محمد علوان جبر: علامك …… الشطر الأول من موسيقى الذات

الى …… ريسان الخزعلي وفاءا….*

في الشطر الاول من اول النضوج ،وكان هذا في اوائل سبعينات القرن الماضي ، حينما تعاقدت مع شركة نفطية ايطالية تدعى – سنام بروجيتي – كانت مهمتها تأشير علامات الخط الستراتيجي ـ الذي يبدأ من صحراء الرميلة ومرورا باطراف مدن البصرة والناصرية والسماوة، ومرورا بصحراء النجف ، كانــت الصحراء قبالتي ، ربما استطعت ان انجح في امتصاص صدمة وجودي وسطها ، او ربما علني كنت امني النفس في عبور الريح الجافة – ريح الرمال النزقة – قلت مالذي قادني الى هذا..؟ ، يومها لم اكن اعرف غير قضية وعمر منذور للوطن والشوارع والساحات ونشرات الاخبار التي تتحدث عن الوقت ( كانه سيف ان لم تقطعه قطعك) ولكن بمنظور اخر لاعلاقة له بالقطع الدموي ، كنت احفر في الرمل مخترعا بين الحين والاخر عمالقة من حجر ورخام ينتصبون وقوفا ، هياكل متحجرة من ايام الجفاف يتوزعون على جوانب الصدوع التي كنا ننبشها عبر تلك الاخاديد العميقة التي كانت ترسمها الشركة ، لم يكن يهمها ماكنت اراه في الصحراء وحيدا وبين ماكانوا يرومون الوصول اليه وهو مد الخط الستراتيجي بين البصرة وصولا الى ميناء جيهان التركي . يومها قلت انها ترهات وحديث غواية هذا الذي احفر جدوله في الارض السبخة ….. ربما فعلتها يومها وحاولت ان اكسر كل تحفظات الشركة وفعلتها متسللا الى المدينة ، كنا يومها نحط الرحال في السماوة حينما دخلتها عصرا …… كان هذا قبل محاولاتي ايقاف جسدي على قوائم مستقيمة ،

ربما مسنودا الى قضبان من الخيزران القوي حتى لايتراخى باقي الجسد، يومها سرت في شوارع السماوة وحيدا لااعرف احدا الا الجثة التي اسحبها خلفي ….. بعد ان اعياني التعب قادتني قدماي الى مكان يدعى – نادي الموظفين في السماوة – وقبل ان ادخل النادي ، قرأت قرب الباب اعلانا عن امسية ستخصص الى قراءات شعرية يحييها مجموعة من الشعراء ـ ناظم السماوي – كاظم الركابي – واخرين لااتذكرهم ……….. قررت يومها – لكي لايجرفني اليأس – ان احضر الامسية والقراءات مهما حدث ، وبعد ان انهيت بضعة مشاوير مهمة كانت تتمحور في التبضع من السوق الى اختياري احد المطاعم الشعبية لينتهي مشواري في الباحة – الحديقة – الواسعة التي تتوسط النادي والمحاطة باشجار الكالبتوس العملاقة والكثير من الخضرة ،ربما اراد القائمون على الحديقة التي تتوسط النادي ان يقيموا صلحا ، بين البر…… ذلك الطفل الصحراوي الذي لم يلامس جسده الغض ماء يوما ما وبين الخضرة ، تلك الاشياء التي كانت تهب المكان اقامة وماءا واثارا لحوافر من تراب بلا لون . توزعت المقاعد بين الاشجار وحول المنصة التي ماان دخلت النادي حتى توسطتها سمفونية التوازن بين الصحراء والمدينة ، صرخ الرجل – علامك – ولم نفهم ، نظرنا بحنو الى الكراسي والحديقة – وتردد الصوت حولنا لمرات – علامك …. علامك …. – كان حنين الصوت ينتظر توضيحا فاسترد الرجل رباطة جأشه ليكمل ، ولكن ، عبر علامك اخرى …..

علامك شحشحيت الشوك بعيونك ،

انها ليست معجزات تلك التي يمكن ان تفعلها العيون بالشوق او غيره ليضيف علامك اخرى

علامك لمليت ادروب مفتونك .. علامك سهريت اجروح مطعونك …. علامك … ثم علامك ياعلامك .

كان الامر بالنسبة لي يومها اكثر من الانبهار في تلك الفترة المشحونة بالكثير من المفارقات ، مفارقات الحب ، الذي غادرته الى مصير تشكل في اعماق الصحراء مبتعدا عن المدينة ….. اول الحب …… اول اغنية تتساقط على روحي ممتزجة بالكثير من انبهار الحب في اعماق فتى غض لم يخبر الدنيا ….. وهكذا اختلطت الامور كلها بالكثير من اللوعة التي اثارها صوت شاكر السماوي وهو يصدح على منصة النادي الفارهة المحاطة بالخضرة ، وكذلك اللوعة التي اثارتها في اعماقي الغربة السريعة والانية وسط مدينة محاطة بالرمل والكثير من المساحات الشاسعة التي تحيلها الى شيء خارج حدود التقصي او الانبهار .

كانت بحة الصوت وحدها عالما غريبا محاطا بهدوء سخي يتيح لك الف صورة للتأمل لالف حكاية من الصدق الوحشي … كان الموضوع يومها اكبر من قصيدة يمكن ان ينشدها شاعر على منصة ما … انها المعادلة التي تنتج من مترادفات الالقاء والتلقي … ثمة جمهور كبير كان يقترب من المنصة بسرعة وهدوء غريبين ……جمهور يطبق على المحرض الكبير ، انها الهذيانات الكبيرة ……. التي تبدأ بالسؤال الازلي والخالد

….. علامك ……..؟

كانت الاسئلة تتدفق بسهولة ويسر … اسئلة الوجود والعدم .. في نادي صغير في مدينة محاطة بالصحراء … والاسئلة الكبيرة عن الوجود واسراره …..

او اخ…… والسوط عله دمي ، خطني بسطورة وصية

اشما نزفها الدم ، ضميري ، ايفيض بعيوني قضيـــــــة

بيها شفت الروح ثورة او موعد او شعر او قضيـــــــــــة

او بيها شفت الناس كعبة او مشنقة او جرح او قضيـــــة

او بيها شفتك …….

انها اسئلة الوجود والقضية كانت تمتزج مع رجال الصحراء الذين كنت اتطلع في وجوههم محاولا ان ادرك مايمكن ان يتركه الاثر المنبعث من المنصة وسط رمال الصحراء ، محاولا ان اتشمم لونها الذي كان بلا لون وكم حاولت ان اولي وجهي بعيدا عن اللون في القصيدة واللون في الصحراء واللون في نرسيسيتي يومها . كانت السبعينات كلها بشعرها وقضيتها تتمحور في كلمة او بيت شعري من شاكر السماوي …. هل هو شوق يكبر …… يكبر – يأتي الصوت همسا تارة وصراخا تارة اخرى……………….

شوك يكبر بالقضية

البيها حطني الخوف مرة بين اديك …

اوراد منها ، او منك انت ، يشتريني

وشتراني .. وماكدر يندل ضميري

اى ضمير مخبوء في تلك الاعماق القصية والعصية على القاصي والداني ان يلج شاطىء هذا الضمير الكبير …..؟

ومنهو يكدر يشتري امن الدم رفيفه…؟

ومنهو يكدر يشتري امن الجفن طيفه …؟

ومنهو يكدر يشتري النجمه ابسماها ..؟

اولو شراها….

تصور …. اين يكمن السر ازاء مايقال ؟ وهل يمكن ان يمتلك الاجابة في وهم الاسئلة ….؟ ام في امكانية ان يشتري النجوم حقا حتى لو امتلك الثمن ، لانها عصية على كل الطغاة… ولان من يمتلك الاجابة لكي يشتري النجوم، ترى هل يستطيع ان يمتلك السماء التي تحيطها …… او كما قال عنها الشاعر يومها بهدوء وجمال نادرين…….

كلي يكدر يشتري اوياها سماها

اى جمال يمكن ان يقال في هكذا موضوع وقضية، واى قضية يمكن ان يطغى جمالها على الالم الذي تجسده الريح وهي تضرب مساكن الفقراء في صحراء السماوة وغيرها ………..

اعتقد الى هذا الحد يبلغ الشاعر الاعجاز الجمالي الممتزج بتلك الافكار الانسانية ولااريد ان اقول اليسارية حتى لاتحسب انحيازا الى جهة ما او تيار ما واعود الى اعماق تلك الليلة الجميلة التي امضيتها وسط صحراء الجمال والحب وذلك الدفء المنطلق من صوت السماوي وهو يواصل المأثرة

كلي ، وانت يلي تنسه،،،،لاتنسه او تكلي:

– انسه وانسه،،،،،شنسه وانسه حته انسه اشماتريد انسه بظنونك؟

لاوحك

شحله من طعم الليالي

البيها اشوفك ماتجيني الا مغتاض بخيالي

جا – يبعد الشوك – كلي

اشلون اكدر انسه ، كلي

كلي يلتناستكم ظنوني ، من خواطرهم قرتني

اوهدهدتني ابصحوة اجفوني او حجتني

في تلك الليلة التي امضيتها متسكعا في شوارع السماوة حتى الصباح رغم قربي من الغرفة التي استأجرتها في احد الفنادق الرخيصة… حقا كنت مغتاضا ، وكان الصوت العذب يتردد في مخيلتي وانا اجوب شوارع السماوة ليلا وحيدا حاملا عبئا اكبر مما يمكن ان يحتمله من كان بعمري يومها ، كان الرذاذ في الفجر يحمل روائح اغرب عطر في العالم ، كان عطر الصحراء خاصرة التيه المحبوب… يمتزج مع الصدى الذي كان يتردد في جنبات عقلي وروحي

حاير…

مالكه الكوزه ربابه

انسان طاف بذكرياته ، شبجة انجوم ابضبابة

انسان شاف الكاع دمعه ، من بجاها ……..

تلك اسئلة الوجود تتراكم عنوة وتتسلل خلسة في تلك الانفاق السرية ، اسئلة كانت تهز ذيلها الذهبي وسط سكون ثقيل لاتؤكده اليوم الا ذاكرة مثقوبة واعمدة هائلة تحمل الهيكل المقدس الذي تحط فيه حمامات بيض تردد النبرة الجميلة التي كانت تتداعى من اللامكان فجرا ……..

انسان عاف الحب حمامه ، من حداها

اتنسرت تنهش شرابه

انسان بيه الطين ينده:

ولاربابه؟

واغنه اهواي غير اللشوك، الك عندي يبعد الماي

الك ، وهواي، الك وياي

غير الراح ، غير الجاي

الك عندي نعاوي الماي

الك عندي ضمير الناي

الك عندي اشملح بالطين

بس امنين …..كلي امنين,,,,, اجيب اسنين…….؟

ومن يومها حملت السماوة نشيدا وذاكرة مقدسة لصدى صهيل لم يحتمل المصادفات اسما وبقي وفيا لتداعيات ورسوما لكهوف بقيت عليها علامات … علامات واسئلة لم يخترق صلادتها الا صرخة

— علامـــــــــــــــــــــــــــــــــــك؟؟؟؟؟؟؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كان الشاعر الجميل ريسان الخزعلي محرضا كبيرا في هذه التداعيات التي تسللت الى نفسي بسرعة هائلة بعد ان كانت مختبئة في رمال الذاكرة ، حدث هذا وانا اقرأ قصيدة علامك بعد اكثر من ثلاثين عاما منشورة في جريدة بغداد ، تتوسط صفحة شعر شعبي التي يحررها ريسان .. شكرا له وشكرا الى المبدع شاكر السماوي.

شاهد أيضاً

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

عصام الياسري: الخيال والإبداع يقاوم الإكليل.. ومهرجان غينت السينمائي الدولي شكل فني غامر

لا يوجد استقبال افتتاحي تقليدي، ولكن يوجد وقبل كل شيء الكثير من الترفيه السينمائي. هكذا …

فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( …

تعليق واحد

  1. وديع شامخ

    العزيز محمد علوان جبر ” ابو الدنيا ”
    ما اعظم واروع الصداقات عندما تكون محفزات صادقة لانتاج إثر إدبي رائع
    شكرا لوفائك .. شكرا لريسان النبيل حد اللعنة
    محبتي لا تحدّها المحيطات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *