عن دار ضفاف : رواية “تفّاحة حوّاء” للروائي ناطق خلوصي

kh nateqnateq  2قراءة : د. حسين سرمك حسن
14/6/2014
بعد مسيرة قصصية وروائية حافلة وثرة (أكثر من تسع روايات ومجموعات قصصية) صدرت عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) مؤخرا رواية جديدة للروائي الأستاذ (ناطق خلوصي) عنوانها (تفّاحة حوّاء) (184 صفحة) .
وقد أهدى خلوصي روايته هذه إلى الروائي الكبير الراحل “فؤاد التكرلي” :
(إلى : القاص الرائد فؤاد التكرلي أستاذي في القصة والرواية)
وقد توسّم خلوصي في هذه الرواية خطى التكرلي في الجانب المضموني حيث تناول الموضوعة التي سخر لها التكرلي عمره السردي قصصا ورواية وهي موضوعة الجنس ، المحرّم منه خصوصا . لكنه طرح هذه الموضوعة مُخلِصا لأسلوبيته المميزة ولسمات شخصيته السردية التي عُرف بها . ففي هذه الرواية يضع تلك الموضوعة في خدمة الهمّ الإجتماعي العام لبلاده الجريحة عبر تناول الأحوال المرتبكة لعائلة الصحفي المعروف “عبد الوهاب”  منذ صفحتها الأولى عبر الحوار الذي يدور بين الأب وابنه ، والذي نفهم منه استشراء الفوضى في البلاد ، وانتشار القتل وعمليات الإغتيال وسطوة المسلّحين . فالأب هرّب ابنه الكبير “منير” إلى مصر بعد أن وصلته تهديدات بالقتل لا يعرف مصدرها ، ولا يستطيع الإنتظار لأن محاولة التأكّد قد يكون ثمنها فادحاً جداً ، أمّا الإبن الثاني “نصير” الطالب في السادس الإعدادي فهو لا يتوقع معدّلا عالياً في امتحان البكالوريا لأن مسلّحين دخلوا قاعة الإمتحان وبدأوا يمرّرون الأجوبة لجماعتهم تحت أنظار المراقبين (ص 3) ، والأب الصحفي المعروف لا يستطيع الكتابة عن هذه الحالة بسبب مخاطر القمع المتوقعة . وكلّما تقدّمنا مع أحداث الرواية تكشّفت لنا أشكال مريعة من الفوضى وشيوع روح الغاب وتمزّق المجتمع وفساد الذمم وانهيار القيم والأخلاق وانحطاط السلوكيات اليومية في زمن صار (زمن الصقور الجارحة التي تنقض على فرائسها أمام ابصار الناس والمسؤولين – ص 4).
ثمّ تأتي حكاية العلاقة الجامحة بين سلافة زوجة الإبن والعم أبي زوجها منير لتلوب في إحشاء رحم الحكاية الأم وتنمو في ظلالها بقلق . وفي العادة يمرّراللاشعور رغباته عبر “مجازات” بريئة من أفعال سلوكية وأغطية لغوية يخادع بها الشعور وسلطته الأخلاقية الرقابية ممثلة بالأنا الأعلى ، وتتسم بروح الطرافة عادة ، والتي هي من سمات “منطق” اللاشعور وأواليات عمله . وهذه “المجازات” العملية واللفظية ، إن لم تحقق درجة من الإشباع – وهي تحققها فعلاً – فإنها ، على الأقل – وهذا لا يقل خطورة عن الهدف المركزي بل قد يفوقه – تساهم في ترقيق دفاعات الشعور الذاتي والمقابل لـ “الآخر” الذي قد تسوقه بخفّة موجة الحماسة الورديّة بأنفاسها الهادئة ولعب أناملها الماكر على خاصرة الغريزة ،  خصوصا إذا كانت قد عرفت الإشباع الضروري الحيّ ، وحُرمت منه بصورة مفاجئة كما هو حال سلافة . هذه المجازات يلعب على أوتارها خلوصي ببراعة ومكر واقتدار غائصا في أعماق ظلمات النفس البشرية .
و “تفاحة حوّاء” هو عنوان قصة في مجلة أعارتها لسلافة زميلة لها ، وهو عنوان يستبطن الكثير من الإيحاءات المسمومة لعل الشائع منها ما هو مرتبط في مخزونات لاشعورنا الجمعي بتفاحة الخطيئة . وسُلافة تقدّم القصّة إلى عمّها كما تسمّيه/ الأب لكي يتناقشا في موضوعها مساءً في لعبة ماوراء نصيّة – metafiction محكمة . ومن مفتتح العنوان وعبر تفصيلات تلك العلاقة الشائكة ومزحومة بمعلومات معقّدة عن التواريخ الشخصية السرّية لأطراف العلاقة يقودك خلوصي في مسارات علاقة محمومة وشائكة تلتف بخيوطها السميكة حول وجود الطرفين حدّ الإختناق .
والراوي العليم الذي يعدّه الباحثون في مجال السرد الراوي الكلّي العلم بوقائع القصّة وأفكار ونوايا شخوصها هو في هذه الرواية “اللاشعور” بامتياز .. لاشعور الكاتب وهو يتمظهر في الحكاية من خلال الرواة مهما كانت أشكالهم ومواقعهم ، وينسرب في سلوكيات شخصيّاتها .
ولو تأملتَ الإيقاع السردي في هذه الحكاية لوجدته سريعاً ورشيقاً يعتمد الجملة القصيرة وبلا ترهّلات حوارية أو استطالات وصفية . وقد جعل هذا الكاتب يُسقط – من خلال الأب طبعاً – ملاحظة غياب الشعرية عن لغة كاتب قصّة “تفّاحة حوّاء” .
إن تناول مثل هذه الموضوعة الخطيرة والحسّاسة لا يتحقّق في شكله الفني الفذّ على يدي “تلميذ” ، بل على يدي أستاذ محترف وجسور .. فتحيّة للمبدع ناطق خلوصي .
وسوف يصدر قريبا عن دار ضفاف كتاب عن الروائي ناطق خلوصي للناقد الدكتور حسين سرمك حسن عنوانه “ناطق خلوصي .. وأدب الشدائد الفاجعة” ويتضمن فصلا مستقلا عن هذه الرواية .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. سناء الشعلان : الكوفحيّ يصدر كتابه “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” .

صَدَرَ حديثاً في العاصمة الأردنيّة كتاب “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” للأستاذ …

| مولود بن زادي : مباريات الجوع: السلسلة التي تجاوزت مبيعاتها 100 مليون نسخة! .

بقلم: مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة بريطانيا   كان للميثولوجيا الإغريقية عبر العصور بالغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *