عن دار ضفاف : الحرب الأهلية الإسبانية بترجمة “ضرغام الدبّاغ”

thurgham aldabaghقراءة : د. حسين سرمك حسن
                        29/4/2014
لعلّ الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) هي من أكثر الحروب الأهلية في التاريخ اثارة للإشكاليات بين المؤرخين . وأعتقد أن مشاركة عدد كبير جدا من المبدعين المشهورين في العالم العامل كان ذا تأثير خطير جدا ، فقد شارك في هذه الحرب المئات من المبدعين من بلدان كثيرة في العالم بعيدة عن ساحتها في إسبانيا . فناهيك عن بلدان أوروبا المجاورة ، جاء مبدعون وثوار من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية . كان مقتل لوركا ومازال مصدر انفعال وحزن للناس في أنحاء المعمورة .  وقد تأثرتُ كثيرا بمجرياتها التي وصفها بابلو نيرودا في مذكراته “أشهد أني عشت” .
عن هذه الحرب ، يقدّم المترجم الأستاذ “ضرغام الدباغ” كتاباً صدر مؤخرا عن دار ضفاف للطباعة والنشر (الشارقة/بغداد) عنوانه (الحرب الأهلية الإسبانية : 1936 – 1939) من تأليف : زيجفريد كوكلفرانتز . صدر الكتاب أصلا بمناسبة الذكرى الخمسين لهذه الحرب كحلقات في مجلة دير شبيغل الألمانية ، وكان بعنوان : “إنكم سوف تكسبون ، ولكنكم لن تنتصروا” عام 1986 .
في المقدمة الجميلة والكاشفة ، بخلاف الكثير من المقدمات التقليدية ، يشير الأستاذ ضرغام الدباغ إلى ظاهرة خطيرة لفتت انتباهه ، وهي أن من (الغريب أن لا تجد هذه الحرب مؤرخين وكتابا يوثقون مجرياتها ويحللون أحداثها بما تستحق من اهتمام . بما يبدو وكأن لجميع  الأطراف المصلحة في إسدال الستار عليها … فقد كان حتى الحديث عنها ممنوعا في عهد فرانكو .. وتجاهلها الفرنسيون المفترض عنايتهم بحكم الجوار ربما لإبعاد شبهة إدانتهم بالتقصير إزاء حكومة الجمهورية . وكذلك الحكومة البريطانية التي كانت مواقفها متردّدة ومتخاذلة إزاء جموح الهتلرية .. ولم يصلنا شيء مما نشر عنها في الإتحاد السوفيتي الذي كان الحليف الوحيد للجمهورية – ص 9) .
لقد اطلعنا في شبابنا – كما يقول الدباغ – على مجريات هذه الحرب من خلال السينما (فيلم لمن تقرع الأجراس) بطولة كاري كوبر وإنحريد برجمان) ، ورواية “الأمل” لأندريه مالرو ، وقصائد بريشت . حتى أن بطل مسرحية برشت الشهيرة : “غاليلو غاليلي” الألماني ، “إرنست بوش” كان من مقاتلي الألوية الأممية .. الكثير الكثير من المثقفين مثل إيليا إهرنبورغ ، وهمنغواي ، ومالرو ، وجورج أورويل ، ونيرودا ، وغيرهم شاركو في هذه الحرب .
لكننا – كقرّاء عرب خصوصاً – لم نطلّع على تأريخ هذه الحرب الدقيق .. وهذا لكتاب يقدم ذلك ويسد هذا النقص . بالإضافة إلى أنه يقدّم الدروس والعبر عن وحشية الحرب والخسارة المحتّمة لكل من يحاول إيقاف عجلة الحياة التقدمية الهادرة ليسبب آلاف الضحايا والخسائر الجسيمة .. فقد رحل فرانكو بعد 35 عاما ووصل الإشتراكيون إلى الحكم والشيوعيون إلى البرلمان (ولو كانت للقبور قدرة الكلام لقالت : ليتكم فعلتم هذا قبل 50 عاماً) (ص 11) .
ومن المهم أن نلتفت إلى إشارة الاستاذ ضرغام إلى تجنيد المواطنين المغاربة من قبل فرانكو لقتل الثوار بقسوة جعلت الكثيرين من المؤرخين يصفونهم بالبرابرة القساة . في حين أن هؤلاء هم ضحايا بدورهم لنفس النظام الإستعماري الذي مزّق بلادهم (ص 12) . وأنا شخصيا لمست هذا الموقف المفرط في الإدانة لدى بابلو نيرودا في مذكراته وقد انتقده المترجم في أحد هوامشه .
جاء الكتاب في أربعة فصول هي :
kh durghamالفصل الأول : التطوّر السياسي والإقتصادي والإجتماعي الحديث لإسبانيا ؛ انفجار الأزمات والتمرد العسكري
الفصل الثاني : معسكران في اسبانيا : المانيا وايطاليا تدخلان في الحرب الأهلية الفاشست يضغطون . الجمهورية تدافع عن نفسها
الفصل الثالث : الجمهورية تستعيد التوازن العسكري . الألوية الأممية كعنصر فعال في القتال . الاتحاد السوفيتي يساعد الجمهورية
الفصل الربابع : التناقضات الداخلية تضعف الجمهورية . المعارك الوحشية في المدن . الجمهورية تلفظ أنفاسها .
ولأن المترجم أخذ هذا الكتاب كـ “مشروع” لفهم واقعة تاريخية خطيرة ومأساوية ومتناقضة ، واستعد له بمراجعة أغلب ما كتب عن هذه الحرب ونشر من كتب تاريخ وأشعار ولوحات وروايات وغيرها ، فقد كانت تدخلاته في الهوامش شديدة الأهمية والإثراء . كما قدم مداخلة ختامية سمّاها (بدلا من الخاتمة) (ص 111- 114) حاول فيه أن يستعرض بصورة مختصرة ما لم يتطرق إليه المؤلف ويتعلق بالتطور السياسي لإسبانيا بعد الحرب الأهلية حتى وقتنا الراهن .
كما قدّم المعرّب أربعة ملاحق مهمة ترتبط بشخصيات ونتاجات بارزة اشتهرت بسبب معالجتها لموضوعة الحرب الأهلية ، وهي تغني معلومات القارىء بدرجة اكبر هي :
بيكاسو ولوحته العائدة إلى إسبانيا
لوركا الشهيد البريء
ماتشادو شاعر إسبانيا يموت مشرّدا
لمن تقرع الأجراس ، رواية أرنست همنغواي على الشاشة البيضاء .
وفوق ذلك فالكتاب هو قصّة جميلة سادها روح السرد الجذّاب .. وأنا شخصيا أحسست بأن قراءة هذا الكتاب هي من المرات القليلة التي أستمتع بها بكتاب تاريخ .. أكمله في جلسة واحدة وبلا ملل .
تبقى ملاحظة بسيطة وهي أن الأستاذ ضرغام استخدم تسمية “المترجم” على غلاف الكتاب الخارجي والداخلي ، ولكنه استخدم تسمية “المعرّب” للهوامش والخاتمة والملاحق ، وأعتقد أن هناك فرقا اصطلاحيا بين التسميتين .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

كتاب المناضل الوطني أحمد جربوني عن عبد الناصر يحيي الحلم العربي
الكتاب: الرئيس جمال عبد الناصر – القائد المعلم والزعيم الإنسان
نبيل عودة

المؤلف: أحمد صالح جربوني (عرابة البطوف) إصدار خاص- 266 صفحة من الحجم المتوسط اسم أحمد …

شكيب كاظم: جمال عبد الناصر.. من حصار الفالوجة حتى الاستقالة المستحيلة

استعرت عنوان مقالي هذا، من عنوان كتاب كتبه الصحفي الفرنسي ( جاك دومال) والصحفية الفرنسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *