ليث الصندوق : صوت الذات المنفصمة في (صيد البط البري)

laith alsandook 4العتبة النصية في رواية محمود سعيد ( صيد البط البري ) (*) عتبة مراوغة ومربكة وقد تُحيل القاريء إلى عملية صيد في منطقة قريبة من مواقع السرد ، وهي مواقع على حدود المستنقعات والأهوار الجنوبية التي لا تخلو من هذا الطائر الجميل ، ولكن سرعان ما تكشف شفافية النص العلاقة ما بين العتبة النصية والمواجهات القتالية التي انتقلت – بعد أن هدأت على الأرض – إلى ذاكرة البطل ، أحداث المآسي العبثية للغزو العراقي للكويت ( تترى التقارير : قائد جناح جوي أمريكي يقول بمرح شديد : سنصيد العراقيين مثل صيد البط .ص/15) وبذلك تكون الذاكرة المأزومة للبطل قد توسطت في تفكيك شفرة العنوان ، مثلما ستتوسط بعد ذلك لتتبع دوافع وأسباب الكوابيس والاضطرابات النفسية التي يعانيها . لكن التشبيه المهين الذي انطوت عليه العتبة النصية يتسع لاستقبال المزيد من الدلالات ، وإعادة إنتاجها في ذاكرة البطل لتصبح حلولاً قابلة للاستثمار عند الحاجة ، فالتلميح إلى استثمار الصياد لغريزة التجمع عند البط البري بما يسهل اصطياد أسرابه – حسب ما انطوى عليه تصريح الجنرال الامريكي – أنار في ذاكرة البطل طريق النجاة ، وأوحت إليه بحل للهروب من منطقة تجمع قطعات – البط – العسكرية ( الطريق الدولي بين الكويت والبصرة ) أو كما يسميه بطريق الموت ( كنت أسمع الأخبار وأسير ، أذاعت مونت كارلو تصريح الجنرالات المسعورين يتوعدون العراقيين المدنيين والجيش المنسحب ، قلت مع نفسي إن قرروا قصف الطريق الذي كنت فيه فلماذا أبقى ؟ إبتعدت نحو عشر كيلومترات . الظلام سائد . سقطت في حفرة أحدثها السيل أنجتني من القصف . ص/149) . وبعد مرور أثنتي عشرة سنة على التشبيه الذي أصبح عتبة نصية ، تعود أصداؤه مع قرب اندلاع الحرب الأخرى لاحتلال العراق لتتعالق دلالياً ورمزياً مع نص أغنية أطلقها المناهضون الأمريكيون للحرب أمام البيت الأبيض ، أسقط منها البط ، واستبدل بطرائد أخرى بعضها أكثر فتحاً لشهية الصياد ، وبعضها أكثر استثارة لاشمئزازه ، وفي الحالتين فأنها تنشط فيه دوافع القتل ( سنلهو ، ونتمتع بصيد الجواميس البرية والخنازير ، وحتى الكلاب . ص/164) ثم ( نحن مستعدون للهو ، لصيد البراغيث والقمل والقرود والحمير . ص/164) .
ثلاثة أصوات :
من اللحظة الأولى يبدو أن هناك ثلاثة أصوات متداخلة تتناوب السرد :
–    الأول صوت الراوي المفارق ، ويبدو أنه صوت خارجي يصف بحيادية ما يحدث على السطح ، أو دون ذلك السطح . ولكن هذا الوصف سواء كان خارجياً او داخلياً فإنه يقتصر على البطل حصراً وليس على الشخصيات الأخرى ، فالراوي لا يفارقه إلى سواه ، ولا يروي عن غيره إلا إذا كان ذلك الغير على تماس وقرب من البطل ، أو على شركة معه في فعل ، وبذلك يستحق هذا الراوي تسمية ( ظل البطل ) . ومواصفات الراوي هذه تتكرر في أكثر من عمل من أعمال محمود سعيد . حيث تقتصر أدوار الرواة فيها على مرافقة الأبطال ، وتتبع شؤونهم السردية ، وإذا ما حدث أن كسر هؤلاء الرواة هذا الطوق ، فلكي يتجاوزونه إلى الشخصيات القريبة من الأبطال ، أو التي تشترك معهم بأحداث محددة وبما يخدم بالتالي محكيات الأبطال . وعادة ما يتحدث هذا الصوت بضمير الغائب ليبقي نفسه في موقع المراقب المحايد خارج مركز حركة البطل ، أو ربما خارج حركة الشخصيات .
mahmood saeed 4–    الصوت الثاني هو صوت حاد ومستفز ، يتحدث من موقع السطوة والقوة التي لا يُعرف مصدرهما ومدى جديتهما . وإن كان الصوت الأول قد حدد مكانه ظلاً للبطل ، لا يفارقه إلى غيره إلا بقدر اقتراب ذلك الغير من البطل . إلا أن الصوت الثاني لا يوجه حدته واستفزازه إلى الأخرين على الإطلاق ، بل للبطل منصف حصراً الذي يتقبله صاغراً من موقع الضعف والإذعان .
–    ألصوت الثالث هو الذي تقتصر مهمته على الإجابة على الاستفزازات والتهكمات والاستفسارات والإدانات التي يوجهها له الصوت الثاني دائماً ، والصوت الأول في بعض الأحيان  . وهذا الصوت هو صوت الضعف الانساني والخضوع الروحي أمام إدانات قدرية لا طاقة له على التبرأ منها أو إنكارها .
تبدأ الرواية بالصوت الأول يصف حادثة سير على وشك الوقوع لشاحنة نقل في طريق خارجي من مدينة شيكاغو الأمريكية ، ويبدو ان سائق الشاحنة من أصول عراقية ، وسبق أن عاش من قبل تجربة حرب الكويت . ويتداخل الصوت الثاني بالصوت الأول ملتقطاً نهاية إحدى عباراته الوصفية المحايدة ليوصل بها من دونما روابط ولا تمهيدات حديثه الموجه إلى مخاطب ما ( الصوت الثالث ) بلغة مستفزة ( سيلاحقونك ، ستتضاعف العقوبة ، كان عليك أن تقف في مكانك حتى تأتي سياراتهم . ص / 6 ) وتتصاعد نغمة الاستفزاز في الصوت الثاني لتصل إلى مستوى الشتيمة ( فكرك في مكان ما وتصرفك في مكان آخر . أحمق . تافه . ص/ 6 ) أو ( ركبت رأسك ، رأسك لم يتراكم فيه غير الغباء ، لا بل أنت بغل . ص / 6 ) لكن هذا الصوت الغاضب المتوتر على مدى الرواية ليس مجرد أداة للتقريع واللوم فحسب ، بل هو صوت مُستجوب يريد من المقابل أن يقدم إجاباته عن أسئلته السريعة الموجزة ، أو حتى من دون أن تكون هنالك ثمة أسئلة . ومن الرغبة في الرد ينبثق الصوت الثالث متحدثاً بضمير المتكلم مسوغاً أخطاءه ( لم أرد سدّ الطريق . ص/6 ) أو مجيباً على الأسئلة في جملة مرتبكة تتداخل مع جملة الصوت الثاني من دون أن يفصل ما بين الجملتين سوى علامة الاستفهام ( ستعاقب بعشرة ألاف دولار . أتملك المبلغ ؟ لا . قسم منه فقط .ص/6) . وما بين الصوتين الثاني والثالث يدور صراع خفي هو في الحقيقة صراع إرادتين متعارضتين لذات واحدة منفصمة ومتشظية ، ذات مواطن عراقي أرهقتها مأساة حرب الكويت ، وهاجر بعدها إلى أمريكا ، وعندما يتوحد الصوتان في صوت واحد ، تهدأ جراح النفس المضطربة ويكشف النص أولى أسراره ، أو يمهد لكشفها منذ الصفحات الأولى ، فإذا بوحش القلق الذي يتهدد ذات الشاب العراقي منذ أيام مواجهته مع الموت في حرب الكويت ، ولم يفارقه بعد أن غادر ميدان الحرب ، بل جاء يرافقه إلى أمريكا . وبذلك انطلق الوحش ليضخم مشهد حادث السير البسيط الذي تعرضت له شاحنته ، مستبدلاً أياه بهول الأحداث التي رافقت الحرب ونجمت عنها . وعندما استقرت الذات المضطربة ، وعاد صوتا الذات المنفصمة ( الثاني والثالث ) ليتحدا في صوت واحد لم يبق في واجهة السرد سوى الصوت الأول ، صوت الراوي المفارق يسرد قصة الشاب العراقي المأزوم (منصف) والذي جاء إلى شيكاغو يبحث لنفسه عن فرصة للأمان من عقاب السلطة وللخلاص من وحش القلق ، ولترميم شروخ الذات ، وإسكات جراحاتها ، أو بالأحرى لم يبق في واجهة السرد سوى صوت الراوي يتبادل الكلام مع صوت الذات الواحد ، بعد ان اتحد صوت الذات المستجوبة ( بكسر الواو ) مع صوت الذات المستجوبة ( بفتح الواو ) في صوت متصالح مع صداه ، ولكنه متخاصم مع ماضيه ( أرتح عشر دقائق . أغمض عينيك . كم مرة نجوت من موت محقق ؟ في طريق الكويت ، عدم الذهاب مع الوالدين لملجأ العامرية ، هذه المرة الثالثة . ص/8) . لكن المشكلة ليست مجرد أزمة قلق متنقلة عبر الجغرافيا حملها معه منصف من العراق إلى شيكاغو كما تحمل فيروسات الانفلونزا ، بل هي أعراض لمرض نفسي مستفحل استغرق علاجه عدة سنوات ، وهذه المعلومات لم يفصح عنها الراوي ، بل أفصحت عنها الشخصية المحورية المأزومة ذاتها عن طريق الإخبار المباشر عبر مونولوجها الداخلي المستمر الذي هو جزء من الأجراءات الذاتية التي ينهجها هذا النمط من المرضى للترويح عن أنفسهم ، وتسلية وحدتهم ، وتبديد اضطراباتهم ( كم سنة أخذ العلاج النفسي منك لتتخلص من كوابيس الجثث المحروقة . ص/8) . وتختلط التداعيات والكوابيس بالحوارات الداخلية والخارجية في مزيج لا ينماز بعضه عن بعض سواء بإشارة أو تلميح ، والكاتب يجيد هذا النوع من التداخلات السياقية ، وقد مارسه في كل رواياته الأخريات . بيد أن هذه الرواية تركز الاشتغال على هذه الآلية ، وتستثمرها لسبر اغوار البنية الداخلية العميقة للشخصية المأزومة نفسياً ( منصف ) الذي يعاني من إضطرابات تشوّشُ في عينيه صورة الواقع ، وتحبسها وراء ألواح من زجاج الوهم المخادع والمضبّب .
وتبدو هذه الرواية بحبكتها وآليات اشتغالها اقرب إلى ثلاثية شيكاغو فهي تتوفر على ذات المشتركات البنائية والدلالية التي تميز كل أجزاء الثلاثية ( سبق أن تم تحديدها ورصدها في مقال سابق ) ، بل وهناك مشتركات أخرى مضافة ومستجدة كعودة بعض شخصيات الثلاثية ذات الأدوار الثانوية للظهور في هذه الرواية مثل الدكتور جان العراقي الأصل المقيم في شيكاغو والمختص بالآثار ، وقد ظهرت هذه الشخصية في رواية ( أسدورا ) وهي إحدى روايات الثلاثية . وبذلك لعل هذه الرواية تكون رابع أجزاء الثلاثية من دون أن يعلن كاتبها ذلك ، وإذا ما أعلنه ، فإنه يكون قد ضمّ – صيد البط البري – إلى سياقها الصحيح .
ألراوي ( ظل البطل ) :
kh mahmood saed 5وإن كان إثنان من الأصوات الثلاثة ( الثاني والثالث ) ، وهما صوتا الذات المنفصمة سرعان ما اتحدا بعد حالة استقرار آنية قصيرة ، ثم عادا ينفصلان كلما اشتدت الأزمة النفسية للبطل ، فإن الصوت الأول الذي يخترق أعماق البطل ، ويكشف مسكوتاته التي يعجز أن يعبر هو ذاته عنها بلسانه ، هذا الصوت ليس جزءاً من تقنية سردية من تلك التي يستعين بها ما يسمى بالراوي العليم الذي يعرف من الخارج أكثر ما يعلمه الأبطال عن دواخل أنفسهم . لأن راوي رواية صيد البط البري لا يملك إمكانية اختراق أعماق أي من شخصيات الرواية الأخرى على الإطلاق ، وتقتصر ملكته على اختراق اعماق البطل المحوري منصف فقط  ، وإن دوره في نص يخص الذات المنفصمة ، وتداعيات انفصامها هو أن يروي عنها وعن صاحبها حصراً ، فهو مرتبط به في يقظته وفي كوابيسه لا يغادره أبداً ليروي عن سواه . وهو الصوت الذي ظل يرصد تحولات البطل وانتقالاته بدءاً من هروبه من الكويت بعد هزيمة قوات وطنه ، ثم خروجه من العراق ، حتى وصوله إلى شيكاغو . لكنه خلاف الصوتين الأخرين ظل محتفظاً بمسافة تفصله عن البطل تمكنه من رصد حركاته في الحاضر ، واستدعاء ذكرياته من الماضي .
وفي كل الأحوال فاختراق صوت الراوي لمسكوتات البطل ، وتعريتها هو اكثر إقناعاً من الناحية المنطقية من اختراقات الراوي العليم في الروايات التقليدية الذي لا تقتصر معرفته على البطل ، أو على إحدى شخصيات الرواية فحسب ، بل تمتد إلى كل الشخصيات الأخرى مهما كانت مستويات مشاركتها في الأحداث ، وتتسع اتساعاً آلهياً مطلقاً لتشمل الظاهر والباطن بما يمكن هذا النوع من الرواة من معرفة الجوانب الخفية من نفوس الشخصيات معرفة تفوق ما يعرفونه عنها هم أنفسهم . فما دام الراوي في صيد البط البري قد رضى بدور الظل المرافق للبطل ، وقصر ملكته الرقابية عليه ، وتتبع مراحل انفصام ذاته أو اندماجها ، فلا غرابة من الناحية المنطقية أن يكون الناطق الرسمي بإسم تلك الذات .
وعدا مواقع الاضطراب النفسي ، وتفاقم حالة القلق التي تعتري البطل منصف فتدفع صوت الراوي للتحول إلى سوط يجلد الذات ، فالراوي لا يكف عن اختراق ذاكرته المتعبة عبر صور الألم التي تشكل طبقات تراكمت بعضها فوق بعض عبر رحلة البطل في المكان :
–    من أطراف مدينة الكويت أيام احتلالها الأخيرة
–    ثم البصرة صعوداً إلى بغداد
–    ثم نزولاً إلى أطراف الناصرية ، حيث المعسكر الأمريكي يستقبل العراقيين الراغبين بالهجرة إلى أمريكا .
–    ثم شيكاغو
وإن كان المرور عبر المحطات الثلاثة الأولى لم يستغرق من الرواية سوى الصفحات الأربعين الأولى ، إلا إن تداعيات عبورها تبقى مؤثرة في كل أحداث الرواية التي تلت الصفحات الأربعين ، وحتى النهاية . أن اجتياز كل تلك المحطات المكانية على خط الزمن استغرق إثنتي عشرة سنة ، امتدت من حرب الكويت عام 1991 وحتى مرحلة ما بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 . وخطا الزمان والمكان يلتقيان في ضفيرة سردية تجعل من الصعب على البطل الذي يعيش احداث الحاضر أن يستبعد من ذاكرته الماضي المرتبك بالمكان والشخصيات . فبعد اثنتي  عشرة سنة من الهجرة إلى أمريكا ظل البطل يردد على مسامع صديقته الأمريكية ذات الأصول العربية حليمة ( أنت نفسك قلتِ لي أنت تصرخ في الليل ، نعم أصرخ . تخنقني الكوابيس ، ترجعني إلى فحميات طريق الموت . ص/45) أو هذا ما كان قد همّ أن يقوله للمسز تاتشر مديرة شركة التوزيع التي يعمل بها سائق شاحنة ، مسوغاً أسباب خروقاته المرورية المتكررة ، لكنه أحجم عن القول ، فظل صدى كلماته المجهضة يتردد في ذاته المعذبة ( اليوم بداية حرب جديدة ، أيخبرها بخراب داخله ؟ بجثث طريق الموت المحترقة التي تطارده بالكوابيس طيلة اثنتي عشرة سنة . ص/48) . ولربما أصبحت كوابيسه الليلية مانعاً نفسياً يعيقه قبل الاقدام على أية علاقة حب ، وهذا أول ما فكر به بعد أن توثقت علاقته بمسز تاتشر ( حينما تكتشف كوابيسك ستطردك . ص/88) . ولكن تلك الكوابيس صارت حقيقة ثابتة في حياة البطل لا مناص للتخلص منها ، ولعل المناص الوحيد هو في التكيف معها ( ألعثور على وطن بديل في إمرأة حنون تقبل العيش معه بألامه ، بكوابيسه ممكن . لكن كيف يجد هذه المرأة . ضاعت أثنتا عشرة سنة في البحث عنها ، لو التقاها إذن لأصبح أسعد إنسان في الوجود . ص/97) ثمّ فهم اللعبة ، فصار ينظم حياته ويرتبها بشكل مخطط ومدروس ليتحاشى مواجهة الأخطار التي تعيد إليه الكوابيس ( تذكر أنه إن فكر في الاخطار فربما تعود الكوابيس .ص/ 121 ) ولأن الليل موعد الكوابيس ، وفي الوقت ذاته هو موعد الحب ، لذلك صار يخطط لزحزحة طرفي المعادلة العاطفية عن موقعيهما التقليديين ، فيحول مواعيد الحب إلى أوقات النهار ( لو كانت في شيكاغو لالتقاها نهاراً في شقته ، ولفرّ منها ليلاً كي لا يرعبها بكوابيسه . ص/172) كل هذه السنوات في التعاطي مع الكوابيس تعني أن الهجرة لم تُلئم جراح منصف النفسية ، بل تركتها معرضة للنكأ مع أية هزة . بل ان كل تلك السنوات أزالت المسافة ما بين الداخل ( الذات ) والخارج ( الوطن ) فصار ثقل الخارج يضغط على الذات كلما اشتدت الأزمة السياسية ، وتوالت نذر الحرب المقبلة . وفي تلك الظروف فليس هناك من أمل لتبديد الكوابيس الليلية ، بل ليس هناك من فائدة ترتجى من الدعم المعنوي الذي اعلنت المسز تاتشر مديرة شركة التوزيع أنها ستقدمه له لتجاوز المشكلة المرورية التي تسبب بها ( بدأت أثقال الحياة تنزاح من فوق كتفيه لولا تدفق التهديدات من مذياع السيارة ، ألف موقع للتفتيش في العراق . أخمد الصوت . ص/55) .
حوارات ورؤى :
إضافة إلى آلية ( قص الأحداث ) يوظف الكاتب آلية ( قص الأقوال ) ليوسع مجال الرؤيا ، ويتيح للشخصيات ان تقدم نفسها مباشرة بدون تمهيد . وباستخدام الآليتين معاً يختزل في الفصل ( 4 ) على سبيل المثال مساحات واسعة من الحكي المحض ، ضاخاً عبر مساحة لا تتعدى سبع صفحات كميات كبيرة من المعلومات السردية التي تصب في مجرى الأحداث من داخلها ، والمعلومات التاريخية الموظفة في الأحداث من خارجها ، علماً أن قص الأقوال في الرواية عادة ما يكون على شكل حوار داخلي ما بين صوتي الذات المنفصمة ( الثاني والثالث ) ، مثل الحوار الداخلي في الفصل الأول ، أو بين شخصين ، ودائماً ما يكون البطل منصف أحدهما ، إذ ليس هناك من نموذج حواري في الرواية يستبعد البطل من المشاركة فيه . ولا تقتصر الحوارات من النمط الثاني على شكلها المباشر ( وجهاً لوجه ) ، بل قد تتعدى إلى أشكال أخرى ، مثل الحوار عبر الهاتف النقال ما بين منصف وصديقته الفلسطينية الأمريكية حليمة في الفصل ( 3 ) وكذلك الحوار ما بين صديقه المصري الأمريكي محمد الأيمن في الفصل ( 4 ) . أو ربما تكون الحوارات مستعادة من خزين الذاكرة عبر التداعيات ، مثل الحوار ما بين منصف وصديقته حليمة ، وهذا الحوار تمت استعادته أكثر من مرة كلما تذكر منصف خسائره العاطفية التي تسببت بها كوابيسه الليلية :
( – صراخك يرعبني ، يقتلني ، لا أستطيع إيقاظك ، جسمك يعرق
–    لكني لا أصرخ
–    بل تصرخ بقوة ، وتجعلني أرتجف
–    لم أرَ أيّ حلم
–    ربما ، لكنك تصرخ ، ترتجف ، تبكي
( ص / 9  )
وربما تُستعاد سلسلة غير مترابطة من الحوارات المفككة لملمتها ذاكرة البطل من مناسبات شتى وأزمان متباعدة ، مثل استرجاعه الحوارات الحميمة والأليفة مع مسز تاتشر مديرته في شركة التوزيع التي فاجأته قبل رحيلها للعمل خارج أمريكا بأنها من أصول عربية فلسطينية وإسمها العربي سناء ( الفصل 10 – ص/ 92 ) . أو ربما تكون الحوارات ما بين شخصيتين من لغتين مختلفتين يتوسط بينهما ثالث ، مثل الحوار بين منصف والمحقق في المعسكر الأمريكي بأطراف الناصرية ، بتوسط  المترجم للموافقة على تسفيره إلى أمريكا ( الفصل 2 ) . أو ربما يكون الحوار جمعاً ما بين أكثر من صيغة وشكل مثل الحوار المباشر ما بين منصف ومحمد الأيمن ، يقطعه في الوقت ذاته الحوار عبر الهاتف ما بين منصف ومسز تاتشر ( الفصل 5 ) . وفي بعض الأحيان يُقطع – مشروع – الحوار قبل أن يبدأ ( رنّ الهاتف ، جاء صوت محسن : أين أنت ؟ لم يفتحه ، تركه يبعث رسالة : عندما يكون لديك وقت إتصل بي ، عندي ما يهمك ، مع السلامة . ص / 65 ) . وأحياناً يجتمع معاً ، وفي وقت واحد الحواران الداخلي والخارجي ، كحوار منصف الداخلي مع ذاته متداخلاً بالحوار الخارجي مع مسز تاتشر ( ص / 67 ) ومما لا شك فيه أن كل تلك الحوارات تكشف عن تعدد الرؤى والأفكار وتباينها عن مركزية ما :
–    رؤية محمد الأيمن في تعارضها عن مركزية رؤية البطل المحوري فيما يتعلق بالتعاون ما بين العرب الامريكيين ومنظومات الجيش الأمريكي .
–    ولعل محمد الأيمن يطرح رؤية أخرى تبدو غير مفهومة ضمن سياقها ، ومناقضة لرؤيته الأولى المشار إليها أنفاً تمام التناقض ، وهذه الرؤية أقرب إلى أن تكون رؤية إرهابية منه إلى رؤية تصحيحية . وقد جاءت تلك الرؤية في سياق تسويغ محمد الأيمن للبطل شرعية تعاونه مع الجيش الأمريكي باعتبارها وسيلة لهدم النظام من داخله ( ص / 58 ) علماً أن كلا طرفي الحوار ( البطل والأيمن ) يعيشان داخل النظام ويتمتعان بحمايته .
–    رؤية حليمة المواطنة الأمريكية من أصول عربية فلسطينية المنحرفة عن مركزية القيم الثقافية العربية الإسلامية ، وتماهيها مع العادات والتقاليد الأمريكية .
–    رؤية المسز تاتشر ( سناء ) المتمردة على مركزية الموقف الأمريكي الرسمي من قضايا العرب .
–    رؤية المواطنة الأمريكية صوفيا المناهضة للرؤية المركزية التي تتبناها قوى المعارضة العراقية في تأييدها للحرب على العراق ( ص / 143 ) .
وبالعموم فإن قص الأقوال يمتزج بقص الأحداث في كل فصول الرواية بدون استثناء ، بل يطغي عليه في بعض الفصول بما يمنح القص أبعاداً درامية ديناميكية أنقذته من النمطية والاعتياد .
ما بين الداخل والخارج تبادل إنعكاسات :
لكن حالة اضطراب البطل النفسية المتأثرة بترمومتر السياسة الأمريكية وقراراتها ضد العراق تخضع لمؤثرات طبيعية أخرى لا علاقة لها بأي قرار بشري مهما كانت طبيعته ، فعندما تأذن الطبيعة بانفراج مواسمها تسحب إلى مواقع الاستقرار والطمأنينة معها النفس القلقة خارج المؤثرات السياسة . وتشاء الصدف أن قرارات الطبيعة الموسمية تتوافق مع قرارات الرفض المجتمعي الأمريكي للحرب على العراق ، وفي هذا التوافق يجد البطل انفراجاً وقتياً لأزماته النفسية . فعندما توجه مع صديقه اليساري الأمريكي أوليفر للمشاركة في تظاهرة ضد الحرب كان الوقت شتاءاً والأشجار قد أسقطت أوراقها ، وكان الراوي يسجل عنه أنه (  يكره أشجار الشتاء الكئيبة ، أعواد وسيقان جرداء متداخلة بلا حياة . ص/133) ، وكذلك حين صُدم منصف بحبس صديقته الفلسطينية الأصل سناء ( مسز تاتشر ) بتهمة تعريض أمن الدولة للخطر ، كان أول رد فعل عفوي له أن ( رنت عيناه إلى الشجرة العملاقة في شارع ألدين الذي أمام الشباك العريض ، ما تزال أغصانها الفرعية جرداء عارية من الأوراق ، تحركت ، ما أقبحها . ص/195) لقد عكست الطبيعة الخارجية كآبته الداخلية متخذة من الشجرة مرآةً تعكس على ظاهر سطحها ما يتحطم في باطن رواحه . لكن تلك المشاهد الطبيعية المتناغمة مع النفس في اكتئابها واضطرابها ، تقابلها مشاهد أخرى تتناغم فيها حركة الطبيعة المتفتحة بداية الربيع مع حالة انفراج غمامة الاكتئاب والقلق بالتزامن مع انطلاق مسيرة التضامن الأمريكية ضد الحرب ( وجد برعماً صغيراً جداً في نهاية غصن أجرد ، أحسّ بالنشوة ) ثمّ ( صرخ بأوليفر : بدأ الربيع
( – كيف ؟
–    ما أسم هذه الشجرة ؟
–    لا أدري
–    أنظر إلى هذا البرعم ، ستخضر هذه الشجرة كلها خلال أسبوعين
–    كيف تعرف ؟
–    في بلدي يبدأ الربيع في آذار
( ص / 133 )
وفي النص تُحرر الطبيعة من جمودها المحايد ، وتزج في حركة الأحداث وكأنها كائن حي عاقل ، له إمكانية الرفض والقبول عن ما يدور من حوله ، ويعلن رفضه وقبوله لمن يفهمون لغته . فالطبيعة تشارك أيضاً في الاحتجاجت ضد الحرب ولكن بطريقتها الخاصة ،  عاكسة بتجهمها المزاج الشعبي الرافض ، فعندما وصلت تظاهرة المحتجين إلى المنطقة المحيطة بالبيت البيض ، كانت الطبيعة قد سبقتهم بتعليق لافتات رفضها البيض ( بدا البيت الأبيض كئيباً مهجوراً مع بحيرته الطولية الجامدة يكللها الثلج ، لا زهور ، ولا خضرة . ص/159 )
في موازين الخسائر والارباح : 
وهكذا يتكامل الخارج مع الايقاعات الداخلية للذات في صور طبيعية رمزية تغني فيه دلالات كل طرف الطرف الآخر ، على الرغم من أن إصرار منصف على المشاركة في تظاهرة الرفض للحرب في موعدها كان قد تسبب في خسارته للوظيفة الموعودة ، كما تسبب بالتضحية بموعد حميم ربما كان سيغير خارطة عزوبيته مع صديقته الإيطالية اليزابيث . ولعل الخسارة التي تحملها عن هاتين التضحيتين هي في ميزان المكاسب النفسية والروحية أقل من الربح المتحقق بالمشاركة في الدفاع عن قضية وطنه ، علماً أنها مشاركة معنوية لا تضمن تعويق أو إيقاف آلة الحرب ، ومنصف لا يحسب هذا الربح بإضافته إلى رصيده النفسي وثروته المعنوية ، بل يحسبه بما حققته قضية وطنه من تعاطف وتضامن إنسانيين باعتبارها قضية عادلة ( بدوا في المناسبات القليلة التي رافقهم فيها سعداء جداً ، ربما لأنهم يريدون أن يسكتوا ضمائرهم بأداء واجب إنساني ينتصف للحق . ص/135) .
هذا الربح من خلال التضحية يتكرر ثانية عندما استطاب منصف حلاوة التعاطف الإنساني مع الآخر . فقد قرر البقاء في شيكاغو لحماية ( فجر ) إبنة صديقته سناء المحبوسة دفاعاً عن معتقلي سجن أبوغريب ، مضحياً بفرصة الاقتران بصديقته اليزابيث ، وهي المرأة الوحيدة التي رضيت أن تتحمل تبعات صراعه الروحي مع الكوابيس ( ص/ 198 ) ، لقد أصبحت التضحيات جزءاً اساسياً من بروتوكول العلاج لتلك الصراعات ، وتلك الكوابيس ، وهذا ما اكتشفه بنفسه وبدون تداخل علاجي من طبيبه الخاص .
وتتعرض الأحداث إلى قطع مفاجيء ( ص / 178 ) يتغير معه السياق من حالة ترقب لاندلاع الحرب ( والمكان الذي تُرصد منه وتتابع حالة الترقب تلك هي الأراضي التي يعيش عليها البطل – أمريكا ، والزمان هو مرحلة ما قبل اندلاع حرب احتلال العراق ) إلى أحداث التهجير وهيمنة الميليشيات ( والمكان بغداد ، والزمان هو الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب والاحتلال الأمريكي للعراق ) ، وهذا القطع يخفي وراءه الكثير من الأحداث الجسام التي جاءت بها الحرب ، وما خلفت من كوارث ، وقد اجتزا منها الكاتب ما يفيد محكية البطل التي ليست هي بالتأكيد محكية الحرب ، لذلك ترك المحكية الثانية مكتفياً منها بالتلميح والاجتزاء ، ولكنه مع ذلك اجتزاء ينطوي على شيء من التعسف نظر عبره الكاتب إلى وجه واحد من أزمة العراق ( الميليشيات ) متلافياً الوجه الآخر وهو الإرهاب والوجهان لحقيقة واحدة لا مجال لتجزئتها . وبعد ذلك القطع الذي طوى أحداث حرب احتلال العراق تتوالى الأخبار مفككة ومقطعة لشواهد من تداعيات ما بعد الحرب مركزة على احداث سجن أبي غريب .
وما بين بداية الرواية ونهايتها مفارقة ، فبينما مهدت البداية لعمليات هروب مركبة :
–    هروب أفراد الجيش العراقي بصورة عشوائية من الكويت .
–    هروب العوائل والمدنيين بسياراتهم الخاصة من الكويت .
–    هروب البطل من طريق الموت ، ومن ضربات قوات التحالف .
–    هروب البطل من الماضي ممثلاً بتجاربه العاطفية الفاشلة .
–    هروب البطل من العراق خوفاً من العقاب عن فقدانه سلاحه في أرض المعركة
جاءت النهاية على العكس معمقة لحالات الاستقرار في المكان والاندماج في المجتمع الأمريكي من خلال :
–    بحث البطل عن حب متوازن يوفر لنفسه المضطربة الراحة والأمان
–    الانخراط في العمل التضامني الجماعي مع مجموعات الضغط ضد الحرب
–    ألتعاطي مع مؤسسات المجتمع الحقوقية للدفاع عن صديقته سناء المحبوسة بقضية أمنية مما يعني حرص البطل على الاندماج والذوبان في بنية المجتمع الأمريكي .
وكما في أغلب روايات محمود سعيد الأخريات التي لا تخلو من كاتب أو قاري ، يُسقط الكاتب ملامح من ذاته الكاتبة أو القارئة على بطله منصف ، ليجعله على تماس مع الروايات العالمية ، فهو يتذكر دونما تمهيد رواية ساماراكو ( سنة موت ريكاردوريس ) ويبدأ بمحاكمة ذائقته التي لم تطاوعه ليكمل قراءتها ، ولكنه يتوصل إلى قرار نهائي يحسم قراءاته المعلقة ( ربما سيأتي يوم يعيد فيه قراءة كل المهملات . ص/84) . وقبل ذلك كان منصف قد اختار من مكتبة أبيه كتاب ( الحضارة العربية الإسلامية ) لآدم متز بجزأيه ليرافقه في رحلة الهجرة إلى أمريكا. وتكشف كل من سناء وحليمة من خلال تشبيههما لشخصية منصف ب ( دون كيشوت ) عن معرفتهما بمواصفات تلك الشخصية الروائية العالمية ، دون أن نعرف مدى اتساع تلك المعرفة وجديتها .
ثم تنتهي الرواية مفتوحة على أسئلة كثيرة لم تجب عنها ، وعلى فراغات ظلت دون ملء ، وعلى مواقف ورؤى ملتبسة . ولعل في المقدمة من ذلك عدم إشارة الكاتب إلى الجهة التي استفزت برعونتها جنون العسكريتاريا الأمريكية ومنحتها الذريعة لاحتلال العراق ، حتى بدا الأمر من خلال النص وكأن تلك الجهة ذات طهر ملائكي ، وأنها مبرّأة من أي ذنب أو خطيئة ، وأن تبعة ما حدث تتحمله بالكامل جهتان لا ثالث لهما – حسب النص – :
–    ألأولى هي أمريكا ،
–    والثانية تمثلها فئتان من العراقيين ، مع بعض العرب الذين دعموا أمريكا ، وساندوها على احتلال وتدمير العراق .

(*) صيد البط البري – محمود سعيد – دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزبع 2013       

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

| كريم عبدالله : القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .

تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *