مصطفى الموسوي : هادي العلوي .. الايديولوجيا وملاذ المدينة الفاضلة

mostafa almosawi 1 كثيرة هي الأشكاليات التي يثيرها تراث هادي العلوي الفكري بأعتباره صاحب منهج فكري يلتقي ويتقاطع مع ماهو سائد من مناهح اخرى تتعامل مع مشروع الحداثة النهضوي وموقفها من تراث الأسلام الشرقي ومنظومة القيم الغربية خصوصاً في الجوانب الاجتماعية والروحية والثقافية .
هادي العلوي لايبتعد عن المؤثرات الأولى لنشأته الدينية التي تداخلت فيما بعد مع الشيوعية فأثمرت شيوعية صوفية أو صوفية شيوعية تنبع من القلب ومن تراث الشرق الذي فضل أن يقدمه العلوي على باقي المصادر ذات المنشأ الغربي ، فالدين حاضر في شيوعية هادي العلوي والشيوعية حاضرة في تدينه وهو تدين ليس بالمعنى التقليدي المتعارف عليه وأنما تدين برتبط بالانسان وبالأرض كمدخل للأرتباط بالسماء ربما ، وهو يشير في مناسبات عديدة الى دعوة المسيح الى ان تؤدي لأخيك ماله عليك قبل أن تقدم قربانك الى السماء
في كتابات هادي ثوابت متأصلة تكاد ترجع  في أصولها الى النبع الأول الحاضر دائماً رغم تقلب الأحوال، وما أبحاره فيما بعد في مجال البحث التراثي والتأريخي والفلسفي الا وسيلة جاءت لتؤكد هذه الثوابت لا لتلغيها أوحتى لتعدلها أدنى تعديل وربما هو هنا كان صاحب نموذج قبلي مسبق يجعل منه مفكراً مثالي النزعة  اخلاقي الموقف رغم أدواته المادية.
ومن هنا فأن محاولات هادي العلوي تبقى في حدود الحلم الذي يداعب اصحاب النوايا الطيبة والعواطف النبيلة ممن يمتلكون حساً اخلاقياً عالياً ونزعة طهرانية يمتاز بها المتدينون الحقيقيون ،فهو ليس جزء من نظام شمولي متحقق ومامشروعه المشاعي سوى محاولة لأحياء وتأكيد التراث المندثر الذي يصب في مجال الحلم الشيوعي الذي طبقه وأن بشكل مجتزء ومحدود بعض المصلحين الأجتماعيين وان تلبسوا بلبوس الدين عبر التأريخ .
الدين كحاضن للايديولوجيا وهي هنا شيوعية (مفصلة حسب مقاسه ومن خامة التراث اللقاحي لشعوب الشرق والغرب) هي البديل المريح (افيون) عن وطن اتسم بالعنف والقسوة المفرطة.
حيث بقيت الاشتراكية بالنسبة له هي أشبه بأشتراكية الحروب الاسلامية حيث يتقاسم المحاربون الفقراء لقمتهم في الصحراء بعيداً عن التجارة والنقود  كما يشير الى ذلك زهير الجزائري .
من الغريب ان ماوتسي تونغ حين سأل من قبل جوزيف ستالين في العشرينات عن العدد الكافي من الشيوعيين الذي يحتاجه لأنجازه الثورة في الصين انذاك، فاجئه بجواب غريب (أحتاج الى عشرة) وحين عقب عليه ستالين بأن لديك الالاف ، كان رده انه يقصد (عشرة كأتباع محمد).
هادي العلوي وملاذ المدينة الفاضلة
في كتابه تهافت الستيينيين يتناول فوزي كريم في فصل خاص تحت عنوان (هادي العلوي وملاذ المدينة الفاضلة) الأشكالية التي يطرحها هادي في مجمل نتاجه الفكري، ويقرر ان الأنتصار للأنسان يناقض الأنتصار للفكرة وتقديسها حتى انها من الممكن أن (تعطي ثماراً دامية).
ترى ماذا يقول فوزي كريم عن بعض العدميين الفرنسيين في القرن التاسع عشر، الذين ارادوا أن يوكلوا تحقيق يوتوبيا العدالة بأستجلاب القبائل القوقازية شديدة المراس للقيام بالهجوم على العالم الظالم عديم الرحمة من أجل تحقيق المساواة في العبودية اذا لم يكن ممكناً تحقيق المساواة في الحرية .
ان المتتبع لسيرة هادي العلوي يكتشف ان الرجل كان مؤمناً صادقاً اكثر منه ملحداً ناكراً . فهوفي منابعه الاولى ديني النزعة لكن عقلانيته منفلتة من ربقة اليقين الأيماني  الذي يستلزمه الألتزام الديني وهو بهذا الأشكالية اختار الموقع الأخطر،وبهذا المعنى يؤكد زهير الجزائري (لم يكن جهله بالتكتيك هو الذي يدفعه لأختيار الموقع الأخطر،انما البذرة الدينية داخل هذا المتطرف في شيوعيته ،هي التي تدفعه لأن يختار الموقع الأكثر تعذيباً وقرباً للموت).
ان الجذوة الدينية عند هادي العلوي واضحة وضوحاً بييناً وان الالحاد عنده (في نصوص معينه) دائما ماينطلق من نزعة ايمانية وروحانية عميقة.وهذا الرأي اقرب الى الحقيقة  من رأي فوزي كريم حين يؤكد  ان الجذوة الدينية عند هادي العلوي ،هي من الخفاء بحيث لاتلتقطها براعة الحجج ،ولا مهارة البراهين194ص).
لقد كان فوزي كريم موفقاً في تشبيه الستينين العراقيين بالستينيين الروس خصوصاً في تناوله لهادي العلوي كأنسان مأزوم ، يشير نيقولاس برديائيف ان منبع الالحاد الروسي في ستينيات القرن التاسع عشر هي فكرة العدالة الالهية ومسألة تبرير فكرة الألم  والرحمة بالأنسان، واستحالة القبول بفكرة الله مع وجود الشر والالم في الحياة ،وهذا الالحاد غالباً ماينبجس من دفق اخلاقي أي من حب العدالة أو الخير خصوصاً على مستوى الأنتلجسيا المشبعة بفكر شعبوي (منابع الشيوعية الروسية ومعناها- نيقولاس برديائيف – ترجمة ذوقان قرقوط – 37-38 دار الطليعة بيروت 1972 ) وابطال روايات ديستوفيسكي من المفكرين القلقين والمأزومين خير شاهد تأريخي على هذا الرأي .
اشكالية الشيوعية
(فور أنهيار النظام القائم واستحداث وزارة التنظيم المشاعي ،تعهد الوزارة  ومؤسساتها الى أشخاص رحومين موصوفين برقة القلب ونزاهة الضمير بصرف النظر عن أنتماءاتهم السياسية وعقائدهم الدينية) ، بهذا الكلمات يبدأ هادي العلوي مشروعه المشاعي في العراق، شعاره كلمات أبو ذر الغفاري ( عجبت لمن لايجد في بيته مايأكله كيف لايخرج على الناس شاهراً سيفه).
قد يبدو مشروع هادي العلوي المشاعي نكوص وانتكاسة عما تطرحه الماركسية في أدبياتها الكلاسيكية، ففي حين تؤكد الماركسية ان الشيوعية مرحلة سيصل اليها المجتمع نتيجة التطور التاريخي الذي لا علاقة له بالعواطف، يلوذ هادي بالشيوعية كحلم وباصحاب العواطف النبيلة كأدوات لتحقيق هذا الحلم، وبالضد من الماركسية التقليدية التي ترى في الشيوعية بداية التأريخ الحقيقي للأنسانية التي لم تصلها بعد، يرى العلوي ان الشيوعية جُزر فكرية ملتحمة في المؤسسات الأجتماعية خصوصاً في تراث الشرق قبل الغرب وتتوزع عبر التأريخ المنجز للأنسانية من خلال اناس يمكن أن نصفهم انهم شيوعيون بالفطرة قد يكونون أنبياءاً أو متصوفة أو مصلحيين أجتماعيين.
الأعتقاد بالخلود في العالم الاخر الذي تخطاه هادي العلوي الى التفكير بمستقبل يتحقق في عالم على هذه الارض تمثل في مشروعه المشاعي الذي تتلاشى فيه قوة الدولة لصالح قوة الشعب والفقراء والموكل تحقيقه لأصحاب العواطف النبيلة والزهاد وأصحاب الضمائر الحية بصرف النظر عن عقائدهم فليس شرطاً هنا أن تلعب الأيديولوجيا دور الموحد والمحرك وأنما الزهد والطهرانية والأيثار هي التي تحدد ماهية القائمين على اتمام المشروع الشيوعي .
المجال الاخلاقي في مشروع هادي بالاعتماد على اصحاب العواطف والنوايا النبيلة في تحقيقه قد يعبر عن نكوص عن ثوابت الماركسية الكلاسيكية ، أومثالية ،او انتكاسة نتيجة استعصاء الثورة لكن المؤكد ان أصحاب العواطف النبيلة ربما لا ينتجون ثماراً دموية وهم لايمكن أن ينتجوا ثماراً من دم كما فعل قادة من طراز قائد الحروب العبثية في العراق.
من المؤكد ان الزهد والعقائدية التي طغت على شخصية العالم عند هادي العلوي، هما من رسخ عنده قدرة خاصة على تحمل الألم والمعاناة ،ونزعة تطهيرية وسواسية تتطلع الى التسامي كما يرى فوزي كريم لكن المؤكد انها لن تنتج ثمار الدم التي تحدث عنها فوزي كريم كما انها لن تقنع اصحاب العواطف النبيلة المريدين والمحبيين  لهادي العلوي والذين هم من جنسه بتناولها.
موقف فوزي كريم هذا له مايشابهه ويسبقه عند مفكري الغرب، ففي (حكمة الغرب) يقرر برتراند رسل ان النزعة الطهرانية التي يمتاز بها الثوار قد تؤدي في نهاية المطاف الى سحق الأنسان من أجل ترسيخ الأنظمة الشمولية ذات المنحى الأنساني في جذورها والتي هدفها أعلاء القيمة الأنسانية للأنسان بأعتباره أغلى رأس مال، وهذا ما تؤكده بعض الوقائع .
يقول الشاعر الروسي مايكوسوفسكي (أذا كان من حق العامل الروسي أن يطالب بثمان ساعات كحد اعلى لعمل العامل في النظام الراسمالي  فأن من واجبه أن يعمل أربع وعشرين ساعة في اليوم من أجل الثورة) ، صحى مايكوفسكي من سكرته الأيديولوجية  ليجد أن أحلامه قد سحقت فما كان أمامه من حل سوى الأنتحار.
انذاك كانت الثورة في بداياتها تحاول ان ترسخ اقدامها وكان لابد من تضحية حسب القائمين عليها وكان لابد من تضحية المضحين الذي نذرت الثورة جهدها لتحسين اوضاعهم قي جنة واعدة كان عليهم ان يدفعوا الثمن مضاعفاً ليس من اجل انفسهم ولكن من اجل الاجيال القادمة.
المدينة الفاضلة بالنسبة لهادي العلوي ليس شرطاً ان تكون مرتبطة بأيديولوجيا كما ان الايديولوجيا ليست شراً وليست فكرة مغوية على طول الخط، والايديولوجي ليس شيطانا كما قد يقرر فوزي كريم، الايديولوجية تزامنت مع صعود عصر القوميات وهي غربية المنشأ في الأساس وكانت عامل توحيد وبناء دول ومصهر لبناء قيم مشتركة لجماعات شكلت شعوباً موحدة مع أختلاف الأصول (ياليته رأى ماحدث بعد عام 2003 في العراق وأنكار البعض لبعضه حتى من نفس الجماعة الواحدة ) ، كما ان هادي العلوي ليس داعية لبناء نظام شمولي يتبنى ايديولوجيا معينة لترسيخه وأنما هو مبشر نهل من التراث الحقيقي للأنسانية خصوصاً الشرقي منها.
استهجان المثقف
لايخفي هادي عدم ارتياحه من المثقف على العموم حيث يبقى المثقف في نظره موضع ريبة وشك الا اذا اثبت العكس في موقف ما او تصدي لقضية ما، نظرته الأستهجانية للمثقفين ربما نابعة من أعتبارهم طبقة طفيلية لاتنتج شيئاً ذا قيمة حقيقية قياساً الى ماينتجه الشغيل الكادح والتي غالباً ماتعتاش هذه الطبقة على كده بل وربما تآمرت عليه بالتعاون مع السلطة السياسية لذا فأن المثقف من (الأغيار) حسب تعبير هادي حاله حال الحكام والرأسمالية والأستعمارية (الزهاوي نموذج صارخ لهذا المثقف).
وموقف هادي هذا له تداعياته في مجال السياسة حين يكشف عن ان مأساوية وضع اليسار العراقي على مدى عقود من تأريخه كانت بسبب أغراقه بكم هائل من المثقفين أعتمدت عليهم حركة اليسار العراقي مع أهمال واضح لجماهير الشغيلة صاحبة المصلحة الحقيقية في أي تغيير يهدفه اليسار، وهو غالباً مايعقد مقارنة بين الجيل الأول من الشيوعيين الذين لايمتلكون الثقافة بقدر امتلاكهم الأخلاص والأرادة لنشر الفكرة، وبين الأجيال التالية التي هيمن عليها الهم الثقافي ومحاولات التجديد أكثر من هيمنة فكرة العدالة الأجتماعية والسعي لتحقيقها. وفي هذا المجال يرى هادي انه لكي يكون الإنسان شيوعياً يجب أن يكون له قلب شيوعي لا مجرد فكر شيوعي، بل إن الشيوعية لا صلة لها بالفكر بل هي ليست من الثقافة في شيء، بل إن أسوأ غرارات الشيوعيين هم المثقفون.
تنسحب نظرته هذه لتشمل الموقف من رجال الدين غالباً مايميز هادي العلوي بين أغلبية طفيلية تعتاش على جهد الاخرين وكدهم وكدحهم وبين أقلية نخبوية غالباً ماتكون ممتحنة بسبب نظرتها الثاقبة ومواقفها المتقدمة السابقة لعصرها أو حتى لأنحيازها للأنسان والتي غالباً ماتكون مورد اتهام لها .
في مجال الفكر الديني انحاز العلوي للعقلانية التي تمثلت في المعتزلة ورائدها ابراهيم بن سيار النظام وفي المجال الاجتماعي انحاز الى رموز دينية كأبي ذر و (علاقة العلوي بأبي ذر الغفاري قديمة ترجع الى بواكير كتاباته في مجال التراث اذ يرى فيه الرجل الأكثر ثورية من ثلة الصحابة التي التفت حول الأمام علي في الصدر الأول من الأسلام وحتى من الزعيم الأول نفسه) وبعض أقطاب الصوفية وشيوخه مؤمنين وملاحدة من أصحاب القلوب السليمة وأقرب الناس اليهم وأصدقهم هم أصحاب الفداء وعلى رأسهم السيد المسيح (البشري).
الحب العلوي
الحب عند هادي اسلامي المنشأ شرقي التكوين  فهو يستند الى مبدأ الشبيه يجذب الشبيه (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها أئتلف وماتناكر أختلف )، والحب شرقي لأنه علاقة مشاعية لكن غير قائمة على الغريزة والتالف الجسدي وانما على التآلف الروحي، على الضد من المبدأ الغربي للحب القائم على التجاذب بين الأضداد والتالف بين الذكورة والانوثة رغم ان الحب في المبدأين قائم على الأندماج، في الفكر الغربي يقول سارتر (لاحب سوى أفعال الحب) وفي الأسلام يقول ابن عربي (حقيقتي همت بها) وهادي منحاز للأخير.
في الختام لايسعني الا ان استعين بماقاله ميثم الجنابي عن العلوي حين يقرر ان (العلوي كان اقرب الى الروح منه الى الجسد بمعنى انه كان كتلة الهياج الي لايضبطها ضابط ولايحددها شئ غير منطق الحركة الداخلية للروح والمحكوم بدوره بقواعد الوجدان الصادق) الوجدان الصادق الذي هو اساس الحب  وأساس شاعرية هادي العلوي التي (ود فوزي كريم لو يتعامل معه  كشاعر لا كأيديولوجي)، ولكن اليس ثمة مقاربة بين الشاعر والايديولوجي؟.

شاهد أيضاً

الإعلام .. الغثاء .. الغثيان
بقلم: سعيد بوخليط

”إن أزمة الإنسانية الآن، وفي كل زمان هي أنها تتقدم في وسائل قدرتها،أسرع مما تتقدم …

بيانات تتنبأ بـ’كارثة’ قادمة
’سيناريو مرعب’.. الكمامات فقط تستطيع إنقاذ آلاف العراقيين من ’الموت المحتم’!

متابعة خاصة – آلان م نوري منذ بداية حزيران، اعتاد العراقيون على خبر اكتشاف ألف …

محمود سعيد: دهاء الماضين وحيلهم

في مطلع القرن التاسع عشر، أراد حاكم مصر، محمد علي باشا الكبير، فتح أعين المصريين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *