ال باشينو: اسطورة السينما والاداء المعجز
حسين سرمك حسن

بعد ان شاهدت في دمشق فيلم ” insomnia” للممثل الامريكي الشهير (ال باشينو) ثلاث  مرات وقبله افلامه الاخرى الشهيرة  مثل (عطر امراة) ووكيل الشيطان والعراب وفي أي يوم احد والملك  ريشارد والمطلع – insider   وغيرها الكثير clip_image001ترسخت لدي قناعة لا تهتز في ان هذا الفنان هو  اسطورة  السينما الحديثة وان اداءه المعجز للادوار المركبة كممثل ومؤلف ومخرج يجعل المشاهد يتماهى معه  ويتمثل حركاته وسكناته ويجعل   هذا الوصف :اسطورة السينما الحديثة دقيقا وموضوعيا .لقد اختارته مجلة ( (empire  المتخصصة بالسينما في اوكتوبر من عام 1997رابع افضل مائة ممثل في تاريخ السينما وهناك قسم من النقاد يعتقد انه كان يستحق المركز الاول .وال باشينو او الفريدو باشينو وهو اسمه  الاصلي مولودفي نييورك في 25 نيسان من عام 1940 وكان قدانقطع عن التمثيل لمدة اربع سنوات بعد فشل فلمه ( ثورة  ) واصابته بمرض ذات  الرئة الخطر بسبب برودة الجو اثناء التصوير لكنه عاد الى المسرح الذي يعتبره حبه الاول ورفع جدران العزلة عن نفسه ليكتسح الصالات بدوره المميز كرجل شرطة مدمن في فيلم ( بحر من الحب )   الذي دشن المرحلة الثانية من حيانه السينمائية وليبرز تعابير وجهه المميزة بعينيه الداكنتين ( عيني البومة ) وصوته الحصاني الاجش . وقد اثار باشينو اعزب هوليود سيء السمعة كما يلقب عادة حيث لم يتزوج حتى الان عاصفة مدوية في عالم السينما حينما استدعاه المخرج فرانسيس  قورد كوبولا ليمثل دور مايكل كورليوني في فلم العراب رغم رفض منتجي الفيلم الذين كانوا يسمونه ( باشينو القزم ) بطلب سبعة ملايين دولار وهو رقم استفز كوبولا كثيرا مما جعله يهدد بكتابة سيناريو جديد  لفيلم يبدأ بمشهد دفن مايكل كورليوني فاضطر باشينو الى القبول بخمسة ملاين دولار . وقد تصاعد اجره من 500000 دولار مع خمسة بالمائة من الارباح عن دوره في الجزء الثاني من العراب الى 5 ملايين دولار عن الجزء الثالث عام 1990  الى احد عشر مليون دولار عن فلم ارق في عام 2002 وقد استقر اجره الان على 10 ملايين دولار وقد اصبح عملة نادرة عليها طلب شديد جدا الى الحد الذي رفض فيه ادوارا في غاية الاهمية حصدت جوائز الاوسكار فيما بعد منها كرامر ضد كرامر والرؤيا الان وامراة فاتنة ومولود في الرابع من تموز وحرب النجوم وغيرها .وبالنسبة لفيلم الرؤيا الان فقد برر رفضه لطلب كوبولا  بالقول بانه مستعد للذهاب مع كوبولا الى أي مكان عدا الحرب .

وبالمناسبة فان دور مايكل كورليوني يعد الدور الاكثر طلبا من قبل الممثلين في تاريخ السينما حيث تناقس عليه روبرت دي نيرو وروبرت ردفورد ورايان اونيل وجاك نيكلسون وارن بيتي وغيرهم . ولكن كوبولا اختار الايطالي باشينو الذي حصل على جائزة افضل ممثل مساعد  عليه . ويعرف عن باشينو انه يتلبس دوره تماما حتى في حياته اليومية فاثناء تمثيله دور رجل شرطةفي فيلم ( سيبريكو ) حاول  القاء القبض على سائق شاحنة بتهمة مخالفة الفانون . وقبل تصوير فيلم عطر امراة سقط من السلم وانكسرت الكاس التي  كان يحملها واصيبت عيناه بشظايا الزجاج فعاش شبه اعمى لمدة شهرين لكنه استثمر التجربة ليتقن دور المحارب  المتقاعد الاعمى الذي اداه في الفيلم بصورة معجزة . من ينسى المشهد الذي يحاول فيه الانتحار في غرفة الفندق ومشهدالرقصة مع الفتاة الجميلة وخطبته المدوية في قاعة الجامعة . لقد نال جائزة الاوسكار كاحسن ممثل عن هذا الدور الذي اصبح من كلاسيكيات السينما . وخلال     حياته الفنية رشح باشينو اربع مرات لجائزة الاوسكار كاحسن ممثل الامر الذي يعكس اقتداره وتفرده الادائي الباهر . ورغم انه ترك الدراسة وعمره 17 سنة الا انه اتجه وبكل قواه الى التمثيل في المسرح خصوصا  وتدرب على يد مدرب التمثيل الاسطورة  ( لي ستراسبورغ ). وقبل الشهرة عاش باشينو سنوات طويلة من الجوع والكابة . ومن المعروف عنه انه مثقف وقاريء نهم ومحاور ممتاز ولعل خير شهادة في هذا المجال   هو ماقاله معد ومقدم البرامج التلفزيونية الشهير ( لاري كنغ ) بان المقابلة التي اجراها  مع باشينو هي من بين افضل اللقاءات التي اجراها قي حياته . في فيلم ارق يصل الاعجاز الادائي منتهاه بحيث ا صبح هذا الدور من كلاسيكيات السينما التي تدرس ويؤدي باشينو هنا دور (ويل درومر ) رجل الشرطة الملتزم برسالته وصاحب الخبرة الطويلة والذي يصل الى مدينة صغيرة في الاسكا للتحقيق في جريمة قتل ملغزة ضحيتها فتاة في السابعة عشرة . وفي اثناء مطاردة القاتل في منطقة صخرية يلفها الضباب    يقتل المحقق القدير صديقه خطأ ويتستر على خطأه ومن هنا يتقمص باشينو الشخصية بصورة فذة تجعلنا نتعاطف مع المحقق رغم انه اصبح قاتلا ومجرما .  وسط كفاحه لمواجهةالشعور بالمسؤولية ومشاعر ااندم والاحساس بالاثم يكره على الدخول في لعبة القط والفأر النفسية مع القاتل الذي يؤدي دوره ( روبن ويليامز ) الذي عرفناه  ممثلا كوميديا رغم انه ادى ادوارا جادة من قبل مثل دوره في فيلم صباح الخير فيتنام .يصاب المحقق بالارق المطلق وبعد خمسة ايام من الحرمان من النوم الامر الذي يربك  احكامه ويضعف تركيزه ويهدد تماسكه النفسي . وبقدرة مذهلة يجسد باشينو صراعات المحقق الداخلية وتمزقاته    ويستخدم نظرات  عينيه ( عيني البومة ) في اظهار اعمق الانفعالات . ومع تنامي القصة يصبح الارق تعبيرا جسديا عن الصراع النفسي المتزايد الذي يعانيه . ويبقى السؤال هو : هل سيتعاطف المشاهدجون مع المحقق –القاتل – المجرم ؟ هذا التاؤل كان يشغل ذهن المخرج ( كرستوفر نولان ) في اثناء تصوير الفيلم . كان نجاح الفيلم متوقفا على هذا الانجاز وقد تكفل ال باشينو به ليثبت فعلا انه اسطورة السينما وصاحب الاداء المعجز . 

شاهد أيضاً

عدنان ابو اندلس: طلال الغوّار.. المسكون بالحب التكاملي

دراستي المنشورة في مجلة ” الموقف الادبي ” العدد 592- آب -2020 ، والتي يصدرها …

فاروق مصطفى: الدكتور فائق مصطفى وجهوده في دراسة الادب المسرحي العراقي

صدر كتاب جديد للدكتور فائق مصطفى الناقد و التدريسي الاكاديمي في كلية اللغات جامعة السليمانية …

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *