ناصر قوطي : حبّة زئبق

naser kot لم أدرك إلا متأخراً _ إثر الانقلابات السريعة المضنية والمتواترة _ من أن السرطان كان يفتك بي ، ينتزع وينهش الجدي الوديع من قلبي ، عبر مدارات لامبالية من حياتي السالفة ،. كل شيء تبدا فجأة كندبة صغيرة وارمة ، كذبة فاضحة ، عورة لاتُستتر بأشد ألوان الطلاء سطوعا . جثة باردة تلازمني ، مرة على السرير وأخرى في حلم اليقظة وكنت أتساءل ،  ياله من وجود بائس هش ، ذلك الذي نتعاطاه بجرعات صغيرة خوفا من البلى ، كما لو كنا في النزع الأخير ولما نزل نعزي أنفسنا بجودة أردية أكفاننا ، مطمأنين مرة ، متطامنين مرات مع بعضنا البعض ، يربت أحدنا على كتف الآخر ولكن سرعان ما ننفرط في لحظة خاطفة ، حين ينعطف أحدنا ويلوذ بخياراته دون النظر لخيارات الآخر ثم نعود نلملم أوشالنا من جديد ، متباكين على بعض نتجمع لنكوّن حبة واحدة لاغير ، حبة مترجرجة ماتلبث أن تنفرط من جديد، ، تسيح مثل ذوب الشمع على طاولة مستديرة  . وتحدق بيأس نحو الآماد ، لاأحد في ارتجافة ضوء ينبئك بانفراج ما ، لاامرأة تفهمك ، ولا فارس يكشف وجهه ، ينزع لثامه الكالح ، يبعد كرسيه عن عشرات الفرسان المزنرين بسيوفهم الصدئة ، الدائرين بأنصاف حلقات في فراسخ العدم . لست فرحا وأنا أنأى بعيدا عنهم ، وأدون هذه السطور المنزلقة كما افعوان صغير ينساب في تيار نهر جار ، وقد تعديت عقدي السابع ببضع محطات خاوية لاأثر فيها لراكب أو حقيبة ، في الوقت الذي مازلت فيه أتابع _ وبتحفظ شديد وشيء من السخرية المريرة والأسى _  مايفضي به برج السرطان في صبيحة كل يوم . ذات الكلمات تتردد ، يعيدها برج السرطان في الصحف اليومية المليئة بالأكاذيب (( لاترتبك عند التغيير ، تسلح بالهدوء لكي تستطيع تجاوز أزمتك ، انفراج قريب وستعثر على من يفهمك ..!!)) هذه الكلمات التي لم تتغير على مدى عقود باتت تربك إيماني ، حصافتي وحصانة فكري على أن أجد الطريقة المثلى على تفهم الآخرين لي ، بالرغم من أن ادراكي العميق لحقيقتي الأرضية وما حل بها منذ اليوم الأول ، وماسيحل بها غدا ، ومن ذا الذي حلل برجي السرطاني ليلة فوات الأمس القريب ، باتت سخرية وملهاة لدى البعض ، من الذين عقروا الطفل بأعماقهم المظلمة ، وتحللوا الى ذرات صغيرة  لاتعرف من الرحمة والحنو على بعضها إلا بقدر مايجمعها من مصالح مادية رخيصة . فبالرغم من احترازي الشديد ومعرفتي التامة بتلك الحبيبات الصغيرة اللامعة التي التصقت بي ، كما لو بضعة أخطاء صغيرة لاترى بالعين المجردة ، حتى ليحار الرب في استجلائها وارجاعها لقانون عقوباته السماوي باعتبارها آثاما تستحق العقاب ، كنت في الوقت نفسه كثير الشفقة عليها وهي تلتصق بجلدي كطفيليات هرمة ، ترتع على ماتبقى من أحلام مطفأة لرجل شارف على الغياب الكلي قبل أن يعتقه خرف الشيخوخة المبكر. غير أن طاولتي التي كانت بلون البن والتي ساحت عليها الحبيبات قطرة فقطرة وفي غفلة مني ، كانت من النقاء بحيث غدت عصية على الرؤية ، حتى وان استخدم أحدهم أنقى العدسات المركبة المكبرة ، وهو يبحث عن بقعة صغيرة قد تلوث طاولة البن تلك ، غير أن بعض الكائنات التي لاتجيد إلا حاسة الشم نتيجة لتطور حاستها الكلبية النفاذة ، اكتشفت صدفة أثر انزلاق الحبيبات اللاصفة على حافة الطاولة وراحت تؤرشف لتاريخ من السيول والفيضانات ، كما لو أغرق الغمر طاولات العالم بقطبيه المتنافرين . هكذا وبشمة واحدة لاغير ساحت الاشاعة . كائنات شمامة تحتشد في ظلام الغرف ، محتشمة عند الغروب ، تنحشر بملاءات بيض ، تمارس طقوسها الوثنية ، تؤرشف لتاريخك السري ولما لاترتكب . في بياض النهارات يرتدين السواد ، سواد بلون الفحم ، إحدى الملاءات البيض والتي لازمتني خمسة عقود ، تتنبأ ، تخالف مايفضي به اليّ برج السرطان ، تهمس ساخرة ( لن يفهمك أحد ولن تتجاوز أزمتك . ) . وتظل تهذي بتمتمات وهي تسقط الخرزات السود من بين أصابعها المتشنجة ، يعاينها طفل لايتعدى السادسة ، يزمجر في وجهها وهي تردد ( ما أقرب ضياعك . ) . الطفل ينهرها ، يقطب حاجبين شرسين ( لاتقولي هذا ..!) . ( أسكت أنت ) .. ( ….. ) الطفل يصمت ، تبحلق عيونه الصغيرة اللامعة في وجهي كأنها تدين صمتي أمام الملاءة البيضاء . الصمت يغمر الثلاثة في غرفة صغيرة ، ضيقة ، والطاولة تدور ، تنزلق عبر حافاتها حبيبات لؤلؤية ، ملاءة ثانية بلون الأولى تتلصص ، عدسة مضخمة تراقب عند باب الغرفة والوقت غروب ، تخطو نحو الثلاثة ، تتشمم وتكشر موبخة .. ( ماالذي تعلمه لطفلي ؟ ) .. ( الرسم ) .. ( وبعد ؟) ( انه لايجيد حتى كتابة إسمه .) .. ( اذن ..) .. ( دعيني الآن ) ( …. ) تصمت فيما تلتف بملاءتها وينبثق صوتها ملعلعا أعلى من آذان الغروب . الطفل يعرف مريديه ، ، يعرف أمه _ العدسة _ التي لاتجيد إلا الانصات من وراء الأبواب المقفلة ، تتلصص من بين الثقوب الابرية المضيئة ، حين تتكفن بالبياض وتصبح أكثر قسوة وعدوانية ، ملاءة ثالثة ورابعة تلعلعان في فسحة البيت ، الأصوات تحاصره ، وهو طفل يعشق اللهو ، يلعب ، يصعد فوق الطاولة المستديرة ، يلاعب الحبيبات الصغيرة الهاربة التي لايراها الكبار ، يبهره الالتماع المغري على سطوحها ، ينزلق معها مكركرا ، يميل قليلا نحو الكأس ، يرتشف رشفة صغيرة فتخطفه يدي بسرعة البرق ، أمه تقف عند الباب تقطب حاجبها اليمين ( أتريده صورة منك ..؟ ) .. تقول ذلك وهي تكاد تخلع ذراعه ، ساحبة إياه كما خرقة بالية ( خذيه إذن .. علميه .) . أقول ذلك وأعود الى طاولتي ، أمسح سطحها بنظرات فاحصة ، أعريها بحثا عما يربك صفاء ساحتها . ثمة كأس وبضع حبيبات زيتون وعلبة سجائر فارغة تستكين على حافتها ، وبعد ذلك فالدوران يتحرك لولبيا ، يضيق تحت نظراتي ، ثم ينداح متسعا ، تدور سبعة أفلاك بأجرامها ، العالم الذي نختصره في بيت قديم بنوافذ وكوى لاتطل إلا على جدران ، وبضعة وجوه كامدة لاتعرف الابتسام ، تمارس طقوسها الغريبة التي لاتتعدى الايماءات والانحناءات المكررة ، الطفل هو السلوى الوحيدة في بيت يغرق بالعتمة والظلال والرطوبة والسأم ، الوجوه الشاحبة تتكرر ، تطل عليك بين لحظة وأخرى ، تكشّر بابتسامات مصطنعة ، حين يحل الغروب تعتكف في غرف مظلمة ، تهمهم بأصوات متقطعة ومتقاطعة ، تقصيك بعيدا قرب طاولتك التي حملت في يوم ما كل كتب العالم ، في الوقت الذي تصرخ فيه أصواتهم مجتمعة ( ابعد الطفل عنك ) . وفي وحدتك المريرة يُغلق الباب عليك من الخارج لتبقى وحدك في ظلام الغرفة ، تتسلل أصابعك الى الطاولة ، ترتشف آخر قطرة خمر ثم ترتفع الى صدرك ، تغور الأصابع بعيدا بين الضلوع ، وهناك تعثر على ذلك الشيء الصغير الذي طالما عذبك ، والذي كان عليك أن تتخلص منه منذ زمن بعيد ، ، يتحرك ، يثب بين ضلوعك مثل برعم صغير، تنتزعه عنوة وتلقيه على الطاولة وقد هدأ وجيب قلبك ، لحظات قليلة ويشرع عليك الباب ، تدخل أربع مومياءات بملاءات بيض ، احداهن تلقي ملاءتها على جثة الطفل المسجى فوق الطاولة والأخريات يبدأن بالعواء ، وأنت ملقى على السرير ، يطالعك ماجاء في برج السرطان مرسوما بحروف كبيرة على السقف ( تسلح بالهدوء ، لاترتبك حتى تستطيع تجاوز الأزمة ، انفراج وشيك وستجد من يفهمك . ) . العويل يخفت رويدا رويدا ، لاأحد ينظر الى جثتك التي راحت تتفسخ ثم تذوب حبيبات صغيرة لامعة ، تسيح من على سرير الزوجية ، تنسحب المومياءات ويغلق الباب ثانية ، تظل وحدك تعيد صياغة ماحدث بطريقة أقرب الى الواقع ، تحاول أن تجعل كل مامر ويمر بك حقيقيا ، فتعود الى سطوة ملاءتك التي قرضت معها نصف عمرك ، وهي تتنبأ بضياعك ، تعيدها من جديد ، تحاول أن تنزلها من سقف ذاكرتك الى أرض الواقع . هل كنت تراها مختلفة عن سواها ..؟ .. لم أرها يوما تطرق الباب ، أي باب ، كنت أستشعر همساتها ، أتحسس روحها تخفق هناك من وراء الجدران ، وجودا هلاميا وملائكيا طاغيا . حتى بدأت الحكاية معها حين صحوت يوما في حدود الخامسة فجرا لأجدها بقربي وقد تشنجت من أصابع قدميها حتى التواء فمها ، كانت أقرب شبها بمومياءات العصور الغابرة من أي شيء آخر ، وهي تستلقي على ظهرها وتصالب ساعديها بتلك الملاءة البيضاء التي اعتادت على ارتدائها كلما أوت الى السرير، دون أن تحدث ضجة ودون أن تشعرني بأنها تتمدد وتلامس جسدي . وتحت ضوء راعش ضعيف ذهبت أدقق بتلك الصرامة والقسوة التي يحملها ذلك الوجه النحيف ، وأتفحص الهالات السود التي تشكلت حول وجنتيها والازرقاق الباهت الذي تصطبغ به أصابعها المتشنجة المعروقة ، فيما عينيها الرماديتين تتجمدان في سقف الغرفة ، لم تكن رائحة الموت التي تشبه رائحة الخشب العتيق المبلل بالمطر هي التي أيقظتني فزعا من سباتي العميق ، الذي يشبه موتا عميقا وحقيقيا هو الآخر ، انما صوت كالفحيح راح يهمس في أذني بكلمات غير واضحة ، همهمات متقطعة ومتقاطعة ، ومازاد ذلك الخوف إرعابا انني رأيت في صحوتي تلك شيئا ما يتردد وراء الباب جيئة وذهابا ، ظلا قاتما يخطف وراء باب الغرفة ، كما لو انه يسعى للدخول ، حتى اذا انسحبت خيوط العتمة ، كنت قد استنفدت خيالاتي التي لم تعد تتراقص أمامي فعدت مرة أخرى الى الجثة _ وطالما كنت أعود _ أتفحصها من جديد ، ولكن كل الذي كان يجري ربما لم يكن واقعيا بقدر فهمنا لصلابة الواقع الذي يهيمن علينا بكل تفاصيله القاسية إنما واقع أثيري غير محسوس ، فأنت ازاء موت سريري لكائن قرض من حياتك نصف قرن ، بالرغم من أنك كنت تستشعر دفأه وتتابع أنفاسه في السرير فها هو في استيقاظة وعي خاطفة من زمن مفترض ، يغدو جثة باردة ببرودة الرخام ، غير انني وفي حالتي تلك لم أستطع تخيل موتها المفاجيء ، كما لو أن ماتركته من ذكريات معي _ مهما كانت الذكريات _ قد أماتني أنا قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة ، لذلك ظللت منذ الفجر حتى ساعة متأخرة من الليلة الأولى _ وقد مضى النهار _ أتفحص جثمانها بينما تحدوني رغبة عارمة لمعرفة ذلك الطلسم الذي يدعونه الموت ، ذلك الذي يدق أسفينا من الصمت بين الكائنات . هكذا ولثلاثة أيام مضنية كنت أبحث عن سر موتها ، فهي لم تشتك في يوم ما من علة خفية ، لكنها كانت يائسة في أيامها الأخيرة ، لاتعرف ماالذي حل بها ، سوى تلك الرؤية التي كانت تخشى البوح بها أمامي والتي تكشفت صدفة من خلال بضع شفرات كنت استقيتها من فلتات لسانها ، تلك الرؤية الغريبة التي كانت تراودها من خلال الحضور الطاغي للطفل الذي كان يسحبها عنوة الى العراء ويموت ميتة شنيعة وهي تقف مذعورة دون أن تفعل شيئاً ، تنتحب في نومها كما في صحوها ، لم أرها تبتسم يوما منذ اقتراني بها حتى موتها المفاجيء الغريب . .. ( يالهذا الشبح الخاطف من تحت الأبواب ، يالرعبه الذي لايوصف ، وهو يحيل أجمل الوجوه الى مومياءات .؟! ) . رحت أتساءل وأنا أحدق بوجه الجثة ، أعيد السؤال أمام صمتها الفولاذي .. ( أتسمعين الآن؟ أعتذر لأني لم أقدر على صد الموت عنك ، الموت الذي اشترك فيه كلانا ، حزني عليك لايحد ، فكلانا يعاني الآن من ذات الخسارات .. فهل تسمعين ؟ ) ولأنني منذ ليال ثلاث لم أذق النوم ، فقد شعرت بأن الجثة تطير الى السقف ، وتلتصق هناك في نقطة غير محددة ، وصوت طرقات كانت تتناهى لسمعي فيما الظل القاتم يتلجلج أسفل باب الغرفة ، وبين الغيبوبة والصحو انفرج عن وجه ملائكي ، كانت في أوج فتوتها ودون أن تتقدم خطوة همست بصوت يسيل عذوبة . ( منذ خمسين سنة وأنا أطرق الباب ، ما الذي حل لك ، هل أنت ميت ، ألم تسمع صوتي ..!! .) وحين عجزت عن الاجابة ، لأنني كنت منهار القوى ، دخلت هي ببرود ولكن بحذر شديد ، كما لو انها تخشى ايقاظي ، وراحت تمعن النظر في جثتي الباردة ، تقف فوق رأسي بجلال مهيب وعنفوان لايوصف ، ( يالرب الأرضين ، منذ نصف قرن ولم أعلم بذلك ، يالخيبتي المريرة ويا لأحلامي الغريبة التي لاتصدق !.)  . حتى حين رأيت سبابتها وابهامها الملائكيين تسبلان جفنيّ ودموعها الغزيرة الحرى تندي جبهتي ، ثم تزدحم ساحة الغرفة الضيقة بملاءات بيض تدعوني الى النزول لأنني كنت قد طرت بعيدا لحظتها ، سابحا في فضاء الغرفة الذي كان يموج تحت ناظري ويتسع .. يتسع .. وثمة أياد كثيرة كانت تلوح من الأسفل ، تدعوني الى النزول كلما ألقيت نظرة الى الوراء ، أكف لوجوه أعرفها ، تحاول أن ترجعني الى عالمها ، رأيت أخواتها الثلاث يحطن بها بوجوه قصديرية لايعرف الابتسام لها طريقا ، غير أن الأوان قد فات ، والوقت مضى سريعا وهو يختصر خمسة من العقود بطرفة عين ، وكنت أطير بطريقة ما ، أنازع ثقل جسدي وكينونتي الحاضرة والغائبة ، الأكف الممغنطة تشير نحوي ، تجذبني الى الأسفل وصوت صبي لايتعدى السادسة يطلق لعناته ، ينثرها على كل من حوله ، وعيناه اللامعتان تترقرقان على مفارقتي إياه ، في الوقت الذي كنت فيه أطير بعيدا عن بيت المومياءات ذاك ، البيت الذي ضم جثتي يوما ما ، والتي تستفيق الآن وهي تنأى بعيدا  ………..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *