مقداد مسعود : محمد سعيد الصكار: صانع الابجدية التقنية أوالمتأمل في شعرية أحلامه..الرائي مالم يره سواه

mokdad masoud 2رأيته مرتين وثبّتُ الرؤيتين بعين الكاميرا،قبل الصورتين تحدثت معه حول تنويعات ابداعته، وكان أطول الحديثين ،قبل وبعد محاضرته في مقر الحزب الشيوعي في البصرة..
صورة.. في مقر اتحاد ادباء البصرة ، داخل ذلك الزقاق في محلة البجاري والثانية في قاعة الشهيد (هندال) مقر اللجنة المحلية للحزب الشيوعي في البصرة..المبدع الكبير محمد سعيد الصكار ناعم النبرة والحضور، كأنه لم يكلف الرب إلاّ نسمة من الرازقي ..في قاعة الشهيد (هندال) كان الواقفون من الجمهور ضعف الجالسين أكتظ الممر بالواقفين خارج القاعة، ليستمعوا للناعم الصوت والفضي الشعر..ياله من صوت ٍ غَمَرَ القاعة والممرات خارجها رغم المايك الذي يخذلنا دائما !!
صوته مثل بصرته التي  فيها ولادته الثانية في 1946، صوته مثل أمطاره الشعرية في 1962..ولإنها من الامطار الدائمة ،أستنبت نهرا أنبجست منه سورة ماء، فألتقط  صقر الصكار محمد سعيد :برتقالة ً في 1968..تأمل  الصكارفي شعرية يقظة أحلامه في الماء، فرأى  مالم يره سواه..وسَمَعَ مالم يقع له بعد ،فرك بين السبابة والابهام غرين مزاجه الجماعي وهو يتأمل في اللون البني حزنه العراقي الحلو الطول ،تلفت الصكار فلم يجد سواه ، لم يسأل من أين أتاه ذلك الصوت الأنثوي، الهاطل عليه من أنوار برج أيفل
(مسيو..سئيد أي اللونين تحب؟ الازرق؟ البني؟) أجابها وفق مقياس
حدس النار في يقظة الماء : سيدتي الفرنسية : حين أتحدث عن البصرة فأعنيها جغرافياً وتاريخيا وثقافيا ..البصرة أكثر رأفة ..
ثم أجابها ،بكشوفات منطقه الشعري :
سيدتي لون الغرين في دجلة بنيّ
وأنا بنيّ الأحزان
وكذلك الأسطح في باريس
ولون الخبز الإفرنسي
وكل محيط الشعراء
سيدتي
–    هل يمكن أن أطلب لوناً أزرق؟
–    يمكن !
–    الله……..
ماأرحب باريس !
……………………………………….
………………………………..

الراحلان المبدعان محمود عبد الوهاب ومحمد سعيد الصكار بين مقداد مسعود وحاتم العقيلي
الراحلان المبدعان محمود عبد الوهاب ومحمد سعيد الصكار بين مقداد مسعود وحاتم العقيلي

يتأمل محمد سعيد عبد الواحد الصكار
يتأمل ماجرى ومايجري…
يتماوج الماء والبرتقالة تحاول الخلاص من سورتها…هاهو الصكار يعود في 1957 من موسكو ضمن وفد عراقي مشارك في مهرجان الشباب ، أسماء المشاركين مثبتة في موسكو، أما الاسماء السرية للمشاركين ،فقد حصل عليها الباشا نوري السعيد ،وسلمها لبهجة العطية (حتى يشوف شغله)..؟! وهكذا سيكون الصكار لاجئا في سوريا..بعزيمة الفستق الحلبي،  أصبع من طباشير يقود قدميّ الصكار، في حلب، الى حارة (قرطانية) ليكون معلما ، سيطوف في قلعة حلب ،في أسواقها سيرى مايشبه البصرة في حلب ،وبعد بربع قرن ،سينغرس بصري آخر في حلب وسيوقع قصائده هكذا
(بصرة حلب) ومن حلب ،سيدخل الى جنة البستان : البصرة،
ولايرى البصرة إلا بعد سقوط الطاغية، يراها لحظة مقدارها أيام
ليمكث في حلب الى الابد، شاعر بصري، الحرف الاول من أسمه
مهدي محمد علي..الآن والآن تعني 1957 يرى محمد سعيد الصكار: السهروردي ويصغي بوجع الى محاكماته المفربكة ،ثم يرى شفقا يصطفي السهروردي ..من جبتهِ..وذات فجر سيحتضن الراديو، يحتضنه،ليس أمامه وهو البعيد عنها إلاّ ان يحتضنها بالطريقة هذه..إنها ثورة 14 تموز..ومع قيام ثورة 14تموز 1958 ،يعود الى عراق القيادة الثورية..في الطريق من دمشق الى بغداد..تتضح أمامه صورة عذراء ، يرى نفسه في مدينة النور والعطور والجمال ،يرى الصكار صكارا يشبهه مع أختلاف نحيل جدا ،ان الصكار الثاني يبدو قد أكتملت لوحتهُ الحروفية، فقد تجاوز صعوبات حرف (الراء) الذي يتموضع في نهاية  لقبه : الصكّار، ثم يرى الدنيا وهي تتوجه تاج الحروف الحاء فينبجس صوبه حاء الحب وحاء الحرية ويطوقه حاء الحنين .فينزلق صوب ذاك الحرف المأخوذ به الصكار..ينزلق صوب (لام ألف)،فالصكار مشدود للأختلاف الحركي في هذا الحرف وهاهو الصكار يستقيم مع حركية الحرف، ثم ينحني يسارا، ثم عروج صغير يليه هبوط ناعم مثل صوت الصكار، فإنحناء الى اليسار…وكأن من كل هذه الحركية الحروفية تصوغ النهاية نهايتها..!! فيرى صكاريين يشبونه جدا، صكارُ شاعر..صكار خطاط صكارُ مصمم أغلفة كتب وبوسترات مهرجانات ،بوستر المربد الاول بعد ربيع 2003ويرى تصميمات ٍ له ،يراها على هيئة  بوابة مكة ،يرى صكارا يخترع الأبجدية العربية المركزة ، ويرى صكارا صحفيا، وصكارا في غرفة ضيقة مع حشد ٍ من رفقة الرمان .. ثم يرى لافتة مكتوبة عليها :
وزير الثقافة السابق، والرئيس الحالي للمعهد الفرنسي جاك لانغ
يكّرم أبرز ممثلي الخط العربي الأستاذ محمد سعيد الصكار
في أسفل اللافتة يقرأ الصكار التاريخ التالي 17/ آذار/ 2014
يمد الصكار يده الى جيب سترته النفطية اللون، ليخرج ورقة صغيرة سطّر فيها كلمته التي سيلقيها بعد المسيو جاك لانغ
يسحب الورقة يفتحها، فيبتسم : فالورقة التي كان قد وضعها في
جيبه هي : المرسوم الجمهوري الذي يحمل توقيع الرئيس السوري
شكري القوتلي وينص المرسوم على تعيين السيد محمد سعيد عبد الواحد الصكار معلما في مدرسة ….. الكائنة في حارة (قرطانية)
براتب 150 ليرة سورية….ما ان تتجاوز السيارة سيطرة التنف مغادرة دمشق متوجهة الى بغداد..في ذلك اليوم التموزي من العام الاغر 1958..سيعود بعد أكثر من ثلث قرن الى مدينة حلب ،قاصدا حارة قرطانية، مستروحا المعلم الذي كانه اللاجىء العراقي  : محمد سعيد الصكار، سيبحث عن تلاميذه ،من المؤكد سيجد فيهم خطاطا أو رساما مثله أو مبتكرا حروفيا..أو شاعرا شعبيا مثله ايضا..الآن  والسيارة تحمله هو ورفقته العائدين من سوريا الى أحضان 14 تموز المجيدة ..يلصق وجهه على زجاج السيارة العائد من دمشق الى عراق 14 تموز، يشعر وهو جالس في السيارة، أنه يقف على رؤوس أصابع قدميه ووجهه ملتصق بشباك مدرسة الخالص الابتدائية ، الذي لايصده سياج عن ضجيج الشارع ،يضع الطفل محمد سعيد الصكار يديه على الحافة الخارجية للشباك ،يصغي بحواسه كلها للقراءة الخلدونية المتعالية من تلك الحناجر الطرية مثله، يدخل في صفحات القراءة الخلدونية
فيرى نفسه (قدوري قزاز) و(نوري ربانا) يلاعب (دينا) ويراقص( نازدار) وحين يسألون الصكار ماذا بيديك يجيب
(بوقي رقيق) وهو يتقافز بين الكتل الثابتة، ثم يقفز عاليا، فيصح تلاميذ صف الاول (قفز الولدُ من فوق البرميل )..وهكذا كل اليوم مع جرس الدرس الاول ، يهمل الطفل محمد سعيد الصكار، مصبغة (أوحيد الصباغ) ،أعني والده عبد الواحد ويدخل المدرسة
من خارجها، يدخلها منصتا ورائيا لما يجري في ذلك الصف حتى حفظ القراءة الخلدونية، من دون ملامستها..وهكذا يحدث في كل يوم دوام للمدرسة، لكن يبدو هناك من وجد في انشغال الطفل وانصراف الاب من المصبغة الى شأن ٍ خارجها..فرصة ذهبية لا
تفوّت..ومن هذه الفرصة، سوف ترتفع كف الصباغ عبد الواحد لتهبط على وجه ولده بكل غضب : الطفل تسلل وعيه المبكر من شباك المدرسة الى سبورتها، والى القراءة الخلدونية بصوت التلاميذ، فشفط القراءة وما يكتب على السبورة، تزامن ذلك مع
تسلل لص ذكي الى المصبغة، أو أكثر من لص وشفطوا كل مافي المصبغة في نيسان 1943….
ينغزه  الجالس خلفه في السيارة القادمة من دمشق وهي في طريقها الى بغداد 14تموز..أنزل..نريد ننزل عطلتنا..
يفيق الصكار من زمنه النفسي، ويترجل من السيارة ، ليتوجه مع رفقته صوب المطعم.. يتناول نص نفر كباب ..ثم يذهبون ليرتشفوا الشاي بأستكانات عراقية…يرى شمسا عراقية في كل الوجوه، والفرح يتلون بأقواس قزح والبهجة على طراوتها ماتزال .. يغمض عينيه…تنطلق السيارة ثانية…تزيد في سرعة…هاهي طيارة في الهواء ..تخترق الفضاء الآسيوي تتجاوزه نحو الفضاء الاوربي لتهبط في  مطار شارل ديغول في باريس لتهبط فيه بعد زيارته للبصرة في 2010..ذات نهار شرقي رأى في باريس
ما أعاده..وهو يتأمل فرشاة أحد فناني باريس المتجولين في شوارعها ، رأى صكارا يشبهه تماما له من العمر ثلاث عشرة وردة جوري بصرية ..رأه مع أتراب ٍ له يخطون بالطباشير على الاسفلت الذي لم تذله إطارات المركبات بعد وكان ذلك في 1946 كانوا يكبّرون الحروف على سعة عرض الشارع، واحيانا يرسمون حروفا متداخلة وهناك اترابٍ لهم يخطون بالفحم على الجدران..
وكانوا لايجوعون ولايظمأون ولايشتاقون لغير الحروف، ثم رأهم يكبرون وهو معهم كالظل وهم معه في القيام والقعود..ثم صاروا رفقته يقتسم معهم الكتاب والخبز والحلم المشترك..رأى بدر شاكر السياب بكامل العافية، ورأى محمود البريكان ولم ير قاتله ورأى مجنون نخلة القاص والروائي مهدي الصقر،ورأى محمود عبد الوهاب بزهوة شبابه وبفضة شعره يحاول الصعود في القطار الصاعد الى بغداد  وكان سعدي يوسف يلوّح له بزهرة الرمان …فجأة ينهض مهدي عيسى الصقر من كرسيه ذي العجلات ويقدمه الى محمد سعيد الصكار، فإذا بالمحمودين البريكان وعبد الوهاب، يحملان الصكارمن تحت ابطيه،وبكل طيبة البصرة ويجلسانه على كرسي مهدي عيسى الصقر، ثم يظهر الشاعران زكي الجابر ومحمد على إسماعيل وكل منهما يمسك طرفا من خلفية الكرسي
لحظتها يختلط الاخضر بالبني فيعزف الأصفر لواعجهُ :
يزهو التمر في البصرة
تهل شواطىء العشار اشرعة
وألوانا
وتمسح عن محاجرها النساء
مرارة الحسرة
ويعشب قلب أمي من جديد
مثلما كان

———————————————————————
*المقالة منشورة في / الزمان / ع4780/ 7 نيسان/ 2014
*المقالة منشورة في الطريق الثقافي/ 17 /آيار/ 2014

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الحسين العامر : رواية”سبعة أصوات”: بعيدًا عن النقد قريبًا من التذوق .

توطئة: لم ألتقِ القاص الأستاذ عبد الحسين العامر يومًا إلا وكلمة (يُبَه) تتردد بين جملة …

| محمد جودة العميدي : الذوق الفني والحس الجمالي في مجموعة : ( حدائق النهار ) للشاعر العراقي الكبير ناهض الخياط .

احتراف الكتابة الشعرية رهين بامتلاك تجربة ثرية تصقلها السنين عبر قانون التراكم المعرفي The law …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *