاد عقاربها إلى الوراء .. ما كان يريد أ يلتقي بها ، ولا أن
يحرجها برفضه لقاءها .. ” لنحمِّل الساعة وزرَ إخفاقنا في الوصول إلى ذريعة تجنبنا مواجهة موقف تفرض علينا كل الإعتبارات السليمة أن نوجهه بإيجاب و …
في الصالةالتي يتّخذ من أريكة في إحدى زواياها مستقرا لجسده ، ساعة جدارية تدخل في عينيه أنّى اتجه بهما هربا من عقاربها الراقصة في خلايا وعيه …
بين إشارات عقارب الساعة الجدارية ــ الخبيثة ــ و عقارب ساعته ، فسحة من الوقت تكفي لأن
يشاطر امرأة ــ غير التي … لقاء أكثر حميمية من …
تنشق أرض الصالة عن قِوام أهْيفٍ رشيق ، يحمل وجها باسما ، يطير به اخضرار عينين إلى
عوالم ربيعية تفتح أبوابها لاحتضانه ، أغاريد عنادل و هديل حمام …
أي عتْهٍ حلّ به .. أثمةُ مخلوق يمتلك بعض حِسٍ ، بعض ذوق ، يعمل على إلغاء موعد مع فراشة لا تكاد تلامس
الأرض …
تقترب منه .. يتبعها ــ بخطىً  بطيئة ــ شاب في مثل عمره .. تمد يدها لتحييه .. يصافحها مرتبكا .. قبل أن يباعد بين
شفتيه ليقول شيئا ، تغرِّد هي :
ــ تعمدت أن أختصر الوقت ، لآتيك مع خطيبي .
كـــركـــوك
حزيران / 2010

23 ــ فانتازيا .
ــ  تريد محاميا أم طبيبا ؟
ــ  كلاهما .
ــ  أين هذا من ذاك .. لا يلتقيان ، لا في المكان و لا بالاختصاص .. تريد أن …
ــ  سألتقي بهما معا .. في شقتك .. و سيجيب كل منهما على تساؤلاتي فرِحا
مبتهجا .
ــ  أنا لا أؤمن بالسحر ، أولا .. و أرفض ــ ثانيا ــ أن تكون شقتي مسرحا
لهزليات يخّيل إليَ أني سأرفضها بالكامل ..
ــ لنبدأ بالطبيب .
ــ ماذا ؟! قلت أني … حسنٌ .. إتصل به في عيادته .
ــ إفعلي ,
ــ أنا
ــ سيكون المحامي هنا ــ في الشقة ــ قبل أن يضع الطبيب أصبعه  على
جرس الباب .
بعد زمن لم يمتد طويلا …
الطبيب ، بلسان المحامي :
ــ قرأنا إعلانا عن شقة تناسب كلاً منا .. و أخبرنا { الوسيط } بأنك راغبة بـ
ــ الشقة واسعة ، كما تريان .. تعديلات بسيطة تجعل منها شقتين تكفي كل
منهما لإحتياجات الـ
ينهض { الوسيط } .. لم يكن أي منهما ــ لا الطبيب و لا المحامي ــ قد انتبه لوجوده .. وقف
بينهما ، وهويقرِّب سبَّابته من شفتيه ، مشيرا للمرأة أن تصمت .. توجه للطبيب ..
ــ دكتووورر .. لي صديق تلح زوجته على طلب الطلاق ، وهو
ــ تسألني أم تسأل المحامي ؟!
ــ كلاكما يسمع .. و سأسأله ــ بعد حين ــ عن أوقات تفترش خلالها الآلام
عمودي الفقري .. و بما أنك طبيب عظام ، فستقول  للمحامي كيف يتخلص
صديقي من إلحاح زوجته على طلب
تتدخل المرأة ، صاحبة الشقة :
ــ قلتَ أنك ستستشيرهما كلا على
ــ وماذا ترينني فاعلا الآن ؟
يقترب الطبيب من المحامي .. يهمس في أذنه .. يتدخل { الوسيط } منفعلا ..
ــ لا يحق لكما الإختلاء بنفسيكما .. إذا كنت تريد ، أيها الطبيب ، أن تتحمل
نفقات حواجز تقسيم الشقة إلى إثنتين، فسيتحمل المحامي مصاريف الأبواب
و الشبابيك .. أما أجهزة التبريد و الـ
تحتج المرأة :
ــ أين أنا من هذا المزاد العلني ؟
الوسيط ــ تحت هذه الشقة مباشرة ، أُخرى شاغرة .. سأعمل على أن تكون لك بإيجار
مُخفّض .
كـــركـــوك
21 / 6 / 2010
24ــ أنابيب .

هذا بلد تأخذ الأنابيب منه أي ماخذ .. أنابيب أينما ذهبت .. أينما اتجهت .. حيثما
حللت .. أنابيب فوقك .. تحتك .. إلى جانبك …
إلى جانبك ؟
ها هي { تسير } معك ،و أنت تركب قطارا يخترق الصحراء .. و لا تبرح عيناك
مدافنها و أنت تستقل السيارة من موقع عمل إلى آخر …
تحتك ؟
إنها تشكل دعائم و قوائم الجسر الذي تعبره ، مقاما على نهر الزاب الكبير .. أنت
وصلت الآن إلى الزاب الكبير ــ الزاب الأعلى .. و الجسر المشيّد على هذا النهر ، ركائزه
أنابيب .. أضلاعه أنابيب .. حواجزه أنابيب …
فوقك ؟
أنت تجلس الآن في { مخفر شرطة محطة ضخ النفط { آفانا } ، في شمال شرق مدينة
كركوك .. و قد دخل الشرطي إلى المحطة ليتأكد من أن اسمك ضمن كادر لمحطة ، ليعود
فيسمح لك بالدخول .. تدير رأسك مستطلعا .. ترفع عينيك فلا تريان غير صفوف من الأنابيب ،
تشكل أضلاع سقيفة مخفر الشرطة …
أنابيب .. أنا ا ابيييييب … أنا ا  ا ا بيييييييــــــــيييب …………………
فيا مَن اختلط قدره بالرحيل ــ مُبعدا ــ عن مدفن سرِّه ، و الرفض ، و الأنابيب .. تُرى أي
أنبوب سيبتلعك .. و متى سيكون الذ    ي لا شك كائن ……….

كــركـــوك
تموز / 1992
25 ــ  وميض شهْقتين .
تسلقت عنق زرافة يتطاول في جسد امرأة لاذت بي من شواظ شهيقها ، عند ولوجها أول مدخل
تعانقت فيه هواجسنا .. أدنتنني إلى بؤرة وعيها إرهاصات حملت بعض تطلعي لاحتمالات اقترابي من منزح
بئر ترتشف منه ..أدارت رأسها يمينا .. يسارا أدارته ..لم يبرح بؤبؤاها بؤبؤين التقياهما ..نفثت بعض مواجعها :
ــ لِمَ تلْصِق عينيك بجسدي ؟ إنهما توخزان إحساسي .
نداء استغاثة بحار يتلاشى بين انحناءات الأمواج و أجنحة طيور بيض لوّنَّ دكنة السماء …
لستِ رافضة ، أيتها المرأة التي عجنت ليلها تطلعا لعبور حد السيف ، لتبذر حلمها في حقل أول رجل تهجس فيه
استجابات لعزف زفيرها …
لرقادك داخل بصيرتي وقْعٌ أشد دويا من تعلق بصري بمسامات جلدك .. تبسََََّطي قليلا ، ستجدين لِقَلق تشعله فيك
ترددات عينيّ ، متنفسا يريح متعب مفاصلك .. يخيّل لي أنك تصارعين رغبة لا تملكين لوقف تحققها غير أن
ترفضي التقاء عينيَ عينيكِ .. كلانا يشعر برفيف جناحيْ ملاك غازل ترددات قلبينا .. يفترش الأفق الفاصل بين
جسدينا ، بساط تتعثر عند مبتدأ خيوطه ، خطانا …
مددت أناملي أتحسس الرغبة المدوَّمة في الفضاء الممتلئ بأنين المتشبثين ببقايا حياة استنزفوا آخر أبعادها …
أغمضت عينيّ .. رأيت أنامل ترتعش اندفاعا لبلوغ أناملي .. يكتسح وميض يطلقه التقاء شهقتين إمتلئتا برحيق
تتطلع إلى ارتشافه ورود عانقت مثيلاتها عند بوابة فردوس يشرع أحضانه لاحتواء روحين ما وجدتا أدفأ أحضانا
منه …
أزاحت مكّملتي شالا تبعثر، إثْر ابتعاده عنه ، شلال ليل .. وََخَزَ مداركي إحساس بإمكان أن يطفئ ليل الشعر وميض
الشهقتين .. يداها تراوحان العوم في الفضاء الذي تستقر في جزيئاته ..صار الشال كرة َمضربٍ ملأ أحد كفيها ..
بأصابع الكف الأخرى فتحت حقيبة يد سماوية .. وضعت الشال في …
غطى شلال الليل المبعثر أعاد الكتفين .. تناءت أطراف منه محوِّمة بين وجهيهما ، مشكِّلة كلمة أومضت حروفها
كنيازك تخترق جدارا مكثّف الظلال ، لا يراها إلا الذين امتدت بهم أواصر الصداقة مع النجوم ، لهج بها صوتاهما
معا :
إ  حْ  تَ  ض  ن  نّ   يييييي ………

هذا الانبهار المتوحش في عينيك يوقظ ذاكرتي .. يفتح سواحل رؤيتي على مدارج التقاء شفتيك و هما تتعانقان
بشكل يثير طموحي للاستناد إلى ركائز يستقيم إلى توترها جسدك .. يستنفر إشعاعات رغبتي لتطويق مشتت
عناصرك .. لنبدأ خطو دربنا على أسلاك الخوف المتربص ، فما عاد للانتظار من مبرر .. إنها لمحة من استجابة
إلى انتفاضةِ حياة ، ليس من السهل استعادتها ، إنْ لملمت أشلاءها لــ
للزمن مطارق تهوي مشتتة كيانات تقاربت حد التوحد..تختلس هفوّة تغلفها روح اطمأنت إلى انصهارها برديفها …
تغادر رأسها ذبذبات صوت مستهدفة أوعية الالتقاط في أنفاق أذنيّ :
ــ  زوجي { مُحب } .. السيد
حملقت بي .. انتزعت عيناها تساؤلا مزق أحشائي .. ذبذبات الصوت الهامس صارت دقات نواقيس ضاعف عنف
هديرها غضب جمّدته آليّةُ تحرُّكٍ تفرضه الانتماءات القبلية و هي تتراجع حاقدة إلى كهوف أنضجت عناصرها
حقب من الظلام …
أي وجع تحمله مطرقة ما وجدت غير رأسي سندانا تفجِّر عليه عنفها .. و مّن يرّد قناعاتي بأن اثنين لا يمكن أن يكونا إلا
واحد جزأت مكوّناته عواملُ تعرية شحذت قواطعها ارتباكات الأذرع باحتضان الأجساد المتلاصقة …
( سَحَلَ ) الرجل جسدا كان أحرى به أن يرقده على محّفَّة بعجلات محورية تتخاطف في الأروقة الممتدة طولا في الأعماق…
انتبهت إلى خطوات تعدو خلفي ..
ــ  عمِّي .
ــ  ؟!
ــ  تلك والدتي .. أبطيء خطاك قليلا .. دعها لــ  .
كــركــوك
14 / 9 / 2000
13

26 ــ  أعناق الجياد النافره .

يداهما تنسحبان عن بعضهما ببطء .. ترتعش شفاههما انفعالا وهي تختنق بكلام
يتراكم كسيل خلف سد .. عيونهما تتبادل نظرا مرتبكا فوق وجهيهما .. استطاعت شفتا الأول أن تهمهما بـ :
ــ  انه دوري .. يجب أن أذهب أنا .
خاضا معا كل { شوارع } الدنيا , غضبا ، جوعا ، و تشردا .. لم تفتح لهما أي مدينة بابا ، فقد كانا بلا هوية ..داهم إعصار
بيتهما ، فطيرت الريح الورق …
كانا { واحد } في أي أرض حلا ، فصار طبيعي أن تهف أعماق أحدهما بألم ، عندما وجد أن بوابة كبيرة من حديد تفصل
بينهما الليلة  : ” إنني أنشطر .. يا سماء  بلا  نجوم ، أنا أنشطر …
غاب في الظلمة الشبح …
على وجه الواقف تتساقط حبات الندى .. يمسح بيده عينيه .. يغرز في الستار الحالك نظرا حادا ، خيب فيهما أمل أن يريا
الذي مضى …
خطواته القطيّة تتنقل بخفة فوق الحديد اللامع ببصيص ضوء و رذاذ ماء .. مدروس دربه تماما .. شعاع عينيه كل
ما يحمل من ضوء ، و السماء شحيح نورها الليلة .. والليلة موعده .. إنه الميناء …
يمضي الآخر نحو نقطة في رأسه .. يمتلئ بها كيانه ، و بقضبان قصيرة محشوّة تمتلئ جيوبه .. نار إرادة تشق الظلمة ،
في دمه .. وفي  الظلمة أسقط اسمه .. وجود يتحرك ، حتى  تعلن ساعة انتماءه ، بلا انتماء .. و عندما
انحنى ، منهمكة بما بينهما يداه ، كان الاسم و الهوية و الوجود ، يتساوى مع الـ (فتيل ) و الوقت لذي يسترقه
اشتعاله …
{ إلى الجسر ، ذهبنا  .. كانت العبوة في يدي ، وفي يده الكبريت .. قدّمت له فتيلا كانت نهايته في جيبي .. لم
أشعر .. لاحظ هو .. عود الكبريت المشتعل استقر فوق كفي .. استغثت بلا صوت .. ” الجسر نريد أن نفجِّر لا
أنت ” قابل بكل حزمه ..  تتبعت الفتيل إلى جيبي .. كنا قد ربطناه ، و الوقت ينكمش …. }
تضحك التي كانت تنصت إليه …
يبتسم الذي امتزج بحديد  البوابة …
تنطلق من المخزن الكبير إشارة . يتحرك ، دافعا البوابة ، مبتعدا عنها بخفة اكتسبها من الليل والصحراء و
الأوامر …
{ كالدمية طار الجسر بـأكمله في الهواء .. ضربته على قفاه .. كيف يدك ؟  متشفيا ، لأغضبه ، سألت .. هيئ
شوكتك .. لقد شويتها ــ بلهجته المرحة ردّ .. يمرح هو حتى ونحن في { ضيافة } الموت .. و … صار الجسر
أسطورة .. وهو هنا ليلحق به الميناء …. }
إلى منحدر صخري يقود إلى الماء ، حملته خطاه .. الريح الجنوبية مثقلة برائحة خريفية .. القارب الصغير يتكئ
على مجدافه عند حافة الجرف .. وقبل أن تمسك اليد الممتدة بخشب القارب ، دبَّتْ فوق أرض الميناء أقدام ثقيلة..
تصاعدت أصوات صفارات الإنذار المرعبة .. إخطبوط الأنوار الكاشفة يمد ذراعا إلى كل اتجاه .. رائحة الفتيل
المحترق تنبعث في المخزن من زوايا متباعدة .. تتسارع الخطى الثقيلة باتجاه الرائحة .. يضرب القارب بذراعه الوحيدة
وجه الماء .. تلمح العينان اللتان كانتا تشقّان الدرب أمام شاعل الفتيل ، شبح القارب وهو يدنو منهما ..
ينطلق صوت راعد  تميز بوضوح بين صفارات الإنذار الزاعقة بإلحاح :
ــ  لا تقترب من المرسى .. سينفجر المخزن .
كان الصوت إشارة لانطلاق مطر الرصاص من العيون الحديدية التي تهرول مترددة بين دخول المخزن أو اللحاق بالذي
يعدو بحذاء بلا صوت .. يلقي بنفسه إلى الماء ..يقترب القارب منه ..تحول الزوارق البعيدة اتجاهها إليه ..
تندفع لاهثة ككلاب صيد.. ترتفع يد من الماء .. تمتد إليها يد من القارب ..تتمسك ببعضها أصابع اليدين .. يرتفع
من الماء رأس .. يقول صوت ضعيف منه :
ــ ابتعد عني .. لا أمل بيْ .
يعود ألى الماء الرأس .. تنسحب خلفه يد واهنة .. يخلو القارب من راكبه .. يزدرد الظلام جسدا نشطا يندفع بخفة بين
الأمواج .. يحتضن بذراعه جسدّ شاعل الفتيل ، متحديا تيار الماء …
لم يعد ليلا .. تغلغل الضوء  في كل خلاياه ..تصاعدت إلى السماء كتلٌ كبيرة فقدت وزنها أمام هول الانفجار..
تقطعت أذرع الإخطبوط الضوئي حتى همد .. لكن البحر ظل مضاء بكرات مخيفة من نار .
الفاو/ 1970
14

27 ــ  مناجاة
{ بين الأنا و زهرة مُشعَّة في الحياة }
ثلاث  ركائز قامت عليها حياتي ، منذ بواكير وعيي .. ما ضننتُ ولا خطر ببالي أبدا أن يكون   باستطاعتي
يوما أن أتخلى ، أو أن أترك أو أن أبتعد عن أي منها …    غير أن العمر ــ بالتزاماته المعيقة المربكة                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          { اقتطع } منها واحدة ، لا أقول المهمة منها  ، لأنها ــ ركائز حياتي الثلاث ، بذات الأهمية …
و الآن ، ما هي تلكم الركائز الثلاث  التي قامت ، و استقرت ، و استمرت عليها السنين التي عشتها .. كل السنين منذ
بواكير الوعي :
1)    المرأة .. كوجود مرافق .. ككيان ساند .. كـ .. كـ … و سنشرح …
2)    كرة القدم .. وهي الركيزة التي أرغمنا تقدم العمر ــ بكل نقائصه و تعجيزاته ــ بايالوجيا ــ على
التخلي عنها بألم و حسرة يتصاعدان كلما امتلكنا بعض الوقت لمتابعة مباراة ما …
3)    الكتابة ..كتابة القصة القصيرة .. والكتابة ــ عموما ــ مرتبطة وثيق الإرتباط بالمرأة .. صنوان ..
حليفان .. توأمان .. يشد كل منهما أزر صاحبه ، حين تبدي عن أنيابها بعض مفاصل الحياة …
المرأة و الكتابة .. الكتابة التي تؤسس لها و تغنيها و توسع آفاقها … القراءة ..
لا أعتبر أن لحياتي أي معنى.. لوجودي أي مبرر ، أو أي هدف بدون امرأة .. صديقة .. عشيقة .. زميلة .. حبيبة
إلى زمن ما …
إذن ، حياتي بدون امرأة ، عرجاء .. ناقصة .. الفترات الزمنية القصيرة ــ جدا ــ التي خلتْ خلالها حياتي من
المرأة ، كانت جافة كصحراء في صيف قائظ  …
كنت أرفع رأسي ــ خلال خلو وجودي من المرأة ــ متطلعا إلى جهة ما ..إلى زاوية محددة ، آملا ــ بل واثقا ــ بأن
امرأة تنتظرني في هذه الزاوية أو عند ذاك المنعطف .. و كثيرا ما يحدث ــ بل دائما يحدث ــ أن أجد المرأة التي
تزرع في حياتي من جديد ــ دائما من جديد ــ أزهار الرغبة في مواصلة الحياة .. حياة تمتلئ ــ وهذه هو الأهم من
المهم ــ بالحركة و التجديد .. بالكتابة .. كتابة  ــ  غير ــ ما كتبت …
علاقتي بالمرأة ــ على أن تكون ، و يجب أن تكون ــ امرأة واعية ، مدركة .. تفهم ماذا يعني أن تشارك امرأة حياة رجل ــ دون أوراق يوقعها معمم ، أو لابس جلباب في قاعة من قاعات الربط بالأوراق أو الأختام …
لا تستطيع المرأة  ــ و إن رغبتْ لسبب ما ، أو لفترة ما ــ أن تبعدني عن الكتابة .. و سيكون ذلك ــ إنْ حصل ــ من أوليات التحول إلى غيرها …
لا تفيدني المرأة ، إنْ لم تكن مصدر إلهام .. ينبوع وحي .. تشير .. تفتح .. تدِّل ، إلى مصادر ينابيع الكتابة المجددة ..
الحديثة …
و عندما  أصل ــ و ربما يحدث هذا و أنا حي متحرك ــ إلى عدم القدرة على الكتابة ــ فستكون المرأة عندئذ ،
و أتمنى أن لا يطول بي البقاء عاجزا عن الكتابة ــ  سميرا مؤنسا .. واحة التجئ  إلى ظلالها و عذب نسيمها .. معالجا
لجراح تحدث ــ بتأكيد متعاظم ــ داخل الرأس …
و سيكون من المتعب اللذيذ ــ أكرر ، للأهمية ــ المتعب اللذيذ ، أن تعالج امرأة جراح ….. روح رجل .
و لعل من المهم ــ إضافة ــ الإشارة إلى ن المرأة توفر ــ مع { ما } توفره ، أو ما يراد ، أو يُفترض أن توفره
لرجل تدرك هي ــ بتحديد شديد ــ حاجته منها .. من وجودها إلى جانبه .. وجودها { معه } .. تصاحب خطاه ..
تشاركه طعامه .. شرابه .. تفكيره …
و تشاركه ــ عند الحاجة ، وعند الضرورة ، وبتلقائية و بساطة و عفوية …. تشاركه فراشه  .

كــركــوك
5 / 12 / 2009
28 ــ  ممنوعات .
حذّّروه من الاقتراب منها ، لكنها تواصل التحديق في عينيه ، حتى وهو يحاول أن يحرف اتجاه
وجهه بعيدا عنها ، تظل هي مسمرة كل كيانها للتحديق في عينيه …
الكلمة الطيبة حسنة ، يقولون ، فنمنحها بعض حسنة ، لعلها ترحمنا من …
ثمة قدح فارغ بين الزجاجة و وجهه .. رأتْ ــ الزجاجة ــ ذات السائل الأصفر الجميل ، و الطعم ألحاز الرائع
الذي يتجه إلى أعلى الرأس لا إلى أسفل الجسد ، ما أن يدخل الجوف .. { تنهض } الزجاجة ، وهي تواصل زرع
انعكاساتها الصفر الجميلة  في وجهه .. تقترب من القدح الفارغ .. تنحني …
الزجاجة ذات اللون الأصفر الجميل ــ لونا ــ الحارق ، الصاعد إلى أعلى الرأس ، طعما ـــ تنحني أكثر .. يمد
يده ، دون وعي منه ، ليسند القدح ، الذي  يفتح { فمه } على اتساعه . تزداد الزجاجة انحناء ، حتى يبدأ السائل
الأصفر الجميل بالانسكاب في القدح ، فيوشك أن يمتلئ .. تستعيد الزجاجة وضعها في مكانها دون أدنى انحراف..
رأى أن { تحديق } الزجاجة يراوح بين وجهه و القدح شبه الممتلئ .. لم يفزعه الصوت الذي خرج من { كل }
الزجاجة ، ناعماً ، لطيفاً ، مسترخيا ، لكنه لم يكن يخلو من حزم ..{ تقول } الزجاجة ،والابتسامة تغطي كل كيانها
الأصفر الجميل الـ ,,, ” إشرب عاد .. مو قتلتْنه .

29 ــ  كشف حساب .
ثمةُ رجالٌ ترسبتْ قناعاتهم ، فاكتفوا بما بين أيديهم ، أوعية للتكاثر ليس إلاّ .. آخرون تطير بهم
أجنحة أحلامهم إلى عوالم تمتلئ زواياها بأرواح تؤسس إلى أن تصير أسلاك الشمس سلالم للوصول إلى دفء
يغمر الجميع …
بين المستسلمين والرافضين { تجلس } الدولة مسترخية آمنة .. توزع عطاياها ببذخ على كل الذين يكيلون لها الشتائم و
يحملونها دفاتر الفساد و النهب ، لتنهمر في أحضانهم ملايينا و سيارات مصفحة ، و أرصدة بأرقام  تدوِّخ الرؤوس …
ثلاثة نحن .. أراد أولنا ــ و نفّذ ــ أن يكون ضمن أوعية التكاثر .. أردت أنا ــ الثاني ــ أن تقودني جناحا حلمي إلى
وادٍ مقدس أستطيع فيه أن أصحح اعوجاجا هنا أو انحرافا هناك …
رأى الثالث منا أن امتلاء أكياسه بالأوراق المسحورة ستفضحه وهي تتسرب من خارج الأكياس، فاستعان برجل من
الدولة  ليحميه !!
على رصيف الشارع طفل يواصل التبول ، دون اكتراث بنفور المارة ، سواء بسياراتهم أو على الأقدام …
بعد أن أنهى الطفل تبوله ــ المكشوف ــ امتدت يداه إلى خصره ، ليفك { لفة } قماش .. فتحها ، لتنتشر لافتة
عريضة كتب عليها ــ بكل الألوان ، وبكل حروف الخط العربي ” أيها المواطنون .. أنا أحد ثلاثة أنجبتهم أمي ..
أوصتني أن أكون الأول في التبول على أرصفة يتعثر بأحجارها الحفاة الموعودون برواتب تقاعدية مجزية  .

كـــركـــوك
12 / 3 / 2009
30 ــ  شوق .
تطلعت إليه بعينين يغرقهما الذهول.. شعرت بنبض قلبها يكاد يفجِّر صدْغيها ..
ــ  أنت هو ؟!
هتفتْ أعماقها بحرقة ..
ــ  ضع يدك فوق مكان تعرفه ، لأتأكد من أنك أنت .
تتسع ابتسامته .. يقترب منها .. يحتضنها بذراع واحدة .. يفتح بيده الأخرى سحّابة ثوبها .. يخرج أحد نهديها ..
ناضج ..كبير ..ينبض كأنه قلب منفعل .. ينحني عليه قليلا .. يضع حلمته بين شفتيه .. تتأوه.. تميد بها الأرض ..
يمتص الحلمة وهو يقرَّب جسدها إليه بالذراع التي يحتضنها بها .. يضع حلمة نهدها بين أسنانه .. يعظها عظات
سريعة ناعمة .. تصرخ هي  من كل أعماقها :
ــ أنت هو .. لا تتركني .. أخرج النهد الآخر .
يترك جسدها ، ليحرر يده الأخرى .. تحتضنه هي  بذراعيها .. تلتصق به ، حتى لا يبقى بينهما فراغ ، سوى ما
يتيح له أن يأكل النهدين .

16

31ــ  حسد .
تحذيرات أمي كثيرة لا تنتهي .. رأيت اليوم في عينيها ــ و أنا أقترب ، كعادتي ــ من المرآة  ،
نظرات حادة مهددة  ..
ــ  اسمعي .. حرام .. حرام أن يكون لك صدر أكبر من صدر أمك .
ماذا أفعل .. إنهما يكبران ــ نهديَّ ــ بشكل طبيعي خال من أي تدخل كيميائي ، أو علاج طبيعي ، أو .. أو …
أوضَّح لها ، لا تقبل .. تراجعتُ إلى الوراء .. دفعتها ــ برفق ــ عن طريقي .. اتجهت إلى المطبخ .. شعرت
بأنها تتبعني ــ كنت أريدها أن تفعل .. فتحتُ باب الثلاجة .. أزحت بعض الأواني و الأطعمة .. دخلت في
الثلاجة .. صحتُ بأمي :
ــ  سدّي باب الثلاجة و لا تفتحيها إلاّ بعد أن يصير صدري أصغر  من صدرك يا
أمي الحبيبة .

كـــركـــوك
تموز / 2009

32  ــ  متطفل .
كانت أيدينا تتشابك فوق مسند مسطبة خشبية ، في حديقة عامة .. المسافة بين جسدينا ــ على المسطبة ــ
أكثر من نصف متر .. مرّ رجل غليظ الشاربين ، يعتمر { عقالا } .. نظر في عينيّ برغبة لم يستطع
أن يخفيها ، رغم كل غضبه .. مرّتْ امرأة ، زرعتْ في وجه زميلتي عينين حانقتين ، لائمتين …
مرّ شحاذٌ مصْطَنع العَمى .. وقف في وسط المسافة بيننا .. ضرب المسطبة عدة ضربات بعصا تقوده .. خرج
صوته ، هادئا ، رزينا ، واثقا : أعطياني ــ فقط ــ وعدكما بأن ترفضا كل ما يقال عن أن ما تفعلانه حرام  .

كـــركـــوك
تموز / 2009
33 ــ  حدس .
كنا ثلاثُ فتياة .. رابعنا  { قرص CD } .. و نحن نقترب من باب الجامعة ، نبهتني إحدى زميلاتي :
ــ  القرص في حقيبة يدك ؟
ــ  نعم .
ــ  أعطني إياه .. يفتشون الحقائب في الاستعلامات و لا يفتشون الجيوب .
اقتربنا من الاستعلامات .. إعترضتنا إحدى الموظفات  :
ــ  هوياتكن .
أعادت لي الموظفة هويتي ، فدخلت .. انتظرت لأراها تعيد هوية زميلتي و تشير لها بالدخول .. كلتانا كنا نحمل
حقائب يدوية .. أشارة الموظفة إلى زميلتنا الثالثة ، التي أخفت { القرص } بين ثيابها .. قالت لها :
ــ  اذهبي إلى غرفة التفتيش رجاءً .
كـــركـــوك
تموز /  2009

شاهد أيضاً

إِرْسَالِيَّة قَصِيرَة و عاجلة لبيروت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صباح الْخيْر حبيبتي بيروت أُعْذُرِينِي إِذْ أَنَا غادرْتُ بَاكِرًا ذَاكَ الصَّباح لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُقَبِّلَكِ …

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/5)

لم تكن حالتها الصحية تسمح لها في ان تجيب على ما كان يدور في راسي …

فرات صالح: غصة

يوما ما ستجلس سيدة تجاوزت الأربعين لتتناول فطورها تحت ظل شجرة الصفصاف في حديقتها، وتحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *