عيسى حسن الياسري: طيور تهاجر في الظل

                             ذاكرة الفقد والحنين

" وكما تقولْ :

ما زلت ُ أسكنه ويسكنني العراق ْ

ثمل ٌ بنا مرُ المذاق

من دونه

البيت نحو الليل في خجل يساق … "

" طيور تهاجر في الظل " هي المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر المغترب " مالك الواسطي " ..الصادرة عن " دار التكوين في دمشق – حلبوني "

عرفت الشاعر منذ نعومة أظفار حلمه الشعري .. كانت أيام "العراق "آنذاك تشتعل بأول حريق سببه عود ثقاب أشعله واحد من مجانين الحروب .. وظل ذلك الحريق يلتهم أحلام وقصائد وأغاني وطن لم يحصد من حقول أحلامه الهائلة سوى الموت والجوع والتشرد والرماد .. لا أدري كيف نجا هذا الشاعر من محرقة الحرب .. كان يزورني في أكثر من مكان عملت فيه .. يحمل بيده كتابا أو صحيفة .. لكنه سرعان ما يغادر وكأنه دائم البحث عن شيء بعيد لا يصل إليه إلا إذا أمسك بأصوات تلك الطيور التي تهرب من المذبحة .. ولم أعرف أنه قد حقق حلمه بالتخفي تحت ظلال أجنحتها حتى لا تكتشفه مصائد العسس الذين يحرسون أصغر شيء يتخفى بين أهداب النسيم .. ووشاح غيمة مسافرة .

كانت أسنان الزمن الشرسة تقضم بشراهة قبر جائع جسد حياتنا الهزيل .. وكانت الذاكرة تحاول أن تخترق كثافة ضباب منافينا لنطل منها على كسرة من سنوات كانت أقل ألما ووجعا .. وكما يعثر سائر في عتمة دروبه الموحشة على ضوء "يراعة " هكذا كنا نعثر وعن طريق الصدفة وحدها على بعض الأصدقاء الذين فرقتنا عنهم العاصفة .. وعن طريق هذه الصدفة ..وعبر أحد المواقع الثقافية وجدتني ألتقي مع نص شعري .. يتصدره العنوان الأ لكتروني للشاعر الدكتور " مالك الواسطي " وكما هي عادتي كلما عثرت على عنوان صديق عزيز غيبه عني الزمن وجدتني أسارع في الكتابة إليه .. لأتلقى بعدها أغنية طيوره التي هاجرت في الظل .. كان الشاعر يعيش في " إيطاليا " .. وعند تصفحي الديوان وجدت

أن نصه الشعري يلغي المسافة . . ويحول الجغرافيا إلى مكون وهمي لا وجود له إلا في التضاريس .. ومسطحات مياه البحر .. ومثلما كانت عيناه تحدقان في تخوم الأرض التي يقف عليها ..وزرقة السماء الملوثة بالدخان بحثا عن ثقب آمن ينفذ منه إلى جهة يحتمي فيها الشعر والأحلام من الموت.. فمازال وهو في مغتربه النائي يحول بصره إلى الأرض التي تشرد منها ..وظلت تلاحقه كقدره الذي لا خلاص له منه .. فارضة على تجربته تكوينا فنيا ًيتوائم مع ذلك الحنين الهائل الذي يسحبه من تلك الزاوية الهادئة التي يريح رأسه المتعب إلى صدرها الدافئ ليوقفه أمام ذلك الكائن الطفولي .. الذي تشكل وعيه الأول من خفق سعفات نخيل " البصرة "..وعبق رائحة خبز التنانير .. وصوت المطر الذي يعزف موسيقاه فوق سطوح أكواخ القصب والطين .

لقد ظل الشاعر مخلصا ووفيا إلى خطواته الأولى .. وبالرغم من إقامته في حاضنة إبداعية جديدة .. ذات أبنية فنية تختلف في تشكيلاتها التصويرية والإيقاعية .. وتنحو منحى تجريبيا يرتفع إلى مستوى غرابة عالمها الذي يتكئ على بنى تحتية .. وعلائق مجتمعية مغايرة لمألوفات الشاعر ..إلا أنه ظل وفيا ًلثقافته وأصالة المنجز الإبداعي الذي تربى عليه منذ تفتح وعيه الأول .

لقد حافظت جميع نصوص الشاعر " مالك الواسطي " على أبنيتها الموسيقية ذات الإيقاعية الهادئة .. وعذوبتها الغنائية التي تنسجم مع ذلك الحنين الذي يفرض حضوره على وعي الشاعر ..ويرافقه كظله وهو يقطع شوارع ومنعطفات تلك المدن الغريبة .. ومن خلالها يستحضر "البصرة " و "بغداد " وغيرهما عبر رؤية تتشكل فنيا من خلال ذات الشاعر التي تتجاوز المحدود والفردي عبورا ًإلى أزمة الكلي والموضوعي .

" من يلزم "بغداد "

أن تسكن الآن في " نابولي "

غير أحزانها

وتفاهة هذا الزمان المهاجر في الظل … "

و"بغداد " هنا معادل تبادلي يستعيره الشاعر كقناع لأزمته الذاتية .. حيث يحقق استحضارا ًلعالم موغل في غيابه وانكساره .. وهو في ذات الوقت إشارة دالة على طرائق الحلول الصوفي .. مما يجعل ذات الشاعر تتخلي عن وجودها لتذوب في ذات معشوقتها " بغداد ".

أو كقوله في قصيدة أخرى :

"خفّ إلى ضاحيتي يا نخل " البصرة "

أن ّ الشاعر " مالك الواسطي " ومن خلال كل نصوصه يقدم لنا نشيدا متواصلا من الحزن والوحشة والخذلان برغم كل ما يحيط فيه من صخب وألوان ومتع عالم منفاه .. فهناك أكثر من زاوية معتمة في الروح والقلب لا يمكن لكل أضواء العالم ومباهجه أن تزحزح عنها أردية الليل وستائره التي لا تترك لأكثر النهارات سطوعا أن تخفف من انهمار قطرانها الأسود .

وهو ..ولكي يحتمي في نصه الشعري من معاناته ..يترك لهذا النص حرية تشكيل أبنيته دون أن يفرض عليه أية سلطة قادمة من مناطق معرفية خاصة .. أو يخضعه لأي ثقل ثقافي ..أو تغريب لغوي .. بل يترك نصه يمضي كماء الينبوع بسيطا رائقا شفافا ..وبدلا من أن يحاول زحزحة الصخور التي تعترضه ..وتحد من أندفاعته فأنه يختار أكثر المروج انبساطا وسهولة ليرتمي بين أحضانها ..إنه نص البساطة والعفوية والبراءة التي احتفظت بنقائها ..وعلائقها الحميمة بمتلقيها رغم ما يحيط فيها من صخب حزن الشاعر ..وضجيج العالم من حوله :

" كان غصناً من البان

راقداً في كتاب " الفرزدق "

كان حباً ولملمته

بين حزن وحزن

كان بيتا ً من الظل فيه النهار تعلق ْ .. "

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| استبرق عزاوي :ديوان خوابي الحنين للشاعر ياسر سعد .. كولاج شعري يتأرجح بين المقاوم والوطني .

ديوان خوابي الحنين للشاعر اللبناني المغترب ياسر سعد : كولاج شعري يتأرجح بين المقاوم والوطني …

| عبد الستار نور علي : الشاعر يقظان الحسيني “شاهداً”…

لعنوان المُؤلَّفِ ـ كتاباً كانَ أم نصّاً ابداعياً ـ أهمية خاصة، فهو مدخلُ العمل، والنافذةُ …

تعليق واحد

  1. ما ابهاك ايها الخال العزيز أبا ياسر.. ما ابهاك وانت تتواصل مع كنوز ابداعنا العراقي دون كلل أو ملل .. شكراً للحبيب ابا علي اذ اتاح لنا عبر موقعه فرصة اللقاء باساتذتنا وأحبتنا من قبيلة ابداعنا العراقي العظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *