خضيّر الزيدي : ركائز الطين والتوظيف الأسطوري لدى النحات محمود عجمي

khudierتثير تجربة النحات محمود عجمي الكثير من التساؤلات حول أهمية توظيف الأسطورة في إعماله النحتية ،فالمتابع لهذا الفنان يرصد إن هواجسه لا تكف عن التواصل الفني المستمر والملفت للنظر من خلال ما يرصده في شوطه النحتي الذي جسد من خلاله الكثير من الرموز الأسطورية التي هي في الأصل ( فضاء صوريا) شغلت مساحة من المميزات الفكرية في تحليل أية أسطورة لدى المختصين في عوالم الفكر الأسطوري منها ما يندرج كرموز جنسية أو دلالة حسية أو ما يشير له( الثور) في الإعمال النحتية وفق حركة تصويرية ترتقي بالفنان القديم إلى براءة ذات تعبير تلقائي إلا انه مميز كونه يخرج لدى المختصين بالفن والفكر إلى سياق تجد علاقات عناصره التزيينية  تثمر عن دلالات تدور حول نتاج معين ،وهذا ما جعل تداخل الرموز السومرية والأسطورية والدينية في إعماله لا تكتفي بما تثيره من رؤية فكرية وجمالية بل تعدت تلك الإعمال مع رموزها إلى الخروج بصيغة توحي لمن يراها من الوهلة الأولى إن الفنان يريد التطهر بمجرد تحريك الطين بأصابعه من براثن الواقع المعاصر وبإرادة الفنان الماهر يتم إسقاط الخبرات الفنية تصويريا من خلال صياغة الطين وإعادته إلى نموذج تستجيب له رغبات الذات الإنسانية وهذا الأمر ليس بالهين عندما نكتشف إن الفنان محمود عجمي لم يكتف بتربة واحدة بل تراه يرشدنا إلى أنواع من الترب منها ما هي قادمة من خارج ارض العراق والتي تضفي بلونها الطبيعي شيئا من رونق وجمال على العمل الفني وهكذا يندفع نحو تصوير ثوابت (القدم )بما تنتهي عنده اللحظة الراهنة ولو بمسحة عاطفية في بعض الإعمال . لقد رأينا إن النحت لديه يتحول إلى معادل صوري تعبيري من خلال بنية علاقات لونية في جسد العمل الخارجي وتقنية موظفة سواء عبر حركة النصب وطريقة إذابته أو امتلاكه لحمولة فكرية لكن ما يميز تلك الإعمال أنها تسقط تحت تأثير الفكر الأسطوري توظيفا وأداء والمدهش في الأمر ليس تبنيها الفكري بل القدرة على تطويع الطين وبشكله المرئي وهو يمزج بين التعبير القديم وامتزاج الحدس والوجدان  في روح العمل ومما يلفت النظر أن تواجد مجالات متعددة لم يزل  يعمل عليها النحات محمود عجمي والتي يتعين علينا الآن أن نشخص إحداثها التوظيفية والتعبيرية والتي تمكننا من استشفاف الرؤية الفنية والجمالية التي اتخذها محمود مظهرا وركيزة لأغلب موضوعاته فما دلالة تلك الخطوط العريضة لمسار النحت المقدم من قبله وهل يتطلب الأمر في هذه المرحلة أن تكون العودة إلى مواضيع التاريخ تجيء من قبل التشابه mahmood ajmimahmood ajmi 2والتوظيف أم قوة تلك الآثار الخالدة من قبل الفن القديم عامة والرافديني بشكل خاص قد سقطت من تأثيراتها الجمالية على هذا الفنان ؟ اعتقد أن روابط الحياة المثالية في الفن والجمال لم تزل تخدم الإنسان إذا لم اقل تتلبسه فهذا الفنان يميل نحو إعادة رؤية صياغة الجمال عبر الطين لكن بثوب الأسطورة الحاملة لصفات حياتية تتواجد داخل منظومة الإعمال الفنية الخالدة هذا الاعتقاد ولد لدى الفنان أن المنطقة السرية للنحت تقتضي إيجاد الزمن الذي يلامسها بما يجعل منها تحظى بقدر كبير من الدهشة والتعبير والجمال وهذا ما جعل الفنان محمود عجمي ينأى بروحية عمله باتجاه الفضاء الأسطوري وإذا كان ذلك الشوق هروبا من عزلة قاتلة فان تجربة إعماله تجهد نفسها بزخم من الرموز يتحتم عليها إن ترتدي لباس التاريخ بصيغة الرفض وهذا ما يجعل التساؤل قائما لماذا تلك التكوينات تقبع تحت تأثير متوارث تضم في ثناياها قدرا واسعا من الفرادة والحركة الغرائبية، ربما بوسع من يتابع الإعمال النحتية لدى الكثير من العراقيين أن يجد الكثير من المميزات التي قدمها فنانون اتخذوا من التجريب فرادة لأعمالهم وبتقنية ومهارة عالية امتدت لتأسيس خطاب جمالي أكثر صرامة من غيره وهذا الاتخاذ المركزي للأسلوب لم يدر في باحة قديمة وعلى ارض ذات مناخ متذبذب بل احتوى الدقة في ابسط التفاصيل ، العمل مع النحات محمود لم يمر من بوابة الفن التاريخي  فقط بل هناك كفاح فكري وبجهود وثابة تحمل من قوة وتأثير الفن القديم صورة لها مع الاحتفاظ بخصوصيتها التعبيرية والتي جعلتها تختلف في هذا الشأن اختلافا جذريا بما يجعلنا نقول أن تكويناته  تحتل حقلا صوريا يبدو انه مندرج في سياق توظيف الأسطورة عبر النحت لكن بامتلاك المستويات العليا التي تتزايد درجاتها التصويرية والجمالية دون الاكتفاء بالوظيفة الأخيرة للعمل الفني فهو يجبر أي عمل لديه بان يخرج بتعبير يقف على مقربة من خيال الروح القديمة للإنسان وللوجود

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *