الرئيسية » حوارات » الروائي الكبير برهان الخطيب: نحن في الثالثة*

الروائي الكبير برهان الخطيب: نحن في الثالثة*

borhan 3للروائي برهان الخطيب يصدر من القاهرة قريبا روايته الجديدة (غراميات بائع متجول) رغم العنوان العاطفي المثير يعالج نَصّه الأوضاع المعاصرة المتوترة في روسيا على خلفية حب فتى عربي لفتاة روسية عند منعطف جد خطير لأحداث فردية عامة. ليست المرة الأولى يتصدى كاتبنا الكبير الخطيب لموضوع روسيا الحساس، سبق أن نشر بداية تسعينات القرن الماضي روايته ذائعة الصيت “سقوط سبرطة” أو “حب في موسكو”  بعدها  بداية هذا القرن نشر ملحمته الفريدة “الجنائن المغلقة” كلاهما يستقطب حتى اليوم اهتمام جمهور واسع من القراء، تُعد هاتان الروايتان من أكثر الكتب استعارة من المكتبات السويدية العامة. الإبداع الحقيقي برأي الخطيب لا يعترف بالحدود، من هذا الباب كان هذا اللقاء الجديد معه، أسئلة عديدة يرد عليها بأسلوبه الخاص غير الخالي من طرافة أحيانا عند اشتداد مرارة..

الرزوق: عالمك الروائي نراه جزءا من عالمنا الحقيقي الذي نعيش فيه.. كيف ترى تفاصيله اليوم؟
الخطيب: العطر الزكي يفقد قيمته في زريبة، كالكتاب الشريف الذكي في بيئة مريبة، نشخّص الداء والدواء من زمان وما زال جل الأهل حيران، هل نسكت أو نبقى نبكي الوطن وهو يذبح في عصر امتهان لا هوان الأوطان، كثير يقال في تفاصيل غريبة والعلة الأساس تُخفى ممن يُسمى مايتسمّاش عن الأعين والتماس، أو لا تُمس.. خشية وجع الجيب أو الرأس، العافية مطلوبة لا القافية يا سامع الوسواس الونّاس.. فاهتم بأمرك واترك للراعي الحاكم أمر البهائم والناس.
لكن أمرهم يضيع حتى من أيدي حكامهم، بعد ضياع حكامهم في أحكامهم، ديار العرب كلها غير مستقرة اليوم ولا أمس بحرب غير معلنة، تُخلط معلومات تُغيَّب حقيقة كبرى تُظهَر توافه تسيِّر الأحوال، يطول الضياع والصراع. معلوم.. العرب قالت: الحرب خدعة، أكبر من ذلك أقول: الحرب بدعة. عرب اليوم يَخدعون أنفسهم في الداخل كما يُخدعون من الخارج، يعيشون حروبا ظاهرة وخفية لقتل الأخ بالأخ، حروب تحفزها أسباب عديدة تشمل تضليل معلومات وسوء استثمار ونهب ثروات للوطن من شيوخ وشركات، أسباب تترك فجوة فقر وجهل وكراهية تتجلى اضطرابات وسوء فهم، بعضه منظّم متعمَّد لكسب فردي أناني حرام، تُركب الاضطرابات تُموَّه فكريا إعلاميا من هواة المال مزيفي الحال لتأخذ طابع خلافات من أي نوع إلا الذي يمكن تشخيصه علاجه، ففقدان البعض امتيازاته أحلامه. تُستخدم شتى الحيل والخدع لتكريس واقع متخلف لمنطقتنا، وغيرها، فيه مصلحة لانتهازيين كبار صغار ومحرّكهم الجبار، نعيش خدعة مستدامة منذ تأسيس بلاد العرب التي لم تعد بلادهم حاليا في الأقل بل بلادة مستفيدين فرادى تستحث الصراع بدل تنمية مستدامة، فيها علاج للفقر والأوبئة الاجتماعية وتدهور الحضارة.
الإعلام لاعب كبير في صياغة أنماط التفكير والسلوك، نراه الداعم المروِّج لديمومة المشاكل، وراء ذلك جهل صغار وأطماع كبار، قوى أجنبية تربح من تسويق الأفكار والسلاح، ولتعزيز مواقعها في المنطقة وأبعد، في خراب المنطقة الروحي والمادي كسب لها كما لساسة هنا داخلين في لعبة تنفيذ خطط أجنبية ولو بصيغ مفرطة بالمحلية، كأن تسمع مستشار رئيس ثورة يقول العالم كله مؤامرات والغرب يستعمل فرق تسد فعلى مصر التمترس مع تركيا والسعودية، هكذا في الشطر الأول من نظريته الراعدة يحجز لنفسه واجهة وطنية واعدة، إنما في الشطر الثاني يروج لإستراتيجية الغرب الذي يذمه، إستراتيجية طامحة لهيمنة على العالم من غير مثال أخلاقي إصلاحي معقول، هيمنة بضرب الرأس بالرأس، ما يجعل النظام الرأسمالي الحسن في ذاته سيئا نتيجة ممارساته، أو أن تلك الممارسات حتمية، من طبيعته، تعيد إلى الأذهان الاستنتاج المعروف عن الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية، أو علينا تقديم الثمن للحصول على مستقبل وضاء؟ على أي حال تلك الطريقة للمستشار في الهز أو الرقص الفكري يسار يمين شائعة ذائعة في منطقة تُستباح، اقتصاديا فكريا سياسيا، أولا بسبب الهجمة المتنوعة القوية عليها، ثانيا بسبب تجزئة المنطقة وتشظيها من ساستها لا من شعوبها بدل اليقظة والاستجابة للتحدي بتحد أكبر كما تفعل روسيا اليوم امتدادا لنهضتها بثورة أكتوبر الاشتراكية في 1917 بغض النظر عن أخطاء زعماء ومؤامرات من الداخل والخارج عليها.

kh borhan alkhatib 3الرزوق: ضحايا يصوَّرون كجلادين.. وجلادون يصوَّرون ضحايا برأيك؟ من المذنب في ذلك؟
الخطيب: في منطقتنا يدفع الناس ثمن الالتباس بل الاحتباس الفكري منذ قرن تقريبا وما زالوا يدفعون في كل المنطقة بسبب خيانة معظم المثقفين لهم لدورهم التنويري وانخراطهم في نشاطات ظهور وكسب بائسين.
نعم، للساسة حول الناس وحاضنتهم الإعلام خطابات متنوعة في الظاهر، دينية، يسارية، قومية، غيرها، لكنها في الجوهر كما يفهم من قول المستشار ذاك تتدفق ضمن خط الهيمنة ورقابته غير المحسوسة، الذي يستخدم ثروات العرب بواسطة عملائه نعاجه قالوا لإدامة تدفقها خدمة لإستراتيجيته، لإطاحة المزيد من حظهم وحظ المنطقة في الطين والتراب، جل الشعوب تعرف ذلك، تعليقاتهم الذكية شاهد لم يعد يسمح بظهوره على كثير من مواقع النت، ولا مقالات إصلاح مطلوبة، لو تنشر فعلى ضواحي النت البعيدة بعد تيئيس وتدنيس، للوقوف على نتاج الأفكار ودحض غير الملائم تاليا بطريقة وأخرى، ولأن الشعوب غير منظمة غير موجهة فهي لا تفعل غير الكلام والتعليق، إذا نُظمت وُجهت لتضرب بعضها بعضا، لإدامة الفوضى مع غياب استراتيجيا لهذه المنطقة يضعها عارفون بماضيها حريصون على مستقبلها تمثل مصلحتها، مصلحة كل دولة فيها على حدة، مدافعة عنها اقتصاديا سياسيا عسكريا، بدل استراتيجيا شيوخ شخوخ مدافعة عن جيوبهم لا يحترمون عُقلهم. استرجاع بل انتزاع الاستقلال الوطني سريعا بتفعيل إدراكه أو لا يبقى وطني في أي مكان من وطن هنا، لا يبقى وطن ولا ثروة بل ثرثرة، مَن يظن يمكنه انتزاعه بمفرده يحلم. تضافر جهود اليساري واليميني، القومي والأممي، يحقق ذلك، لا بتخريب الوطن بحثا عن حل ديني أو قومي أو أممي، حل مشكلة يجب أن يكون بيد أهلها حصرا، نشهد سايكس بيكو جديدة في غير صالح المنطقة، الكرد جزء من مشكلة عدم الاستقرار جنوب أوراسيا، استقرار لا يتحقق من أي طرف بمفرده، بل بتعاون الجميع هنا. الإيرانيون والأتراك والعرب إذا انتظموا في كتلة واحدة يمكنهم فرض الاستقرار هنا بحل يمنح الأكراد دولة جوار وعلى غرار أرمينيا وجورجيا وأذربيجان نزولا إلى حدود العراق أو تتسع الأحلام والمشكلة نرى إلى حدود لبنان بل كل البلدان.

kh borhan alkhatib 4الرزوق: قلتَ مرة التأريخ يسكت، الجغرافيا تتكلم، هل من تغيير على هذه المقولة؟
الخطيب: التاريخ يسكت وإلاّ قال العرب والأتراك والإيرانيون للأكراد عودوا إلى جبال القفقاس موطنكم، لا تتخاصموا مع الأقوام هناك لا تخرجوا أنتم أيضا إلى النيل والفرات، ويكون للأكراد رد: إذاً عودوا أنتم أيضا إلى كهوفكم وخيامكم. باختصار المشكلة موجودة لا تحل بعودة إلى الماضي، ولا بتجاهلها، ولا بقوة وحشية. والجغرافيا تتكلم كتبتُ إذ ظهرت بوادر تكتل إقليمي، بتونس زين العابدين، ليبيا القذافي، مصر مبارك، تركيا اردوغان قبيل عنترياته وانقلابها عليه، سوريا بشار الأوضح الأقوى بين العرب، وعراق المالكي الناهض على منحدر خطر، ذلك التكتل بداية ظهور عملاق شرق أوسطي فأوراسي جديدين يغيّران الوضع الدولي برمته، ذلك لا يرضي العمالقة الحاليين، بطريقتهم عملوا مستغلين أخطاء الحكام أعلاه على تفكيك وضرب بوادر ذلك التكتل، صرنا نرى الوضع الحالي تسكت فيه حتى الجغرافيا ليتكلم الإعلام بما يوحى له من العمالقة بأفلام..
أين العرب، الأتراك، الكرد، غيرهم من الصغار في كل هذا؟ على حضيض، ليس لأن الكثرة أغبياء عملاء جبناء منهم غالبية المثقفين ومرقصّيهم السفهاء بل لأن الكل يتصور مستخدما ذكاءه أنه يمكنه الارتفاع بنفسه على انفراد عن الآخرين أو يتحالف مع آخرين من أجل تعزيز مكانته الخاصة، ذلك وهم، ذلك تحالف ينشأ خارج شروط الارتفاع الأخلاقي الحقيقي الممكن المطلوب، كل فرد ودولة في منطقة غير مستقرة لا ولن تعزز استقلالها ولا تتطور اقتصاديا اجتماعيا بمعزل عن الدول المحيطة، ثم الأبعد،  لا العكس. أي بتعاون عبر محيط لاستقواء على جار. تلك حقائق فعالة لكن تفشل في تغيير الواقع لأن مئات البلتيقات السياسات المضادة تحيط بها تخترقها تخرسها بضجيجها وألاعيبها.
يصير معروفا لدى العامة هناك استراتيجيا أجنبية أممية أقول فوق غربية تضع العرب في تكتل سني ضد تكتل شيعي لحرف إيران والعرب والترك والكرد وغيرهم عن حلمهم الخاص في النماء إلى بناء شرق أوسط كوسموبولتي، هليني، بعده يتبع بناء روسيا جديدة، أفريقيا جديدة، صين وكوريا جديدتين، استراتيجيا لها عدة تجليات جبهات ملايين الموظفين، تقابلها استراتيجيا مضادة وطنية لم تنتظم تماما، ساعية للحفاظ على اقتصادها وخصوصيتها كما في البرازيل والهند وروسيا وغيرها. كثرة من المتعلمين لأسباب مختارة أو محتارة يتبنون الاستراتيجيا العولمية أو الأممية يضعون حرصهم على مكاسب شخصية فوق استراتيجيا عامة وطنية ناهضة بذلك يضيعون مصالح بلدانهم وأنفسهم نهاية مطاف، يدعي أولئك الفرسان: بل ننقذ الوطن وأنفسنا بتبني العولمة. الغرب ذاته لا ينجو من ازدواجية مكلفة.
حولنا فينا حرب ثالثة غير معلنة تقود إلى غموض، إلى مسح هوية السكان الأصليين، مجابهة موجودة في كل البلدان تقريبا بصورة وأخرى، ما يخص منطقتنا يخص غيرها أيضا.

kh borhan alkhatib 3الرزوق: ما هو المطلوب برأيك لاستقرار عام في المنطقة؟
الخطيب: المطلوب لاستقرار عام فيها وبعيدا مصالحة بين خطين في داخل المنطقة، خط السيسي والأخوان، المالكي والبعثيين، السعودية والعراق، بشار ومعارضيه، بدأها عزة الدوري بطلب الحوار مع المالكي ورفض المالكي، هكذا قيل، ثم المالكي مع السعودية ورفضت، ذلك على عهدة وسائل إعلام تَظهر أخبارها مقلوبة ليس نادرا، الإرباك والمصابيح الحمر للساسة على ميادينهم المسروقة من الجماهير الحقيقية لإدامة الأزمة والخبر والتسليح، لإبقاء المبادرة في أيدي اللاعبين الكبار حتى على نهج السماح بظهور استراتيجيات وطنية تتحرك ضمن المسموح من الاستراتيجية العولمية وقت تخنقها تدريجيا، ضمنا ثقافتها أشخاصها حتى قد لا نسمع صوتا وطنيا في يوم على طرفي نزاع مفتعل، هذا الطرف يكبح ذاك تنتصر الهيمنة الخارجية بالكامل، يحل حكم رأسمال جديد عابر للقارات نسمع فيه من جديد: يا صعاليك العالم اتحدوا! هذه المرة نكتة سمجة بأغاني راب ربما آخذة بتلابيب شباب.
تلك صورة عامة بكاميرة خاصة، نقترب إلى التفاصيل نرى العجب، قردا ذيله تحت أنفه يظهره شيخا بشنب، يقرض كفرا يظهره قرضاوي دين وأدب، وكذا غيره ممن ومما يهم ولا يهم طلاب طرب في كرب.

مشكلة المنطقة الأساسية، العراق تحديدا، عدم الاستقرار، مستمرة منذ تأسيس النظام الملكي بيد أجنبية أوائل القرن الماضي إلى اليوم، منذ ترتيب الوضع أو البيت السياسي العراقي خطأ، ترتيب مسبق لإبقاء تنافس بل اقتتال بسيرورة انقلابية مدمرة للأطراف الوطنية، سيرورة غير ديمقراطية غير خلاقة غير نافعة كما يجب لحكم ومعارضة في آن، بالتالي للبلد عموما. أي طرف ينكل بطرف آخر وطني يخدم تلقائيا عدو الوطن، يعادي جارا للوطن يسقط في فوضى، ذلك درس من تأريخنا يقرأه نوَّم غالبا تحت مخدر مقطر من أهواء شتى.
على ساحة التاريخ العراقي دائما فريقان متخاصمان، يُبدل لوناهما حسب الزمان والمكان، كلا الفريقين يزعم الدفاع عن مصلحة العراق، في صراع وطني وطني، مع اختلاف اللون والنكهة، حتى ليبدو إما إن الأطراف السياسية العراقية لا تريد أو لا يمكنها أن تتجاوزه، أن تنضج، لقصور ذاتي من ارتباط مسبق بأحكام مسبقة، أو لارتباط من فوق بنوء لا علاقة له بما تطلبه الجذور، الشعب، بمعنى هنالك طرف أجنبي نعم لا يعبأ لاستقرار البلد، يخرج الملكية من اللعب، يخرج القاسمية، يخرج الصدامية، تلك الأنظمة وطنية بقدر ما، سعت لاستقرار وفشلت بل أفشلت ليستمر عدم الاستقرار، الملكية حين تبدأ سياسة الإعمار وتشكل المعارضة جبهة وطنية وتدخل الانتخابات البرلمانية، والقاسمية حين تنهض عاليا بالبلاد وتسند الجزائر وفلسطين، والصدامية حين ترفع البلاد أعلى وتحقق قدرا من التفاهم والاستقرار مع معارضة يسارية، جميعها تسقط بعد حين من الداخل، باللعب على دعم طرف وطني ضد آخر، بقطار أمريكي، بدبابة أمريكية، ومن الخارج عند عجز الداخل، لغرض استمرار التبعية وجني المنافع لمستفيد، اليوم أيضا يسعى الطرف الأجنبي لإخراج المالكية من الحكم، بنفس إستراتيجيته السابقة، بإدامة الصراع الداخلي مع اختلاف الوجوه أشرت حسب المرحلة، بإضعاف الجميع وإبقائهم تحت الحاجة إلى عونه لتحقيق أهدافهم الفئوية وانفعالاتهم الفالتة وأفكارهم المبتسرة وطموحاتهم الشخصية، لكن لو نجحت الانقلابات في المرات السابقة بتحقيق الغرض لتغييب أو تشتيت الوعي الشعبي بتحزب وغيره فهذا الوعي هذه المرة عال في رد فعل عال على هجمات إعلام عليه لتجنيده في حرب طائفية مرفوضة شعبيا.

المحاور الناقد د. صالح الرزوق
المحاور الناقد د. صالح الرزوق

الرزوق: نحن أمام حرب طائفية برأيك؟
الخطيب: مَن لا يكتشف خطورة تأليب القوى الوطنية واحدها على الآخر يغذي منبع المشكلة ولا يدري، سواء كان في السلطة أو المعارضة، يساهم بذلك في تدمير نفسه والوطن. إذاً كيف هو الترتيب الناجح الخلاق للبيت العراقي؟ لأي بيت في المنطقة؟ نعم بالمصارحة، بالشفافية، بقانون انتخابات، بحل الأحزاب وتأسيسها على برامج سياسية واضحة، بتطهير الدولة، بوضع الجيش والشرطة والمخابرات خارج التنافس على منصة استراتيجيا التنمية والتعاون للبلد مع كل المنطقة على طريق التداول السلمي للسلطة، لديمومة التنمية، لحماية الجميع من أنفسهم من أهوائهم ومن غيرهم. لكن انظر معظم مرشحي الانتخابات يتكلم عن خدمات وهفوات ولا يذكر الاستراتيجيات منبع صحة الوطن، كأنها محجوزة للممول.
الطريق إلى بر الأمان موجود لكن هل مَن يلتزم به؟ الالتزام يتحقق في جو منضبط، كما داخل مافيا، فهل كتب على العراقيين تأسيس مافياهم ليضمنوا الحد الأدنى لوجودهم، وإلاّ لا نهاية لهذا الضرب والمضروب المستمر منذ نصف قرن إلى نصف قرن آخر عسى لا نسمع ذلك. بكلمة أخرى يجب خلق تجمع عابر للأحزاب والطوائف، للسلطة والمعارضة، يضم العراقيين المنتمين لضمير وطني صادق يضمن لهم ولغيرهم الولاء للوطن والاستقرار والتنمية، ذلك يقتضي قلت حل التنظيمات الحالية والانخراط في تأسيس التجمع الجديد، هذا يصلح لمصر أيضا، تونس، سوريا، اليمن، لكل الأقطار العربية.
لا تريدون ذلك أو غير مسموح لكم أيها الساسة؟ إذاً يستمر الاقتتال، وأنتم معشر الساسة والمثقفين قبل غيركم المسئول عنه. العراق كله يعاني، لا الأنبار وحدها، لا الفلوجة وحدها، ضرورة الحفاظ على حد أدنى في الأقل من وجودنا السياسي ممثلا بالدولة الوطنية تشتد، على المعارضة سياسية ومسلحة واجب أكبر من السلطة المهدَّدة بأمراض التأسيس قبل وبعد 2003 في الدفاع عنها لا الهجوم عليها، يجب التفاهم مع السلطة لترشيد الحياة السياسية مقابل أن تقوم السلطة بتنظيف نفسها، وإلا لنفترض جدلا تنجح المعارضة في دخول المنطقة الخضراء فهل تدرك ما يعقب ذلك من مناطق حمراء في كل البلاد.. أوربا قالت وداعا للسلاح على أراضيها بعد الحرب الثانية، نحن في الثالثة الآن، السلاح يكون شرعيا حين يستخدم للدفاع فقط عن النفس، لا لتبديل نظام حسب مقتضيات  مودة ومزاج أو إظهار بطولات في عجاج.
التركيز على المشروع الوطني المتضامن مع الجار لتعزيز بناء الدولة والمنطقة ككل يستوعب الميول الدينية والقومية وغيرهما، لا يمكن دحضه من الخارج لشرعيته، بينما تُدحض المشاريع الدينية والقومية تدريجيا حتى وإن في الظاهر يبدو التيار الديني والقومي بتنوعاتهما يلقيان الدعم من غرب لأسباب فيه لا فيهما، لنصرته لا لنصرتهما، في لعبة خدعة تصير مكشوفة، لتصفية موارد التيار الوطني الدينية والقومية واليسارية، لإبقاء مشروع قيام الدولة ونماء المنطقة مرتهنا بإرادة المنتفع خارج الحدود وانتهازي الداخل.
الروس بعد البيريسترويكا نهضوا بقيادة بوتين، لم يتركوا أرضهم تدار من غريب له نوايا هتلرية متعجرفة مصطنعة، ذلك قبيل منتصف التسعينات الماضية يدفعني لقول: بدأت العالمية الثالثة. أحداث أوكرانيا ومنطقتنا تدفعنا اليوم لتساؤل: متى تنتهي؟ أضيف: ليس غير توازن القوى يحقق السلام والاحترام المتبادل. كذلك ذكرت سمعت من تاتشر حكمة تنص: التوازن النووي في أوربا يحقق السلام لها. وقالوا عن الحديدية بعد حين: خرفت. فلا استغرب لو يقال: برهان يخرف أيضا أو هو عميل للروس، لإيران، للبعث، للدعوة، الذي يعرف يفهم يدري لا انحني لغير تراب وطني.

الرزوق: هل من أمل في إنقاذ أو نحن نعيش الخسارة؟
الخطيب: ديار العرب والمنطقة حولها تحتضر.. أشفقوا على أنفسكم عليهما بتغليب التفاهم الخلاق على التنابذ المدمر الأفّاق. الأديان والطوائف متنوعة والطريق إلى الله واحد، الاختلاف قائم لا على قيمه بل على غنائم، إنما لا شيء يستحق جهد ودموع إنسان غير سعي التجلي لله، لمطلق الخير. وأبقى لو التقي اللاعب الرئيس أسأله: يا رجل تضعون أنفسكم فوق الكل والنتيجة العالم يخافكم بل يكرهكم.. أليس الأجدى كسب الاحترام بخدمة الخير العام؟! قد يرد: لكنا نعمل للخير العام! حينه أحكي له هذا: امرأة تطلب من خياطة إعداد بدلة رقص لها، تتأخر الخياطة كثيرا بإتمامها، أخيرا تقدمها في فخر والراقصة تقول في دهشة: ثلاثة أشهر تخيطين بدلة رقص يا ظالمة ورب العالمين خلق العالم كله في ستة أيام! ترد الخياطة بكل فخر وكبرياء: لكن انظري البدلة وما لها من اتساق وإلى هذا العالم وما له من فوضى وانساق!
أعود أسأله: خيّاطة التأريخ تتم أخيرا صياغة مستقبل البشر في أحشائها مترعة الدم هذا الشهر.. بعد شهرين.. تقدمه جميلا.. قبيحا.. لا ندري. أو هي نرى من دوار وخوار.. وشك إجهاض.. وهي لا تدري!

نحن نعيش لا فلم رعب.. بل واقع رعب يذكر بأزمة الكاريبي الستينات.. لا تستغربوا تساؤلاته المرعوبة.
السيد المالكي كبير العراق على حق في اقتراح لمؤتمر دولي يعرّف يكبح الإرهاب، أزمات سوريا، العراق، مصر، فلسطين، تركيا، أوكراينيا، وأبعد، متواشجة، قد تُحل باتفاق دولي ودعم من أهم وزيري خارجية في التأريخ، لسخونة المرحلة الراهنة، هما الحاذقان لافروف وكيري، عسى يحصل كلاهما على نوبل للسلام بعد ذلك، خلاف التهدئة ضرب اقتصاد العالم وتقسيم المقسم ينتظر البشر، من الشرق الأوسط إلى الجزر البريطانية إلى اسبانيا إلى روسيا..
الرغبة الروسية والأوربية في حل أزمة أوكرانيا سلميا بادرة خير، كذلك الرغبة الأمريكية في حل الأزمة المصرية بإشراك الأخوان في الحكم حصيفة، ليت أنها تتسع إلى رغبة في مصالحة حقيقية في العراق وسوريا، كل ذلك يكون خير ممهد وتجسيد للمؤتمر المنشود ولنهاية العالمية الثالثة إلى سلام دائم وأمان. ذلك سيناريو النوايا الحسنة، الواقع يتغير لا بالنوايا الحسنة فقط، رغبات الجشع والهيمنة والعنصرية لها دور كبير في تحديث مسار التأريخ، تدفع لمزيد من توتر واصطدام، لا تسمح بالتعددية سوى تحت سيطرتها، بذريعة أن الآخر ينوي الهيمنة عليّ أنا المتفرد المغرد لذلك يجب منعه، بهيمنة عليه، هكذا يستمر اقتتال، نعود إلى البداية عند توازن القوى متعبين نحدد الأوليات المشتركة، احترام الآخر، الجار أولا، ليسود سلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أجرى الحوار الناقد د. صالح الرزوق
أوائل نيسان 2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *