علوان السلمان: الخزين في مضامين مقامة الكيروسين

الكتابة تجربة انسانية تتشكل بتلاحم عناصر فنية وتراكمات زمنية .. كون التجربة الابداعية مشاركة وجدانية للوجود من خلال الذات المبدعة التي تتخذ طرفا من اطرافها طريقا تسلكه ..

والادب الروائي احد هذه الاطراف بوصفه وثيقة تاريخية ترصد من وجه نظر جمالية – تاريخية تغيرات الواقع .. كونها تشكل حوافزا جوهرية في تطور البنية الجمالية .. اذ انها اللقطة المكبرة لاحداث حياتية منحصرة في بيئة ذا مستوى اجتماعي وظروف خاصة تتمثل بالثابت والمتحول والمحلي والمصطنع ..

ورواية ( مقامات الكيروسين) للروائي طه حامد الشبيب الصادرة عن مركز تواصل / 2007 التي امتدت صفحاتها الى المئتي وثمان

taha_alshbeb صفحات من الحجم الكبير تتأرجح مابين الافتراضات والتأكيدات والنتيجة تأكيد التأكيد ووقوع الحدث المرتقب .. بذوبان الافتراضات التي كان الكاتب يفترضها لنفسه وجودا ومتابعا له .. كراو موضوعي وشاهد العصر لما حدث ..

( سافترض اني قابع داخل القاعة معتقل لسبب ما .. القاعة لاتتسع لمنام عشرين شخصا..) ص/5

اذ ان رؤاه الافتراضية والتأكيدية دلالتهما رؤية العالم الفعلي وهما دائرتان دلاليتان اقرب الى الثنائية الضدية ..

فالرواية تبدأ في مستوى الوعي الافتراضي .. احداثها تنطلق من فضاء خارجي وتنمو في فضاء داخلي سجن تكدست في غرفته المظلمة الا من كوة تعانق الحافة العلويةمن الباب اجساد مختلفة الاجناس (رجال – نساء – اطفال – ولادة جديدة ..)

( فكأن شبكة صيد القيت في النهر ثم جذبت ملأى بعشيرة سمك..)ص5

مع غيابات في مستوى اللاوعي تكشف عن وهم اللامعقول اذ الغرفة لاتستوعب العشرين واذا بهم ستة وسبعون ..

( تخيلت نفسي معلقا في السقف فليس ثم وسيلة لاحيط بالمشهد كاملا الا ان ارى من عل .. احصيتهم فكانوا ستتا وسبعين ..) ص/6

ونمو في فكرة مسيرة الاجيال التي تتغير وتتجدد مع زيادة الوعي (كون الواقع الاجتماعي يولد الوعي الاجتماعي) فالشيخ عباس يمثل شرارة الثورة بالرد على كل تجاوز من قبل الشرطة .. والذي سيضيء الطريق للاجيال ويشكل صوته جسرا للعبور .. ويتحقق ذلك بعد وفاته نتيجة قبضة مضمومة من قبل العملاق داخل السجن الذي ضم مختلف الشرائح .. فكان صورة الوطن المحاصر .. حتى ان جسده المسجى ظل يداعب الاذهان ويطالب بالحقوق والتغيير .. والنتيجة طلوع النهار باستمرارية النضال ..

( ظل جسد الشيخ ممدا .. بل مسجى حتى طلوع النهار ..) ص16

فحمامة وليدة السجن تمثل دائرة الميلاد والنمو والوعي .. مقترنة بأحمد .. فهما يشكلان الحياة والوجود والخروج عن الذات وتحمل المسؤولية في البناء والتغيير ..فكانت الرواية محلية من حيث الاوصاف والسمات الدقيقة وانسانية الوقائع .. اذ عالجت ضغط الواقع السياسي على الفرد كون الرواية ذات منحى اجتماعي – سياسي في قالب ساخر يعتمد حس الفارقة ليفرغ انتقاداته ويبلور رؤيته المتفائلة من خلال شخصياته ..

( اما عن الرجال غير الناحرين وغير الحاملين ليافطات الشعر فقد رزقوا من حيث لايحتسبون .. اذ حملوا الشيوخ على ظهورهم وفي ذلك ثواب عظيم لاريب .. سيما وانهم سيتحملون ( ردسات) اولئك الشيوخ ..) ص/29

وقوله في غرفة التحقيق مع الاطفال ..

– يعني اهلك ماضربوا طلقات .. ابوك ..اخوك ..؟

– استاد احنة ناس فقرة .. واني استاد ماعندي ابو .. ابوي ميت من زمان .. اوماعندي اخوان .. عندي بس خوات اثنين اكبر مني ) ص68

انه يكشف عن حجم الاحساس المفرط بحقيقة الواقع المشحون بتناقضاته عبر مشاهد كوميدية ساخرة .فالروائي يسرد مواقفه بلغة مباشرة قريبة من العدسة السينمائية مبتعدا عن تفجير الواقع من خلال وعيه .. بل ان اللغة هي التي تحقق هذا الوعي .. اضافة الى ان الكشف عن الواقع لايأتي من داخل النص لانه خاضع لمنطقية الاحداث المتراكبة مع واقع نفسي تتعذب وسط شباكه وجدرانه الشخصية ..

فالواقع الذي يصوره الروائي يشكل مجموعة من التداخلات والتناقضات مع الاحتفاظ بقدرة على نقد الواقع ومحاولة تجاوزه والتحريض عليه وكشف عيوبه وتشخيصه بصور كاريكاتورية للتخفيف من حدة المأساة .. فهو يراوح بين حركة الواقع التسجيلي ونمذجة شخوصه .. كونه يخفي هذه التسجيلية بترميزاته الحياتية المرتكزة على تصوير دفق الحياة وحيوية الفرد ورغباته .. فبائع الكيروسين رمز لاشتعال الواقع بتركه الصنبور مفتوحا وانسكاب ماتبقى في الخزان فرسم على الارض اغرب علامة للفزع ..

( وجد الرجل ان من المناسب ان يبقى صنبور الخزان مفتوحا ربما لكي يوحي بانه جاد في تلبية الطلبات .. وانه لن يدع زبائنه ينتظرون طويلا .. فهو لايهدر الوقت في غلق الصنبور وفتحه مع كل صفيحة .. وهم على تلك الحال ضج طرف الشارع بزعيق السيارات وجلبة عدد المذعورين .. فرفع الحمار رأسه وبين اسنانه باقة البرسيم واصاخ سمعه .. ويبدو انه فهم ان حدثا جللا قد الم بالمدينة .. عند ذاك وفي لحظة واحدة لاغير قرر ان لاينتظر الاذن من صاحبه وانطلق يجري بالعربة وصنبور الخزان مفتوحا على اخره يرسم على وجه الارض اغرب علامة للفزع عرفتها البشرية..) ص49

وكانت علامة الفزع الموت الجماعي وجريان الدماء راسمة احتجاجها الصامت على وجه الارض .. والاعتقالات العشوائية واحتراق الاخضر واليابس ..

لقد حاول الروائي ان يتابع الحدث من خلال استخدامه المنطقي لاسلوب الاسترجاع وتيار الوعي .. مع تعرية لطبيعة الصراع بابتعاده عن تضبيب الرؤية ومحاولة رسمها بواقعية فنية .. ولغة تميزت بقدرتها على نقل الواقع بلغته وحكاياته وهمومه .. بحيث جعل منه جسرا الى اعتماد الاسلوب الاشاري القصدي لتحميله الفكرة التي يقصدها .. اذ انه يزاوج بين الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه المنطقة للوصول الى التحريض على الوضع القائم بالتقاط اللحظة العيانية بلغة بسيطة تستخدم اسلوب الاشارة الذكية والتصوير السريع ..

( وقعت عيناها فجأة على الورقة المطوية التي برز جزء منها من جيب بنطال احمد .. فاسرعت تستوقف اليد المغطاة بالرغوة تمنعها من التقاط البنطال .. هبط الليل على الدار وآوت المرأتان الى فراشهما مبكرا كعادتهما ..

احمد شنو انت بتنظيم سياسي ..؟

فاجفل احمد ولم يفه بكلمة .. ظل يرمقها لثوان بنظرة مندهشة حسب .. الثواني تلك كانت كافية فيما يبدو ليخمن مصدر معلوماتها.. حمامة رجاء اعطيني الورقة ..

– أي ورقة ؟

– حمامة بروح امك لاتمازحيني .. مصير ناس يتعلق بمصير هذه الورقة ..

– لما الورقة هيك مهمة شلون تنساهه افندي بجيب بنطلونك ؟ ) ص55- ص56

فالنموذج الانساني يبرز كوحدة اساسية في العمل الفني وهو نموذج ينبثق من واقع التشظي والموت الجماعي في مرحلة تاريخية .. فتبرز من خلال الصراعات الرؤية الحية النابضة لشخصية (احمد وحمامة) كشخصيات رافضة للواقع .. وهذا الرفض يتحرك بمستوى الوعي الشخصي ومستوى اللاشعور الجمعي الذي يجسد النضال في اقصى نقطة من الجمالية التصويرية .. فالروائي يختار الشخصية البسيطة المنتمية لواقعها كنموذج قصصي وليس نمطا .. كمخرج من الاسلوب الشعاري .. كما في (احمد) .. وتطرح انموذج المرأة المتميز والذي يفهم الصراع على الرغم من انعدام وعيه للمتناقضات كما في ( حمامة) لاستشراف الامل في لهجة قريبة من الواقع الموضوعي الذي تعيشه الشخصيات .. وبهذا تفتح كوة امل من خلالهما بمواصلة النضال كونهما يمثلان ظاهرة الاستعاضة عن ( الاباء والامهات ) الذين فقدوا حياتهم في السجون .. والكشف عن استمرارية الحدث .. لذا فصراع ( حمامة ) الذي يجري في باطنها الوجداني صراع يقود الى استشراف المستقبل للتعويض عن قتامة الواقع الذي تعيشه الشخصية ..

( احمد عيني احنة بدأنا مشوارنا بالدنية من مكان واحد .. آني انولدت بالسجن وانت انفطمت بنفس السجن .. وظلينا نمشي سوية كل هذي السنين .. مصيرنا واحد .. ليش تريد نفترق ..) ص81

فالرواية ركزت على الهم الاجتماعي كمحرك فاعل ومؤثر في توظيفه داخل بنيتها .. اذ انها تتخذ من الطبقات المسحوقة ونضالها موضوعا وشكلا لها .. فيستحضر الروائي الهم الشعبي واللغة المحكية مع توظيف طبيعة العلاقات والصراع القائم داخل المجتمع .. لذا كانت عدسته تتنقل لترسم لوحاته الافتراضية والتأكيدية .. بالتقاط الواقع الاجتماعي في لغة حوارية تستخدم المنولوج الداخلي للكشف عن دواخل الشخصية في تفاعله مع الخارج بلغة بسيطة بعيدة عن القاموسية .. تتناسب مع الوعي الذي تمتلكه الشخصية .. لذا اعتمد على اشاعة اكبر قدر من المضامين الحياتية في اشكال فننية تتقارب في لغتها وحركتها وهيئتها وقد تمظهر هذا في الحالات النفسية لشخوصه .. واتخاذ اسلوب التصوير الدرامي المعتمد على الاسترجاع ( فلاش باك ) ..

– خالة ام علي اني ماشي .. رايح للقسم الداخلي

– القسم الداخلي شنو ..؟

– خاله هذا مكان ينامون بيه الطلاب .. طلاب المحافظات

قبل ان تتنبه لوجوده كانت تهيء الفسقات .. تقتطع من العجين نهشة وتكورها وتضعها في صينية على كتف التنور نثرت فيها الطحين مسبقا .. لم تمتد بها الى الصينية فقد ذهلت عنها حين فجئت بمرآه يرتدي قميصه وبنطاله وحذاءه ..) ص/59

وهذا يذكرنا باسلوب هنري جيمس الروائي اذ التعاقب المستمر بين الحوار الدرامي والوصف التصويري ..

ان رواية (مقامة الكيروسين) تبحث في ايقاع الحياة وطبيعة ناسها وشوارعها وبيوتها وغرفها .. فالمكان موجود في مخيلة الروائي وليس مجرد احساس به من خلال استخدامه لغة تتأرجح بين التركيز والكشف راسمة نماذجه الانسانية وامكنته ومؤثراتها على الشخصية .. فهو يشحذ المفردات بقوة ويضعها للتعبير عن حالات يستهدفها لغرض ايجاد موازنة بين الحالة والمفردة لغرض اثارتها .. كونه يعي ان اللغة تلعب دورا اساسيا على صعيد الابداع.. اذ انها تساهم في تجسيد الحالة عبر المفردة التي هي وحدة بناء وكشف عن دواخل النفس الانسانية .. لذا فالرواية تنفعل مع الشخصيات وعلاقاتها المتشابكة مع الكشف عن الاحتدامات النفسية للشخصية بلغة تسمو الى الجوهر الانساني .. لذا فالزمن يكمن عنده في وصف الحياة .. اذ ثمة فترات هادئة من الزمن تغوص في اعماقها الحوادث التي يسجلها الروائي في عمله هذا والذي يتجاوز سرد ما يقع في العالم الموضوعي من مواقف واحداث مع ابتعاد عن التقريرية المبتذلة وسردية وصفية شكلت مع الحوار والنسيج الفني بنائية ناضجة .. فعرضت مرحلة تاريخية مشبعة بالاحداث المحملة بالبؤس والشقاء .. باستخدام ضمير المتكلم الذي منح الكاتب وحدة غير قابلة للانفصال عبر فصوله العشرة بمجرد عملية السرد التي هي تصويرية في شكلها درامية في منهجها .. اضافة الى ذلك انه يمنح نصه بعدا شعريا باستخدام الاشارة او اللمحة السريعة .. فهو في بنائه الفني يعتمد التركيز سواء في المشهد الحياتي او في وظيفة اللغة داخل النص مما يوفر الموازنة لانتاج نص يفسر الحالة المطروحة عما يحيطه ..

( حين القى الصياد شبكته الى النهر اغترف سمكا مختلفا نسبه .. ومع هذا فهم يلوذون بهن جميعا .. مالاذوا بالرجال بل بالنساء لاذوا لان المرأة الكائن الوحيد المعني بالوجود .. المرأة تنتج الوجود .. تبقى حانية عليه مسؤولة عنه حتى ليفنى ..)ص19 فهو لايجزأ التجربة الحياتية بل يركز على زواياها وحساسية افعالها من خلال رؤية محددة بمنظور جمالي محاولا الارتقاء بالمشهد مع ابراز خصائص المكان ومؤثراته ..

( حمامة التي تعيش منذ مايقارب الستة عشر عاما في كنف ام علي في دار صغيرة تكاد تتهالك لولا انها تتكيء من جهات ثلاث على دور ثلاث توشك هي الاخرى على التهالك .. وام علي وحمامة ليستا الوحيدتين في هذه الدار فكنف ام علي اتسع ايضا لاحمد وام غائب ..) ص50

فالملامح الفنية التي ارتكز عليها اسلوب الرواية انحصرت في الدلالات الممتدة في الكلمات .. والخيال المنطقي المترابط والصورة الفنية مع بناء العبارة وسبكها .. اضافة الى افعامها بالاحاسيس الصادرة عن عاطفة غير منفصلة عن الموقف الانساني .. فخرجت من حدودها المجردة لتنساب الى دلالات انسانية متنوعة بهدوء وعقلانية في تصوير الاحداث وتسلسلها باتزان حتى ان متغيرات اسلوبه يسيطر عليها انتظام المشاهد بفطنة ويقظة تامة .. وبذا استطاع الشبيب في روايته هذه توصيل افكاره من خلال رؤاه للحياة عبر انماط مختلفة من الشخوص متشبثا بمصائرها المتشابكة مع يقظة محافظة على دينامية عناصر الروي واعتماد لغة متدفقة بواقعيتها لبناء النسيج الروائي ومنحه مديات داخلية وطاقة فنية من خلال انفتاح النص وتوسيع آفاقه الدلالية بصناعة الحدث برؤاه المتفوقة على الواقع وتوجه الشخوص والخطاب بخياله مع انسيابية هادئة ترتكز على الحياة الخاصة المتمثلة بالسجن وعناق ولادة (حمامة) التي بشرت بولادة حياة جديدة وسط عالم متنوع امسك الروائي بكل تشعباته بثقة عالية .. موجها اهتمامه الى المألوف الذي اضفى الثقل النوعي لما يسرده فكان وعاء لخلاصة مرحلة تاريخية ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

تعليق واحد

  1. اخي وصديقي المبدع علوان السلمان
    بهجتان عشتهما الليلة بهجة لقائك وبهجة مقالتك وانت تقدم سياحة ممتعة عبر تخوم رواية الصديق المبدع “طه حامد الشبيب “التي تحمل عنوان “مقامات الكيروسين “فقد كنت وكما عرفتك لاتقف عند ضفة النص بل تتوغل في اكثر مناطقه كثافة وغموضا لتمنحه الضوء والانكشاف وكانك تعيد ابتكاره مرة اخرى .. سعيد بك ايها العزيز وسعيد بمن كتبت عنه اخي الروائي المتالق ” طه ” وشكرا لموقع الناقد العراقي الذي يجمع شتاتنا على مائدة محبته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.