الرئيسية » نقد » ادب » علي المسعود : قراءة في ديوان ( لاشئ هناك) للشاعر ماجد مطرود

علي المسعود : قراءة في ديوان ( لاشئ هناك) للشاعر ماجد مطرود

ali almasod 4بين الدهشة و بين حيرة شاعر ؛ ذاك هو موضع مقاربتنا في ديوان شعر ” لاشئ هناك” المؤلف من 83 صفحة من القطع المتوسط المندرجة بين المتوسطة والقصيرة، تبعا لقريحته ونفحات نفس ملهمة بالشعر ، والعنوان العريض هذا يترجم لنا رحلة الشاعر العراقي و المقيم في بلجيكا “ماجد مطرود ” عبر مفاصل الحياة اليومية و في تفاصيل الوجع الإنساني المائل إلى التعاطف والتصالح عبر بوابة مشرقة البهاء والتي أتسمت بها قصائد الديوان الصادر من دار( ضفاف ) للطباعة و النشر مع ترجمته الفرنسية وتوزعت قصائد الديوان في ثلاث اقسام ولهذا التقسيم تصورا استراتيجيا على مستوى توزيع النصوص فيما يخص البنية التراتبية لجميع القصائد  , هذا الديوان هو حصيلة مشاعر  ” ماجد مطرود وأحاسيسه وتجاربه وتأملاته، والذي يعد نقلة نوعية  لما يحمله من قصائد متدفقة الينابيع في دجلة الصمت وفيها الشاعر سابحا يغتاله السؤال حول كينونة الدهشة التي ركبها عابرا  إلى زمن  البدء في سدور يقطف زهر المنتهى  ليهديها إلى قارئه لعله يستنشق عطرها الابدي.
ويفتتح القسم  الاول بالقصيدة التي تحمل عنوان الديوان ” لاشئ هناك” و فيها نلمس حالة من الاغتراب في عالم محصور في غرفة معزولة و على ارض مجهولة ويقول فيها

يسكنُ في غرفةِ معزولة , على أرض مجهولة ,
لم يزرها خاطرعاديَ
ولا حمامةٌ ترتدي ثوب البشارة
لافلك ,
يعرفُ الموجاتِ فيها
ولا نوحَ في الطوفانِ حولها يطوف.
تشكل الكتابة الشعرية في ديوان”  لاشئ هناك” في صيرورتها انزياحا جماليا وإبداعيا ملفتا يؤسس صوره الشعرية و إيقاعه الموسيقي من خلال استخلاص الرؤية التي يستضمرها الديوان ككل وبرؤية  خلاقة ومحبوكة تستعير تشكيلاتها من خلال تفاعل الذات مع ذاتها، ومع الحياة ومع الوجود هو تفاعل يطبعه هاجس التحول من صورة إلى أخرى كما الماء دائم التحول من شكل إلى أخر لكأنه يخشى الثبات والاستقرار. دائم الانفلات من قبضة الزمن لكأنه يخشى سجن الوقت وزنزانة المكان. وإذا أن  يستقي  الشاعر العراقي ماجد مطرود  إلهامه الشعري من مطر السؤال، و بئر المعاني المخبوءة في سر الماء و ما خلف الماء ..!!
يقول الشاعر في هذا السياق النص الذي يحمل عنوان ( تاريخيون ) :

majid matrod 3لماذا كل اشعاري لم تسم لتكون نشيدأ وطنيأ؟
لماذا كتابي المائي لم يكشفُ لي سرً الماءِ وما خلفَ الماء ؟
لماذا لم يمنحني سيفأ يراودُ قامتي ويدفع عني شر الامم ؟
ولماذا لم يعرني زورقأ يغازل موجة تُعيدُني الى حيثُ بدأت ؟

الشاعر ( ماجد مطرود )  المهموم بالوطن و المدجج بذاكرة عن أزقة تذكر خطاه اوجدار زنزانة خط عليها يومياته لذالك  الوطن في وجدان الشاعر ماجد مطرود –ذاكرة – الذاكرة كينونة – والكينونة وجود ولكن (خشيتي في ان يعلن وطني اننا علامات..للخراب..ضائعون   …..قلقون…مرتبكون.)

أن قيمة الـمتعة ( متعة التلقي ) لقصائد الشاعر ماجد مطرود  تنبع هنا من خلال ركام الأحاسيس الـمتنافرة التي تقبع في دواخلنا والتي تحرك فينا مكامن الدهشة و الاعجاب، ولذلك حين نندهش ونتعجب فإننا أصلا نندهش من ضياعنا في متاهات العالم ومن غربتنا من حياة تفنى و عمر يشيخ ويتلاشى، لكن كلما اعتقدنا أن العمر ينتهي وجذوة الشعر تـخفت دائما هناك حياة ثانية تفيض من نهر الحياة المتدفق عـذوبة وحياة. يقول الشاعر في احدى مقاطع قصيدته (صديق مجنون )
سادرك تاريخ الحجر و الشجر و الطير
سأكون قادارأ على التحول …
من الانسان الى الطير
من الطير الى الشجر
من الشجر الى الحجر
ومن الحجر الى الحجر
scan0002وفي قصيدة (الحب) التي جعل الشاعر مدخلها مقولة جبران خليل (للعظيم قلبان، قلبٌ يتألم وقلبٌ يتأمل) هذه الرؤية الجبرانية تتفق تماماً مع أنصار الشعر للشعر، إن قضية الشعر للشعر ليس يقصد أصحابها أن يستخدم الشاعر براعته في النظم كي يمدح أو يذم، أو يرفع أو يضع، أو ليساير من يشاء متى شاء له هواه ومطامعه، فيمدح اليوم ما ذمه امس، ليظهر براعته في اللغة، أو ليصل لإغراضه الخاصة به.. فهذا ينافي التجربة وصدقها، وينافي رسالة الشعر الوجداني من سبر أغوار القلب الإنساني والتعرف على أدق خلجاته، وكل ما يعد مقوماً من مقومات حياته وسعادته في الأرض وقد جاء اختيار الشاعر ماجد مطرود لهذا المدخل (مدخل جبران) لانه يتفق مع جبران على أن الشعر مصدره الإلهام وفي رأيه ” الشعر .. الحق”. وبهذا الخصوص يقول جبران: ” الشعر في الروح فكيف يباح بالكلام؟ والشعر ادراك الكليات فكيف نظهره لمن لا يدرك سوى الجزئيات؟
و الشاعر ماجد مطرود يجسد ذالك حين يصف الحب في قصيدته
الحبّ هو الله، أرادته وحكمته
الحبّ هو الشيطان
أقصد المكان والزمان والحيوان والانسان
الحبّ هو القلب ولوعته، العقل ومأتمه
وهو القرآن والتوراة والانجيل
بعدها يضعنا الشاعر امام تعريف للحب بشكل شفاف و حس مرهف و تناسق بديع في المعنى
ألحبّ هو العين والاذن والفم واللسان
الحبّ هو القلب والعقل والكفر والايمان
هو الانكسار والانتصاروالبوح والنشوة وسرّ الأسرار
الحبُّ هو النار والهواء والتراب والماء
الحب هو الجزء والكلّ والفنون والجنون
في قصائد نصوص القسم الثاني  و التي تحمل عنوان ( نساء عراقيات ) و فيها تتعدد اشكال المرأة في هذا القسم فهي مرة المتمردة و الشقية مرة أخرى و المستسلمة  و الجبانة التي تقبل بذل الرجل و سطوته  وفي الاخير هي  المراة الشجاعة!!.
ومن نص  البنت الشقية  نختار قول  الشاعر

حين فكرت ان ادخلك لمرة واحدة في حياتي….
أغلقتِ , ابوابكِ, كلها و الشبابيك
فبكيت و قلت فقدان مشيمتي بين نهرين
وضياع عمري بين حربين

القصيدة عند الشاعر ” ماجد مطرود ” تتشكّل وفق نسق و شكل شعري مختزل ويخضع لأسلوب الكتابة بجمل مكثفة موجزة فالقصيدة تمتاز بالتكثيف والتركيز وتخلو من الاسهاب الذي يدفعها للترهل وهذا الأسلوب يتيح للمتلقي الاستمرار في القراءة أي المضي في تكملة قراءة القصيدة دون ملل وتكون جمله الشعرية في بعض قصائده إشارات متوهجة دلالياً , أن قيمة الـمتعة تنبع هنا من خلال ركام الأحاسيس الـمتنافرة التي تقبع في دواخلنا والتي تحرك فينا مكامن الدهشة والاعجاب.
وما من عجب في أن نجد الانا الشعرية مثقلة بانكسارتها المليئة بالإحباط والعوائق في محنتها وأشواقها المتمثلة في جانبها العاطفي والوجداني ، وهي تتحرى عن فسحات وملذات شافية تنسيها الوحدة والحزن في استرسال مشاعر الخيبة والانكسار والبحث عن حلم ضائع. يقول في قصيدة (رقصة التكرار)  وهي من قصائد القسم الثالث الذي وضع له عنوانأ ( عصية على الترجمة ) :

تمنيتُ أن اضحي بافعال الماضي
واحرق حروف المستقبل
هجراً للحاضروتهشيما لما مضى في البلاد
تمنيتُ أن أمررَ حروف الجرّ والعطفِ على خط النارِ
انتقامأ بالوصل و حباً بالهجير
تمنيتُ ان لا اكون معرفا, ولا مضافأ ولا مضاف اليه
رغبة بالانفصال و كرها بالتوحد .

أن أول ما يشدك في أسلوب الشاعر  ماجد مطرود ويسترعي انتباهك في مجمل دواوينه الشعرية عنصرا “الشكل والمضمون” لما فيهما من بساطة التوظيف للألفاظ والمفردات على مستوى الدلالة والمعنى وكذلك الوضوح في تراكيب الصورة الشعرية وانسيابها المتسلسل منذ بداية القصيدة وحتى نهايتها بيسر وبساطة بعيدا عن الطلاسم اللغوية والتعقيدات في البنية الشعرية مما يساعد القارىء “أي قارىء” على الدخول إلى مساحات نصوصه الشعرية وفضاءاتها بسهولة دون تعب أو جهد. وليس كما هو الحال عند كثير من الشعراء الذين يخلعون على أنفسهم ثوب الحداثة والتجديد وهم بعيدون عنهما..ولعل هذا جليأ في هذا المقطع من نص ( رقصة التكرار)

أردت أن أنحت حلمأ, ضاحكأ
اتبختر به أمام جيش الخسارات
أمام وقع الكوابيس ألاسنة
أردت أن اردم الفاصل الوهمي بين الروح و الجسد
أردت أن أصنع زورقأ ضاحكأ
أتحدى به البحر الميت… و الخليج الميت

ويسترسل الشاعر في تجسد رحلة الاغتراب والوجع  في نص (ملوك وسكارى )

قبل عشرين يومأ …يوم دخول الدبابات بلادي
نبت الريش على جسدي
كدتُ اقلع تاريخ اجدادي
لولا ريشة العصفور و عش أولادي

لاشك في أن قصيدة ( ماجد مطرود ) لها حيّز واسع في السِّياق اللغوي ، لكنها تنأى بعيداً ضمن حروف غير قليلة ، ضمن لغة و محتشدة يمكن أن تتأسس في ذاتها وتصير لغة خاصة جداً، وهذه النتيجة هي من أهم أسباب تميز القصيدة ضمن محيطها وحتى خارج محيطها. واذا ما حاولنا السؤال مُجدداً، هل تقصّد الشاعر هذا النشاط للوصول الى هذه اللغة الخاصة ؟ هذه اللغة الشعرية الطليقة التي تفي بغرض الشعر من حروفها الأولى , وأحسب أن الشاعر يتحرك بلغته وفق ما تلفحه حروف القصيدة، ووفق ما تلفح هذه الحروف بوهجها الذي يبدو مرافقاً للغة كأساس متين لها. ولأنها قصائده مركزة على تفاصيل دقيقة جداً في حياة ووقائع الزمن والإنسان, أخذت تكبر وتكبر وتنسج الصور والكلام في داخل المعنى لتصير مشهداً كاملاً متكاملاً لا يمكن حذف حرف واحد من أسسه، الأمر الذي جعلها هرماً يمكن الصعود إليه وبطريقة هادئة وصافية ومريحة للمتسلّق. ففي قصيدته ( في بلادنا ) يقول الشاعر:

كلٌ أمرأة تبكي حرقة و لوعة و أشتيقأ
كلٌ رجل يبكي عوزأ وذلة و انهيارأ
في بلادنا….
كلٌ حُبلى في الحياة تيبستْ
كلٌ طفلةِ في المهد شاختْ
كلٌ عاشقة الى الجحيم سافرتْ
كلٌ قصيدة في القلب ماتتْ
كلٌ نخلة في السواد تفحمت
الشاعر لا يعمل على أفكار وتوجهات و شعارات كانت موجودة ليأتي هو ويطبقها دون العمل على اعادة خلقها من جديد وبالتالي عليه أن يخلق مفاهيمه الخاصة من خلال تفكيره الخاص وتوليده للأفكار والإبداع . وفي النهاية ارى ان المتلقي في حيرة من أمره أمام هذا التشكيل المنزاح عن معهوده في لغة الاستخدام من قبل الشاعر (وهذه الملاحظة تندرج على جميع قصائد ديوانه الشعري – لاشئ هناك)، وليست الحيرة هي وحدها ما يشعر به المتلقي بل يشعر أيضا بإعجاب واندهاش لهذا النظم المبتدع الذي يتحدث عن مواطن حساسة من تجربة الإنسان لا يتم تداول الحديث عنها كثيرا في الخطابات العملية الأخرى وتلك المواطن تضم الحب والثورة والحزن والأمل والحنين والذكرى والخيبة و الانكسار .. وغيرها من الموضوعات التي تمس الوجدان وتشغل التفكير . من هنا ينال الشاعر ماجد مطرود رضا المتلقي والجمهورويكسب تصفيقهم عند سماع شعره وقراءته،  كما أن معظم قصائده لا يختلف عليها اثنان من حيث الجودة ، والتجديد ، وابتكار الصورة ، وخلقها ، والقدرة على اللعب بموسيقى الشعر بحرفية عالية وشكل ممتع و مبهر وانا على يقين أن المتلقي لنصه سيجد المتعة رغم كثافة المعنى و كثرة ألتأويل.

علي المسعود
………….
كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *