ليث الصندوق : فرانكشتاين في بغداد – ألحقيقة والوهم وجهان لقاتل واحد

laith alsandook 4بالرغم من أن العتبة النصية – العنوان في رواية أحمد سبعاوي ( فرانكشتاين في بغداد ) تضيء النص من زاويتين الأولى ، أنها تحدد طبيعة الحدث بوجود شخصية مركزية ذات طبيعة إجرامية تسللت مواصفاتها من الأدب العالمي إلى الفضاء المحلي ( بغداد ) ، وتلك الأخيرة هي التي تشكل الزاوية الثانية للإضاءة . إلا ان التأثيرات الخارجية على الرواية قد جاءت بشكل رئيس  من رواية ( فرانكنشتاين – Frankenstein ) للروائية الانكليزية ماري شلي   Mary shelley( 1797 – 1851 ) وهي زوج الشاعر الرمانتيكي الشهير بيرسي بيش شيلي  Percy Bysshe Shelly ( 1792 – 1822 ) ألتي تتحدث عن طالب علم موهوب يُدعى فرانكنشتاين تمكن لدواع علمية بحت من تخليق إنسان مركب من اشلاء بشرية جمعها من المستشفيات والسجون والمقابر ، ثم نفث فيه الروح عبر سلك مربوط بطائرة ورقية توصل إلى الجسد البشري المصنوع تيار البرق الكهربائي ، بيد أن خللاً في التجربة حول المخلوق الجديد من مخلوق جميل إلى مسخ جبار وقاتل مما دفع العالم الشاب للتفكير في قتله . والمفارقة ان تيار البرق الذي بعث الروح في الأشلاء البشرية المخلقة هو ذاته الذي تسبب فيما بعد في قتل العالم وصنيعته في مشهد رمزي لصراع الخير مع الشر . والخطأ الشائع عالمياً عن هذه القصة ، والذي تسلل إلى رواية أحمد سعداوي هو إطلاق إسم العالم ( فرانكنشتاين ) على المسخ ، ولعل السبب في شيوع هذا الخطأ هو أن المؤلفة لم تطلق إسماً محدداً على المخلوق المسخ ، واكتفت بتوصيفه بالمسخ وبذلك شاع في الناس إطلاق إسم الصانع على المصنوع .
وعوداً إلى فرانكنشتاين ( أو فرانكشتاين ) البغدادي ، لا بد أن أشير إلى أن مسيرة الأحداث ، وطبيعة الشخصيات ، وأنماط فعالياتها لا تتفق مع إيحاءات العنونة في فرض بطل محوري واحد ينشر ظله بوجوده أو بغيابه على ما عداه ، وبه تستظل او تستنير الشخصيات الأخرى وتهيمن فرديته على أجواء الرواية وأحداثها وشخصياتها . فالبطولة في الرواية جماعية ويتقاسمها أبطال نوعيون عديدون ، يفتقدون على الأغلب إلى أية مؤهلات استثنائية بالمفهوم الاستعراضي ، بل يبدو بعضهم غير مؤهل للبطولة مثل العجوز إيليشوا وهادي العتاك اللذين يبدو أن البطولة قد اقترنت بفعالياتهما السردية وخزينهما الحكائي ، وليست بالمؤهلات الحركية التي يفتقدانها والتي عادة ما تنتج الأفعال والأحداث . والرواية تضج بأعداد كبيرة من الشخصيات ومن مختلف المستويات ( يبلغ عدد الشخصيات في الرواية أكثر من خمسة وثمانين شخصية ) بيد أن شخصيات الصف الأول لا يتجاوزون الست وهم ( العجوز إيليشوا ، وهادي العتاك ، والشِسمة أو فرانكشتاين – ، وفرج الدلال ، ومحمود السوادي – الصحفي ، وأبو أنمار – صاحب الفندق – ) ولكل واحد من هؤلاء مرويته الخاصة التي تتصل بمرويات الأخرين بحكم اشتراكهم مع بعضهم  في فضائين ، الأول مكاني ، وهو ( حي البتاوين ) ببغداد ، والزماني ( مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ) وكل المرويات تسرد من قبل راو مفارق ، يستعين ahmad sadawiبضمير الغائب وبقدرات ما يسمى عادة بالراوي العليم الذي يعرف أسرار وخفايا أبطاله ، ولكنه يعرف منها بقدر ما تعرفه الشخصيات عن نفسها لا أكثر من ذلك ، وبذلك فطبيعة الرؤية أو ( وجهة النظر ) تندرج تحت تسمية ( الرؤية مع ) في مقابل الرؤية من الخلف ، أو الرؤية من الأمام . فالراوي يعرف عن علاقة العجوز إيليشوا ( أم دانيال ) بالقديس ماركوركيس الشهيد وبصورته المعلقة في بيتها ، ما لم تصرح به العجوز لأحد وأبقته سراً من أسرار حياتها لا تكشفه إلا لظلمة الليل عندما يهبط على المدينة النائمة  ، عندئذ تبدأ – مع روح القديس التي تتململ أمامها من داخل إطار الصورة – جدالها المغلف بالعتب واللوم لأنه لم يفِ لها بوعده في كشف مصير إبنها دانيال الذي فقد في الحرب قبل عشرين عاماً ، ودفنت ملابسه وأغراضه الشخصية في تابوت فارغ ( بينما قلبها يُخبرها بأن ولدها ليس ميتاً ، ولا يمكن إن كان ولا بدّ أن يموت بهذه الطريقة ، لن تعترف بموته أو بقبره . ص / 72 ) . وكما في كل ليلة تبدأ طقوس العتب المقدس ما بين العجوز والقديس – الصورة حتى تشعر روح القديس الشهيد بالارهاق من نقاش لا يُفضي إلى نتيجة ( إبتدأت جدالها مع القديس لنصف ساعة حتى عادت ملامحه الجميلة إلى التصلب والجمود في نظراته الحالمة في إشارة إلى شعوره بالارهاق من هذا النقاش العقيم . ص / 24 ) .
ولكن قدرات الراوي تلك ستشهد تطوراً استثنائياً فيما بعد عندما لا يكتفي بمتابعة حركة الشخصيات على الأرض ، بل تتبع أرواحهم إلى السماء لينتقل بذلك موقع الرؤية إلى الخلف ، وهذا ما سيأتي به الفصل الثالث من تطورات . ففي هذا الفصل  ينفتح المكان على فضاء آخر حين يضيف الراوي محكية أخرى جديدة تنبثق من دون سابق علاقة مع ما سبقها من محكيات . لكنها بدءاً من هذه اللحظة سترتبط المحكية الجديدة بكل ما سبقها وما سيتلوها من المحكيات الأخرى من جهة ، ومن جهة أخرى ستكون المحكية الجديدة هي الواسطة التي بها ترتبط كل المحكيات الأخرى ببعضها معاً . والمحكية الجديدة هي محكية حسيب محمد جعفر ، ألشاب الذي يسكن مع عائلته في مدينة الصدر ، والذي يؤدي واجب الحراسة لمدخل فندق السدير نوفوتيل في ساحة الفردوس . والمفارقة في هذه الشخصية أن دخولها إلى الرواية كان في ذات اللحظة مع خروجه من بوابة الحياة ميتاً في حادث تفجير مدخل الفندق الذي يحرسه . لكن لحظة الدخول – المغادرة تلك مهدت لبداية حياة أخرى له في عالم آخر لا يدرك أبعاده ، ولا مساراته إلا الراوي المفارق والعليم . ومنذ هذه اللحظة  ستنحرف بوصلة السرد عن مسيرها الواقعي الذي بدأت به نحو الفنطازيا . هكذا راحت روح الشاب البطل الذي واجه بشجاعة الانتحاري وسيارته الملغمة تتنقل في سماء المدينة المنكوبة التي اجتاحتها موجة الانفجارات ، ظلت تتنقل حتى وصلت ضفة النهر الذي كان حسيب في حياته يحلم أن يداعب أمواهه الباردة بيديه ، أو يشرب منه ، فشاهدت روحه رجلاً ينام بملابسه الداخلية في النهر ووجهه باتجاه السماء ، ظلت روح حسيب تنظر في وجه النائم ، فزجرها  ذاك الأخير طالباً منها – بدل التحديق به – أن تذهب للبحث عن جثتها . ترى هل كان ذلك الزجر هو مجرد دعوة خالصة ومخلصة أيضاً من رجل حريص ؟ أم انها دعوة من ميت مثله ، لكنه يختلف عنه في أنه لم يفقد جسده ؟ إن مواصلة الراوي تعقب روح حسيب الهائمة ستجيب على هذين السؤالين ( شاهد جثة أخرى مقلوبة على وجهها تسبح في المياه أيضاً ، لم تتحدث بشيء ، كانت صامتة تماماً وتسبح ببطء . ص / 46 ) فبتوكيد مفردة ( أخرى ) في المقبوس والتي تفيد واحداً من شيئين ينتسبان لجنس واحد ، توكيدها لمفردة ( أيضاً ) التي تفيد المعاودة والتكرار فإن المعنى المستحصل لا يخرج عن حدود قاموس الموت ، والحوار المستوفي لأحد طرفيه هو حوار  ما بين ميتين أحدهما استوعب موته ( المتكلم ) وهو الأن يستمتع به فوق سطح الماء ، والأخر ما زال تحت تأثير الصدمة ( الصامت ) . والراوي الذي تهيأت له فرصة اختراق حاجز الغيب ما بين عالمي الموتى والأحياء يتابع رحلة حسيب بعد لحظات من موته ، وهو يبحث في المخلفات التي تركها منه الانفجار عن بقايا جثته ، لكنه لم يعثر على شيء منها . ويواصل الراوي مرافقته الفنطازية لروح حسيب إلى مقابر النجف ، حيث يتعرف هناك على بعض الموتى  ، ويدرك من كلامهم ان الموت لا يحرر الأموات من همومهم ، فللموتى هموم لا تقل ثقلاً عن هموم الأحياء ، وأثقل تلك الهموم أن لا يجد الميت جثته المتحللة تحت نيران الانفجارات ، وفي هذا الإدراك مصداق لدعوة ميت النهر السابقة . وبما ان روح حسيب لم تعثر على جثته ، لذلك راحت تحوم هائمة في فضاء المدينة المنكوبة ، ومن موقعها هناك في السماء رأت جثة كان قد سرقها هادي العتاك اشلاء ومزقاً من موقع انفجار سابق – لأسباب مبهمة – واعاد خياطتها وترميمها ، ثم أودعها بيته الخرب في البتاوين . ولأن الرواية تشتغل في منطقة الفنطازيا ، وهذه المنطقة لها منطقها الخاص والمفارق والذي يصعب توقع ردود افعال الذين يعيشون تحت تأثيره ، لذلك ارتأت روح حسيب ان تُنهي حالة ضياعها ، وتأخذ بنصيحة ميت النهر ونصيحة موتى مقبرة النجف السابقتين وتتلبس الجثة المسروقة . وهكذا تم التكامل – الذي هو إحد ثمرات المنطق – في عالم اللامنطق ما بين روح بلا جسد من جهة ، وبين جسد بلا روح من جهة أخرى . وهكذا أيضاً ولد فرانكشتاين ، أو ( الشِسمة ) كما سماه هادي العتاك والأخرون .
kh ahmad sadawiوبالرغم من أن المرويات التي سبقت مروية حسيب لم تكن لتخلو من ملامح غرائبية ، مثل حواريات العجوز إيليشوا الليلية مع الصورة الناطقة للقديس ماركوركيس الشهيد ( وسبقت الإشارة إليها ) وكذلك غرائبية سلوك هادي العتاك ( التي سبقت الإشارة إليها أيضاً ) في سرقته لأشلاء جثث شتى ممزقة وخياطتها في جثة واحدة ، والعيش معها في بيت واحد ، ومن ثم غياب الجثة غياباً غرائبياً . بالرغم من ذلك إلا أن الانتقال المفاجيء عبر مروية حسيب من موقع سردي على مشارف الواقع الأرضي ، إلى موقع ماورائي خالص جاء مبهراً ومثيراً . وهذه المروية تتنقل ما بين فضائين مكانيين ، الأول مدينة الصدر التي عاش فيها حسيب ، وترك فيها بعد موته أسرته . وهذا المكان خال من أية دلالة مرجعية ، وجاء في سياق تقديم موجز للمحيط الأسري والاجتماعي الذي عاش فيه . إلا أن الدلالة المرجعية هي في المكان الثاني ( البتاوين ) الذي سيعقب هذا التقديم السريع مباشرة ، حيث تجد روح حسيب جسداً تسكنه ، واناساً تنتسب إليهم ، وملاذاً تأوي إليه هرباً من ملاحقة العيون . وبذلك ينتهي الدور ( الخامل ) لحسيب ( الحي ) الذي يسكن مع عائلته في مدينة الصدر ، ليبدأ الدور ( الفاعل ) لحسيب ( الميت ) بعد اتحاد روحه بالجثة ، وتكوينهما معاً المخلوق الذي روع المدينة .
ومع تخليق إنسان جديد من تكامل روح حسيب مع الجثة التي خاطها ورممها هادي العتاك ، كان لا بدّ من أن يبحث المخلوق الجديد له عن هوية ، وأن يتخذ له مركز عمليات في موقع بؤري يسهل منه الانتقال إلى المناطق المحيطة والمجاورة . ولعل تناهي صوت أم دانيال العجوز ، إلى أذن المخلوق الجديد وهو لم يزل في بيت العتاك ، وكانت لحظتئذ تنادي ابنها الفقيد في الحرب ( دانيال ) قد أضاء أمام المخلوق الجديد الحل لهذين القضيتين ، وأيقظ لديه الرغبة في استعارة هوية الأبن المفقود بالرغم من انعدام الشبه ما بينهما . وعبر الثغرة الناجمة عن انهيار جزء من الجدار الفاصل ما بين بيت العجوز إيليشوا وبيت هادي العتاك والتي شكلت بوابة العبور ما بين عالم الوهم ( التخليق ) وعالم الحقيقة ( الظهور ) ، تسلل ( الشِسمة ) ليقف بين يدي والدته المضللة والمشوقة جداً بعد عشرين عاماً من الغياب ، فاستقبلته بمنتهى الفتور ، ولم تسأله عن غيبته ، فقد كانت قد وعدت قديسها ( ألا تسأل أسئلة كثيرة . ص / 64 ) كما أن اختلاف شكل المخلوق الجديد عن شكل إبنها لم يثر اهتمامها لأنه ( لا يعود الكثيرون بصورتهم التي خرجوا بها ، لديها من القصص ما يكفي لتبرير هذه الاختلافات والتغييرات . ص / 64 ) . هذا هو تسويغ العجوز إيليشوا للاختلاف ما بين الصورة ( الماضي ) والتجسيد ( الحاضر ) أما من وجهة نظر المخلوق الجديد ( الشِسمة ) أو النسخة الجديدة من الإبن دانيال ، فهو متأكد أن العجوز  ( استناداً إلى بصرها الضعيف ، ألمؤكد أنها لن ترى حين تدخل ثانية إلى الصالة إلا ما تريد هي أن تراه . ص / 65 ) ، وما بين الحقيقة ، وما يريد المرأ أن يراه منها تضيع الكثير من القرائن ، لكن ذلك لا يعني انعدام الضابط الذي يحقق الموازنة – حتى ولو بشكل متعسف – ما بين عالمي الوهم والحقيقة بما يؤدي إلى إبقاء عجلة الأول مستمرة بالدوران على أرض العالم الثاني ، تحاشياً لخلخلة ما تقوض طمأنينة الذين يعيشون في منطقة التماس القلقة ما بين العالمين . والضابط الذي يحكم إيقاع الموازنة ، ويضمن استمرارها هو القديس المحارب ماركوركيس الذي كانت صورته تواجه ( الشِسمة ) ، وكانت وحدها التي تشهد ما يدور من تداخل واختلاط ما بين  كلا العالمين ، ولذلك وجه القديس من خلال صورته إنذاراً للإنسان الجديد ، سمعه وفهمه هذا الأخير قبل أن يباشر لعبة وجوده في عالم الأم المضللة :
( كانت صورة بديعة لقديس وسيم ذي شفتين دقيقتين ، وهاهما الشفتان تتحركان الآن :
–    عليكَ أن تكون حذراً
شفتا القديس تتحركان بحق :
–    إنها إمرأة عجوز منكوبة ، إذا قمت بإيذائها ، أو جعلتها تحزن ، أقسم أني سأغرز رمحي هذا في حلقك .
( ص / 66 )
ولعل إنذار القديس – الصورة هذا هو علامة موافقة مشروطة على اقتحام ( الشِسمة ) لحياة العجوز ، وليس علامة رفض لهذا الاقتحام . هكذا فهم المخلوق الإنساني الجديد هذا الإنذار وسيذعن له كما اذعن التنين الخانع في الصورة لإرادة القديس وقبع خانعاً تحت رمحه ، وهكذا أيضاً سيعيش ( الشِسمة ) في بيت العجوز دون أن يؤذيها كما صار فيما بعد يؤذي ضحاياه وينتقم منهم .
ومع انطلاق النسخة الجديدة من المخلوق الإنساني المركب تبدأ أخبار حوادث القتل بالشيوع دون اي ربط سردي في بدايتها ما بين الفعل والفاعل إلى أن حان الوقت المناسب لذلك الربط مع تحول موجة الرعب إلى حقيقة من حقائق المدينة . ففي الأيام الأولى قتل ( أربعة شحاذين + أبو زيدون الحلاق + ضابط وجد مخنوقاً في بيت دعارة ) ثم بدأت الجرائم تتكرر بمعدل ( جريمة واحدة أو اثنتين في اليوم ، ومع توالي الأيام والأشهر أصبح العدد كبيراً . ص / 125 ) ومع ذيوع أخبار الجرائم تبدأ الملامح غير المؤكدة تماماً للقاتل المفترض بالشيوع ، وهي مهما اختلفت من شاهد عيان إلى أخر ، أو من دعيّ إلى آخر إلا أنها تقريباً تكاد تتفق على دمامة القاتل التامة ، ووجهه الممزق والمعادة خياطته ، وهذا التوصيف يذكر بمشهد من عالم الواقع عندما رمم هادي العتاك جثة من خياطة بقايا جثث شتى ممزقة . اما التوصيف الأخر للقاتل الذي شاع فيما بعد فهو اختراق الرصاص لجسده دون أن يؤذيه أو يتسبب له بأي نزف ، وهذا التوصيف يذكر بمشد من عالم الوهم عندما اتحدت روح حسيب الحارس بالجثة المخاطة . ومع اكتمال الصورة في ذاكرة السرد تبدأ مرحلة الربط ما بين الفعل – القتل الذي تناسل وأصبح أفعالاً تتكرر كل يوم ، وما بين الفاعل الذي ليس هناك سوى رجل غامض واحد يحمل مواصفاته  ويتبعه الراوي مثلما تتبعه المؤسسات الأمنية . وعندما تمنح الفنطازيا فرصة بناء وتأثيث عالمها الضبابي ، فإنها لا تُقصر السكن فيه على الصورة الناطقة للقديس ماركوركيس الشهيد وعلى النسخة الجديدة من الإنسان المركب ( الشِسمة ) فحسب ، بل تضيف إليهما مؤسسة رسمية – أو شبه رسمية – من عالم الحقيقة ، لكنها مسخرة لاستكشاف خفايا عالم الوهم ويطلق عليها ( مديرية المتابعة والتعقيب ) يديرها رجل عسكري برتبة عميد وبدرجة مدير عام هو سرور محمد مجيد ، وكل العناصر العاملة في المديرية هم من الباراسايكولوجيين والسحرة والمنجمين وقراء الطالع ، وتتولى المديرية تسخير عالم الأرواح لإماطة اللثام عن أسرار الجرائم الغريبة التي تجتاح المدينة قبل وقوعها ، وكشف مرتكبيها . وبتولي مؤسسة من عالم الحقيقة اختراق عالم الوهم تكون الحدود ما بين العالمين قد تعرضت للتداخل أو التلاشي لصالح توسيع عالم الوهم على حساب عالم الحقيقة . ومن مفارقات الرواية أنها تبدأ صفحاتها الأولى ب ( تقرير نهائي ) بمستوى كتمان ( سري للغاية ) كتب بنفس اللغة التي تكتب بها التقارير في الدوائر الرسمية . وهذا التقرير استل من موقعه المفترض في نهاية الرواية ، ووضع في بدايتها ليلمح إلى دائرية الزمن السردي . وهو أشبه بنص مواز يضيء جوانب من عمل الدائرة ، إن لم يكن يزيدها غموضاً ، رفعته لجنة مشكلة لتقييم عمل دائرة المتابعة والتعقيب التي كانت قد فشلت في عملها في فض أسرار الجرائم الغامضة ، وظروف تشكيلها ، والتناقض الذي حدث ما بين المهمات الموكلة إليها رسمياً من جهة ( كأرشفة وحفظ الملفات والوثائق ) والمهمات التي انزلقت لممارستها من جهة أخرى ( مثل استثمار القدرات الغيبية للمنجمين والسحرة وقراء الطالع لوضع توقعات للحوادث الأمنية الخطيرة ) . وزيادة في التشويق ، وخلط الأمورعلى القاريء ما بين المعقول واللامعقول يكشف تقرير اللجنة عن العثور على بعض المستمسكات التي قادت للوصول إلى المؤلف ، وإلقاء القبض عليه في محل إقامته في فندق الفنار بشارع أبي نواس ، وعثر بحوزته على نص القصة التي وظف بها المعلومات المستلة من وثائق دائرة المتابعة والتعقيب ، وكان من توصيات اللجنة مصادرة القصة لدواع ( إحترازية ) . ولا تخلو مهام المديرية من طرافة متعمدة تلمح إلى اختلاط ثلاثي الشعوذة بالسياسة بالدين في تركيبة غير متجانسة ترمز للتخبط واللاعقلانية في سياسة البلد الجديدة . فالمدير العام للمديرية العميد سرور ( كان ينزعج أحياناً حين يتم تجاهل رتبته وسيرته العسكرية ليتصلوا به بعد منتصف الليل من مكاتب القادة المتنفذين ليسألوه عن تفسير حلم ما . ص / 248 ) ولعل ذلك ملمح من اللغة التهكمية التي يغلف بها الراوي سرده لأحداث تتسم بالمرارة والجد معاً .
وعوداً لآلية عمل دائرة المتابعة والتعقيب ( من مؤسسات عالم الحقيقة ) التي تعمل بتراتبية وظيفية مناظرة إلى حد ما إلى تراتبية العمل في الطرف المقابل ، منظمة الشِسمة (  من مؤسسات عالم الوهم ) وسنأتي على تحليل هيكلية تلك الأخيرة فيما بعد . ففي مديرية المتابعة والتعقيب هناك كبير المنجمين ، والمنجم الصغير من بين صفوف السحرة والمنجمين . وكما في منظمة ( الشِسمة ) فالأخيرُ في سلم التراتب هو أكثر فعالية ممن يتقدمه ، فقد تمكن المنجم الصغير قبل الكبير من متابعة خطوات ( الشِسمة ) عبر أوراق اللعب دون أن يتمكن من تمييزه ، إذ تمكن هذا الأخير من أن ( يجرب عمل اتصال مع روح المجرم الذي لا أسم له ، ففي الوقت الذي ينشغل فيه أستاذه بمعرفة وجهه ، كان هو منشغلاً بروح هذا المجرم . ص / 254 ) وفي حين فشل المنجم الكبير في خلق اتصال روحي مع المجرم ، كان الصغير قد ( نجح في خلق اتصال مع روح هذا الوحش المخيف . ص / 254 ) وبذلك يكون المنجم الصغير قد شعر ( إنه الآن أكثر قوة وتأثيراً من أستاذه . ص / 254 ) . وكما أن صراعاً خفياً يحكم العلاقة المرتبكة في منظمة الشِسمة ، ما بين أكبر أثنين من مساعديه هما ( السفسطائي ) و ( الساحر ) دافعه التنافس الذي يثير كوامن الغيرة والحسد ( وسنأتي على تفصيل ذلك فيما بعد ) ، فهناك في المقابل صراع مماثل في مديرية المتابعة والتعقيب بين كبير المنجمين والمنجم الصغير .
ولكن الإنسان التركيبي الجديد ( الشِسمة ) لا يبدو أنه مجرد قاتل عابثٍ ينشد الثأر لكل الضحايا الذين لهم من أجسادهم حصة في تكوين جسده فحسب ، فرؤيته ورؤية كبار مساعديه للجريمة لا تخلو من تصورات فلسفية تتناص مع أدبيات الأديان ، ومع أساطير الأمم القديمة ، وتشكل – ربما – رؤية دين جديد تتداخل فيه المفاهيم والمصالح تداخلاً تضيع معه بوصلة الحقيقة ، بل حتى بوصلة الوهم ، ويصبح من العسير الاتفاق على معنى مشترك لتفسير ما يدور على أرض المنظمة السرية أو حولها من صراعات سواء ما بين الأتباع أو ما بين المساعدين من جهة ، أو ما بينهما وبين الخصوم من جهة أخرى . وهذه الرؤية يصوغها ويُنضجها ستة من مساعدي ( الشِسمة ) ، ألثلاثة المهمون منهم معنيون بالجوانب المهنية ، ولذلك هم يقترحون الحلول العملية للمشاكل التنفيذية ، وهؤلاء الثلاثة هم : ( الساحر ، والسفسطائي ، والعدو ) . أما الرؤى الفلسفية والفكرية فيصوغها المساعدون الثلاثة الأقل شأناً – حسب تقويم الشِسمة – من بينهم ، وهؤلاء الثلاثة هم ( المجنون الصغير ، والمجنون الكبير ، والمجنون الأكبر ) ورؤى هؤلاء هي في الغالب ذات طابع ديني معدّل وفق متطلبات ظروف الاحتلال المتقلبة ، وما تمخضت عنه من هزات إجتماعية . فالمجنون الصغير يرى أن الشِسمة ( هو مثال المواطن الأنموذجي الذي فشلت الدولة العراقية في إنتاجه منذ أيام الملك فيصل الأول ، وحتى الاحتلال الأمريكي . ص / 161 ) وذلك لأن مادة هذا الإنسان التي لملمها هادي العتاك مِزقاً من أجساد أعداد من ضحايا الانفجار هي الخارطة التي عليها تقرأ البشرية ملامح نشوء وتطور التركيبة المجتمعية العراقية ، أو كما يفسر – الشِسمة – فكرة المجنون الصغير هذه ( ولأني مكون من جذاذات بشرية تعود لمكونات وأعراق وقبائل وأجناس وخلفيات اجتماعية متباينة ، أمثل هذه الخلطة المستحيلة التي لم تتحقق سابقاً . أنا المواطن العراقي الأول . ص / 161 ) . أما المجنون الكبير فيرى أن الشِسمة ( أداة الخراب العظيم الذي يسبق ظهور المخلص الذي بشرت به كل الأديان على الأرض . ص / 161 ) . أما المجنون الأكبر فهو يرى أن الشِسمة هو المخلص ذاته ، وهو بصدد إعداد كتاب مقدس يشرع فيه أن الشِسمة هو صورة الإله المتجسدة على الأرض ، وإنه ( أي المجنون الأكبر ) هو ( الباب ) لهذه الصورة ( ص / 170 ) . إلا أن حصر دور المساعدين الثلاثة الأخيرين في بناء نظام فكري مقنن بالشِسمة ورسم أبعاد دوره المنتظر في مستقبل البشرية ، لا يعدم ايضاً أن يضيفوا إليه دوراً أخر كأن يساهموا في تقديم خدمات تنفيذية لسيدهم ، مثل تزويده بالملابس المناسبة لكل مهمة ، وإفراغ جسده من الرصاص الذي يتعرض له بعد كل مواجهة ، وتوفير قطع الغيار للأجزاء التالفة من جسده من أجساد موتى أخرين . وبعد أن كانت أسطورة الشِسمة قد وسّعت من حدود طابعها الفنطازي بأن أضافت إليه  طابع القوة العضلية الخارقة التي تستهين بالرصاص ، وتبطش بالأعداء جماعات وفرادى ، إلا أن هذه المنظومة من المساعدين والاتباع أضفت على الأسطورة طابعاً جديداً أخر هو طابع التقديس ، وبشرت ب ( الشِسمة ) وكأنه راع لدين جديد في فوضى اختلاط السياسة بالدين بالجريمة ( كانت رؤيتي محرمة عليهم ، لذا حين كنت أنزل من الطابق الثالث ويصادفوني في الممرات ، أو عند السلم يسجدون على الأرض بسرعة ، أو يغطون وجوههم بأيديهم خشية ورعباً . ص / 170 ) ولا غرابة أن تكون تلك الخشية ، وذلك الرعب من أهم الأدوات التي تستعين بها المقدسات لضمان ولاء الأتباع .
وإن كانت منطقة الوهم من النص – كما بينا سابقاً – في اتساع دائم على حساب الواقع ، فإن التحليل النصي من زاوية أخرى يكشف كأن هناك في مقابل مستوى السرد الفنطازي الذي تحظى به أسطورة الشِسمة ، وما تثيره لدى الجهات الرسمية ، أو في الشارع من لغط  فهناك مستوى أخر أكثر تماساً مع الواقع وأدق تصويراً لبشاعته يتمثل بالصراع السياسي ما بين القوى السياسية ، وما ينجم عنه من إغتيالات وتفجيرات وعمليات اختطاف وتهجير . إلا أن ثمة عنصر مشترك ما بين المستويين يتمثل بصعوبة فهم الظروف التي أنتجت المستويين ، وصعوبة تفسير ما يفرزانه من أحداث ، واستحالة مسك الخيوط التي توصل إلى حقيقة كل منهما ، حتى ليبدو أحياناً بأنهما ليسا سوى صورتين من زاويتين مختلفتين لحقيقة واحدة بلغت من المرارة حداً جردها من خصائصها وحشرها في منطقة الغواش .
وإن كانت تركيبة الشِسمة المكونة من مزق من أشلاء ضحايا عديدين من اعراق وأديان وطوائف شتى ، وإن دوره في حياته القصيرة يقتصر على أخذ الثأر لكل بريء له جذاذة في جسده من قاتله أو من قاتليه ، حتى إذا ما أخذ الثأر لصاحب تلك الجذاذة سقطت لوحدها من جسده وذابت ، وهكذا يتلاشى ويذوب جسده مع كل عملية انتقام وثأر حتى إذا ما انتقم لكل الضحايا ، عاد الموت ( الأبدي ) يتخطف روحه وجسده من براثن الموت ( المؤجل ) الذي يعيشه ناقماً ومنتقماً . وبمعنى آخر فإن الجذاذات ما كان لها أن تنضم إلى جسد الشسمة إلا بعد تمزيقها من قبل قاتل ما . وإن تساقطها فيما بعد من جسده ما كان له أن يتم إلا بعد نيله من ذلك القاتل . فصورة القاتل ماثلة سواء في الضحية ، أو في المنتقم – الشِسمة . والمنتقم هو قدر الضحية ، وهو قدر القاتل معاً ، فالثلاثة ( القاتل والقتيل والشِسمة / المنتقم ) يستجلب إليه بعضهم بعضاً كما يستجلب المغناطيس الحديد ، أو كما يستجلب الحديد المغناطيس ، وأن الثلاثة ويفني بعضهم بعضاً في تعاقب إيقاعي غريزي منتظم لا مناص لهم منه .  والمفارقة في هذا الثلاثي هو أن كل طرف منه علة وجود الطرفين الأخرين ، وهو في الوقت ذاته علة فنائهما .
بدءاً من الصفحة ( 209 ) يختفي الشسمة فعلياً من الأحداث ويبقى مجرد ذكرى في الوسط الذي نشأ فيه ، أو لدى من يبحثون عنه . وكان آخر ظهور سردي له مع هادي العتاك ، أبلغه خلاله أن يوصل تحذيره للصحفي محمود السوادي من الإساءة إليه عبر مجلة ( الحقيقة ) التي يعمل بها ، وخلال هذا الغياب تضاف مساحات سردية واسعة إلى مرويات الشخصيات الأساسية الأخرى ( العجوز إيليشوا / هادي العتاك / محمود السوادي ) ويُفسح المجال لظهور شخصية جديدة ولكنها ثانوية ، يقتصر دورها على إنجاز حدث واحد فقط تختفي بعده ، ولكن ذلك الحدث الطاريء والقصير سيغير مسير الأحداث ، ويختم مروية العجوز إيليشوا التي هي واحدة من أهم الشخصيات المحورية ، وتلك الشخصية الجديدة الطارئة هي دانيال حفيد إيليشوا من إبنتها هيلدا ، جاء ليصحب جدته معه إلى أستراليا التي يقيم فيها مع والدته وخالته وكامل أسرتيهما . وفي غياب الشِسمة عن السرد – كما ورد أنفاً – يبدو أنه غاب أيضاً عن ذاكرة العجوز إيليشوا التي ظنت أن حفيدها هو ذاته إبنها الذي كانت الحرب قد غيبته دون أن يضع النص حلاً للالتباس الذي أربك القراءة ، والذي نجم عن أن العجوز إيليشوا كانت قد فتحت بيتها قبل ذلك ل ( الشِسمة ) باعتباره الإبن الغائب – العائد .
وبعد غياب قرابة المئة صفحة بدءاً من الصفحة 209 ، عاد الشِسمة للظهور مجدداً وسط البيت الخالي للعجوز إيليشوا بعد أن باعته مع كامل موجوداته وهاجرت إلى أستراليا ، دون أن يترك إجابة لتوضيح أسباب ذلك الغياب . وعدا ذلك الظهور التذكيري الذي لم يضف شيئاً لمسيرة الأحداث ، ف ( الشِسمة ) لم يظهر ظهوراً فعلياً مباشراً ومؤثراً بدءاً من الصفحة 209 ، وحتى نهاية الرواية التي تبلغ ( 350 ) صفحة إلا مرة واحدة فقط أنجز خلالها عملية قتل كبير السحرة ومثل بجثته .
ويبدو أن لعبة المشاركة في الأحداث المتسارعة والدراماتيكية قد استهوت الكاتب فحول شخصيته الحقيقية إلى شخصية نصية ، ودخل في الرواية من ثلاث نوافذ .
ألنافذة الأولى : عبر ( التقرير النهائي ) الذي ابتدأت به الرواية .
ألنافذة الثانية : وعبر هذه النافذة أطل المؤلف على أبو سليم في المستشفى الذي يرقد فيه بعد تعرضه لحادث إنفجار ، ليسجل – بصفته الشخصية كمؤلف – معه حديثاً عن الانفجار ( ص / 306 ) . ولست أدري أن كانت صفته تلك تخوله إجراء لقاءات مع جرحى الانفجارات في المستشفيات ، ولكنها بالتأكيد محاولة للتدريب على الدور الجديد الذي سيضطلع بإدائه فيما بعد في الفصل المعنون ب ( المؤلف – ص / 323 ) والذي سيخرج فيه من دور الراوي المفارق ليصبح راوياً مشاركاً .
ألنافذة الثالثة : إلا أن النافذتين السابقتين اللتين يبدو أنهما لم تشبعا طموح المؤلف أوجدت له منفذاً أوسع وإطلالة أطول عبر النافذة الثالثة في الفصل الثامن عشر ( ص / 323 ) الذي خصص جزءاً منه لنفسه ، وعنونه ب ( المؤلف ) وفي هذا الفصل – او في جزء منه – يتحول المؤلف إلى راو مشارك ويكشف عن أول تعارف له مع الصحفي محمود السوادي ، وهو تعارف على طريقة الراوي العليم ، فالمؤلف يعرف الكثير عن محمود قبل أن يتم التعارف الفعلي بينهما ، ويبدو أن المعرفة المسبقة ما بين المؤلف ومحمود السوادي ( قبل أن يكونا قد تعارفا بالفعل ) هي معرفة متبادلة ما بين الاثنين لا تقتصر على المؤلف فحسب ، فمحمود يعرف أيضاً أن الذي يقف بمواجهته يعمل ( مؤلفاً ) . ولذلك عرض محمود على المؤلف شراء جهازه المسجل بسعره الأصلي مضافاً إليه سعر المادة المسجلة فيه بثلاثة اضعاف سعر الجهاز ، وهذه المادة تتضمن محكية فرانكشتاين أو ( الشِسمة ) بصوته ، وهذا السعر يعكس تقدير محمود لأهميتها بالنسبة للمؤلف ( كان عرضه غريباً ، إنه يريد اربعمئة دولار مقابل جهاز التسجيل الديجتال نوع باسونيك ، مئة دولار كسعر اصلي للجهاز ، وثلاثمئة للقصة التي تحتويها التسجيلات فيه . إنها أغرب قصة مرت عليه ، ويمكن لمؤلف مثلي – كما يقول – ان يستفيد منها في كتابة رواية عظيمة . ص / 324 ) . ولا بد من الإشارة إلى أن الحكي على مدى الفصول السابقات كان برانياً ، وكان واضحاً صوت الناظم الداخلي الذي يدير دفة السرد ، ويُنظم توزيع الأدوار وتنسيق المواقف والأحداث . ينضم إليه ( الناظم الخارجي ) ممثلاً بالشخصيات التي تفصل ما بينها وبين الناظم الداخلي مسافة غير سالكة . وفي فصل ( المؤلف ) تغيرت الرؤية حيث أصبح الحكي جوانياً بوجود الراوي المشارك ، وفي هذا الفصل كانت اصوات الشخصيات واضحة ومسموعة ، وهي تكوّن الفواعل الداخلية إضافة لصوت المؤلف الذي يؤدي دور الفاعل الذاتي . وخلاف الفصول السبعة عشر التي سبقت هذا الفصل ، حيث كان خلالها السرد يتم بضمير الغائب ، أصبح السرد في هذا الفصل بضمير المتكلم خصوصاً في الجزء المتعلق بالمؤلف نفسه ، ولكن ذلك لا يمنع أن يتحول السرد إلى ضمير الغائب مع عودة الراوي المفارق مجدداً ليكمل مرويات الأخرين ( إستغرق التحقيق مع محمود السوادي ساعات طويلة خلال اليوم الول لاعتقاله . ص / 327 ) أو ( خرج أبو سليم من مستشفى الكندي على عكازتين ، جاء أولاده وأخرجوه . ص / 332 ) .
ولعل من الظواهر اللافتة في الرواية هو كثرة اعتمادها على زمن المستقبل ، وتخمين أو توقع الاحداث قبل وقوعها . وإن كان ذلك يبدو طبيعياً في رواية تعتمد على التنبؤات ، وتجعل منها ممارسة موازية للواقع ، ومكملة له عبر الاستعانة بمؤسسة مهمتها استحضار المستقبل لتلافي مفاجآته ، إضافة إلى أنها تضج بأعداد من السحرة والباراسايكولوجيين والمتنبئين وقراء الطالع . إلا أن تأثير هذه الظاهرة السردية ( الاستقبال ) لم ينحصر بمن يمارسون مهنة الغيب فحسب ، بل امتدّ إلى الشخصيات الأخرى التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بها ، مثل استقبال أم سليم البيضة للكارثة الغامضة التي ستحيق بالبتاوين في  غياب الحامية الروحية للمنطقة العجوز المبروكة إيليشوا ( قالت لهم أم سليم أن كارثة ستحل بالزقاق بسبب رحيل أم دانيال . ص / 297 ) ولم تستثن ظاهرة الاستقبال ذات الطابع التنبؤي الشماس نادر شموني الذي كان يرى بنظرته النقية المستبشرة وهو يغادر – بسبب تردي الأحداث الأمنية –  بيته في الدورة ببغداد إلى عين كاوة في أربيل انه ( ستنتهي هذه الفوضى وستستقر أمور البلاد ، ويعود قريباً ، ربما خلال سنة أو أكثر قليلاً . ص / 246 ) ، وبنفس الحس الذي لا يخلو من نقاء ديني كان ( يستقبل ) مصير العجوز إيليشوا ، فهي كما يرى ( تزحف بثبات باتجاه الموت ، لن تصمد سنة أخرى ربما . ص / 246 ) بينما كانت رؤية العجوز إيليشوا الاستقبالية لمصيرها تؤكد رؤية الشماس تلك ( لم تكن العجوز تفكر إنها سترى هذا الشماس ذا الشاربين التركيبيين ثانية ، وكلاهما كان مخطئاً . ص / 246 ) ولعل العبارة الأخيرة من المقبوس تعبر عن دخول الراوي المفارق على خط الاستقبال بتأكيده أن رؤيتي الإثنين ( الشماس والعجوز ) كانتا مخطئتين وكأنه القدر الذي تودع في خزانته المصائر ، ويعرف وحده الصواب ، ملمحاً بذلك التخطيء الذي يأتي قبل اللقاء التالي – الذي سيجمعهما بوجود الحفيد دانيال – بأنهما سيبقيان حتى تحقيقه على قيد الحياة ، وهذا ما حدث فعلاً .
ومن الملامح الأسلوبية المميزة تكرار سرد بعض الأحداث ، ولكن من زوايا مختلفة على طريقة تكرار المشاهد السينمائية من زوايا عدة ، وأحياناً يحدث التكرار من قبل عدة أشخاص من دون ان يتغير الراوي الوحيد والمفارق الذي تولى سرد اغلب فصول الرواية باستثناء جزء من فصل المؤلف ( كما ورد سابقاً ) ، وهذا الأسلوب يتيح للمشهد الواحد المكرر أن يتسع في كل مرة بإضافات جديدة ، ورؤية جديدة ، أو أن الحكاية أو جزء منها يؤجل إلى فرصة أخرى حتى تستكمل شروطها وتصبح مهيأة للتقديم بصورة أنضج مثل قصة الدعوى المرفوعة ضد الصحفي محمود في أحد مراكز الشرطة في مدينة العمارة بتهمة التحريض بالقتل ، وهذه القضية طرحت في أقل من سطرين من قبل العميد سرور ( ص / 185 ) ولعل الغاية من التلميح بطرحها هي الابتزاز . لكن محمود يستذكر الحادثة فيما بعد مع نفسه بتفاصيلها وبدوافعها الحقيقية ، بعد أن كان قد نبشها العميد سرور وأخرجها إلى سطح الذاكرة  ، وجاء استذكار محمود للحادثة في أكثر من اربع صفحات ( ص / 189 ) .  وكمثال على التكرار قصة جهاز التسجيل الذي أعطاه محمود إلى هادي العتاك لإجراء حديث مع الشِسمة ( ص / 146 ) والتي تتكرر ثانية ( ص / 151 ) . ومثل حادثة نجاة هادي العتاك من الانفجار قرب ساحة الاندلس ، وقد رويت الحادثة للمرة الأولى من قبل الراوي ، ثم أعيدت ثانية على لسان الراوي ، ولكن من وجهة نظر الصحفي محمود السوادي واصدقائه الذين كانوا عائدين إلى مواقع إقامتهم بعد جلسة سكر عندما حدث الانفجار . والمرة الثالثة رويت على لسان الشِسمة عندما جاء إلى هادي العتاك يبلغه بأنه وضعه ضمن قائمة ضحاياه . ولعلنا نذكر في هذا السياق تكرار قصة اليوميات الخطيرة التي كتبها أبو محمود قبل موته ، وقصة العجوز عبد الودود الامرلي وحبه لإمرأة روسية ونيته في بيع بيته في الكرادة من أجل اللحاق بها . وقصة مقتل الشحاذين الأربعة وغيرها كثير . ولعل أبعد مسافة تفصل ما بين صيغتين مكررتين لقصة واحدة هي المسافة التي تفصل عرض أم سليم البيضة للعجوز إيليشوا بأن تنتقل الثانية للسكن في بيت الأولى معززة مكرمة . وقد وردت الصيغة الأولى للقصة في بداية الرواية ( ص / 17 ) ثم عادت لتتكرر ثانية بتفاصيل أشمل بعد أن كانت الرواية قد تجاوزت أكثر من ثلثيها ( ص / 227 ) .  والطريف أن الرواية تأتي عفوياً على ذكر ملامح من تقنية التكرار ، ومنهجية استخدامها وتطويرها عند الحديث عن تلفيقات هادي العتاك وأكاذيبه لرواد مقهى عزيز المصري الذين يطالبونه بإعادة سرد قصة ترميم وخياطة الجثة ( فلا يتردد عن سردها مرة بعد أخرى ، ولكن مع إضافة تفاصيل جديدة تشوه الحكاية المعروفة التي ظل منذ أواخر الربيع الماضي يعيد روايتها على مسامع جلاسه . ص / 208 ) .
ولعل من أجمل المظاهر الاسلوبية للرواية هو ما انطوت عليه من معرفة عميقة بتقاليد المجتمع المسيحي الأثوري البغدادي الدينية والاجتماعية عبرت عنه الأسماء المميزة للشخصيات والأماكن والكنائس ، والعرض الفولكلوري للأزياء والأيقونات واللوحات ، والمعرفة العميقة بالطقوس الدينية والمناسبات وبأساليب تعامل رجال الكنيسة مع رعاياها والتسهيلات التي يقدمونها لهم ، بل واستخدام بعض المفردات والصياغات اللغوية دون مقابلتها بترجمة عربية في تماه تام ما بين اللغتين الذي هو انعكاس لتماهي التقاليد والحياة المشتركة .
لكن جرعات الغموض المركزة التي رافقت كل أحداث الرواية لا تنتهي مع الإعلان الحكومي عبر القنوات التلفزيونية بإلقاء القبض على المجرم الذي روّع المدينة ( الشِسمة ) أو ( فرانكشتاين ) والذي خرجت عن بكرة أبيها إلى الشوارع للاحتفال بإلقاء القبض عليه .  فالمجرم الذي ألقي القبض عليه لم يكن في الحقيقة سوى صانع الأسطورة والمروج لها ( هادي حساني عيدروس ) أو ( هادي العتاك ) وهذا الإعلان المفاجيء لمجريات السرد ، والمناقض لتعاطف القاري ولتوقعاته ، لم يكن في الحقيقة إعلان نهاية ، بل هو إعلان بداية ، لا سيما أن بذرة أخرى من الغموض كانت قد وجدت لنفسها فرصة للنمو بعيداً عن أعين الرقباء وضجيج المحتفلين . ففي ذات الفضاء الذي ولدت فيه الأسطورة ونمت وانتشرت لتروّع المدينة والنظام السياسي الجديد ، وفي بناية فندق العروبة المهجور في البتاوين كان القط العجوز نابو ( يتجول في بناية الفندق المهجورة . بالإضافة إلى شبح رجل يقف منذ ساعة عند النافذة العارية من إحدى غرف الطابق الثالث يراقب احتفالات الناس بصمت وهو يدخن . ص / 350 ) ثم ( أقعى الرجل يداعب القط ، ويمسح على جسده العجوز الذي تساقط معظم شعره ، ظل يلعب معه ويمازحه ، وكأنهما صديقان حميان . ص / 350 ) والقط نابو هو التركة الحية الثانية من بين تركتين حيتين لا ثالث لهما تركتهما معلقتين دون التفكير بمصيرهما العجوز إيليشوا بعد بيعها بيتها لفرج الدلال وهجرتها إلى أستراليا . بينما كانت التركة الحية الأولى هي ( الشِسمة ) نفسه الذي عاش معها في بيتها بعد أن أقنعها بأنه أبنها دانيال العائد من سنوات الفقدان في الحرب . فهل كانت تلك الصداقة الحميمة بين القط نابو والرجل الغمض وليدة لحظتها ؟ أم انها ثمرة عِشرة طويلة سابقة في بيت واحد ؟ وهل ان الشبح الغامض والقط العجوز هما التركتان اليتيمتان ذاتهما وقد اجتمعتا في أروقة الفندق المهجور لتعوضا ببعضهما حنان الأم المهاجرة ؟ أم ان اجتماع التركتين كان من أجل صياغة وإطلاق المرحلة الجديدة من أسطورة فرانكشتاين البغدادي ؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *