هدية حسين : الصرخة

hadiya 5في العام 1893 رسم الفنان النرويجي إدفارد مونش لوحة الصرخة، اللوحة الأشهر في أعماله، وهي من بين سلسلة أعمال أطلق عليها اسم (إفريز الحياة).. بالتأكيد لم يخطر بباله أن تلك اللوحة، بعد أكثر من مئة عام، ستباع أكثر من مرة، وتُسرق، ثم تعاد، ويصل سعرها في آخر مرة الى مئة وعشرين مليون دولار،  كل ما فكر به حين رسمها هو ذلك الشعور الحاد بالكآبة الذي هاجمه عندما كان يسير مع صديقيه على أحد الجسور، وقد وصف تلك الحالة بالقول(كنت في الطريق بصحبة صديقين، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما غمرني شعور مباغت بالحزن والكآبة، وفجأة تحولت السماء الى لون أحمر بلون الدم، توقفت وأسندت ظهري الى القضبان الحديدية من فرط إحساسي بالإنهاك والتعب، واصل الصديقان مشيهما، ووقفت هناك أرتجف من شدة الخوف الذي لا أدري سببه أو مصدره، وفجأة سمعت صوت صرخة عظيمة تردّد صداها طويلاً عبر الطبيعة المجاورة)
في خلفية لوحة إدفارد لونش يظهر خليج أوسلفورد في أوسلو، وتبدو موجات الماء بلون أحمر، ويقف الشخص الذي يطلق صرخته في مقدمة اللوحة، فاتحاً فمه وواضعاً كفيه على أذنيه كأنه يريد أن يبعد الخطر الذي يهدد وجوده، وتبدو عيناه ميتتين من شدة الخوف.
قيل الكثير في هذه اللوحة التي أصبحت ملهمة الشعراء، قيل بأن شهرتها جاءت من شحنة الدراما المكثفة والخوف الوجودي الذي تجسده، وأنها ترمز الى ذروة القلق،   أي النقطة النهائية لانكسار الروح.. لكنني سأدعو قرائي الى المقارنة بين لوحة الصرخة العالمية، وصورة فوتوغرافية تجاوز الخوف فيها الحد وما من رسّام يقدر على رسمها، إنها اللوحة الأكثر وجعاً وفزعاً وألماً في عصرنا الراهن، تمعنوا في اللوحتين، انظروا جيداً في لوحة إدفارد مونش، ولاحظوا كثافة الخوف في العينين المجوفتين، والفم المفتوح رعباً، ومياه الخليج المتماوجة المخلوطة بلون أحمر، والسماء الحمراء.. أي رعبٍ هذا؟
ثم انتقلوا الى اللوحة العراقية، التي لم تخطر على بال رسام، ولا حتى إدفارد مونش لو كان يعيش في زمننا هذا، ولو كان قد رآها ربما سيعجز عن أن يُلم بكثافة الحزن والخوف الذي ينتاب الطفولة فيها، وإن قُدّر له أن يرسمها لجاءت شيئاً آخر، أدق وأشمل وأعمق، وربما، سيقف مذهولاً ويقارن بين ما رسمه من إحساس طارىء داهمه وبين مايراه حقيقة واقعة.norwejian shout
تمعنوا معي باللوحة العراقية التي رسمتها أصابع القدر العراقي، دققوا في وجه الطفلة في الأعلى، وحدها تلك الطفلة لوحة ألم لا يطاق، وشحنة حزن لا يمكن الإلمام به، ومساحة فزع لا حدود لها، الهلع في فمها المفتوح تجاوز الهلع الذي أحس به إدفارد مونش ونقله الى شخص مرعوب في لوحته، تعداه بملايين المرات، لأنه ليس فكرة خطرت في بال رسام، وإنما واقع مرير، هذه الطفلة لا تعرف بالتأكيد إدفارد مونش، ولم تسمع بصرخته المرسومة على شكل لوحة، ولم تجلس يوماً أمام رسام أو تدور في خلده، بل مرت على تلك الأصابع القاسية لواقع عراقي مرير مزدحم بالآلام.iraq shout
وتمعنوا أيضاً بصورة الطفل في مقدمة اللوحة، إنه يغطي عينيه  من أهوال ما يرى، وهذا أكثر فزعاً من ذلك الشخص في لوحة إدفارد مونش الذي يفتح عينيه ويرى الرعب القادم، ترى أية أهوال رآها هذا الطفل العراقي الصغير ليغطي عينيه بكفيه؟ أي فزع شعر به وأي خوف زلزل كيانه الغض؟ وبأية ريشة يمكن رسم هذا الألم النفسي الذي يحسه والذي لا تحده حدود؟ أي رسام يمكنه رسم هذا الرعب في هذه الصورة الوثيقة الشاهدة على عصرنا الأغبر؟ قارنوا بين اللوحتين، وتحسسوا الألم الإنساني الكبير الذي اجتاح هذين الطفلين العراقيين البريئين، الألم الذي هو ذروة ما يصل إليه الإنسان من قلق ورعب وانكسار للجسد والروح معاً.. تخيلوا معي تلك الأصابع الخفية التي تمسك بريشة عملاقة مسننة الرأس والحواف، فتمزق القلب، وتجرح قماشة الروح، وتعبث بالمصائر، وتسلب الطفولة ضحكاتها، وتسحب من الأوردة دمائها من شدة الرعب.
تلك لوحة إدفارد مونش النرويجي، وهذه لوحتنا العراقية بامتياز، المعبرة عن زمن عراقي خالص، زمن يتوارث أبناؤه الألم منذ وجدوا على هذه الأرض، أرض(السواد) والمِحن والسماء الحمراء والأرض التي لا تشبع من الدم.
وإذا كان إدفارد مونش لا يعرف سبب الخوف الذي أحس به عندما انتابه وهو يمشي مع صديقيه، فنحن نعرف سبب الخوف الذي انتاب أطفالنا، نعرف أسبابه ومسبباته، نعرف مصدره ومن أين انبثق وإلى ماذا يهدف، وإلى أين سيأخذنا.

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *