د. حسين سرمك حسن : جوزف حرب : (10) جلد الذات بسياط الشِعر

hussein 7# جلد الذات بسياط الشعر :
——————————
أعود للقول إن الشاعر يدرك أن ما يصوره كخطايا كبيرة ما هي في الحقيقة إلا أخطاء صغيرة .. فلا يمكن مقارنتها – مثلا – بالمجازر التي يقترفها الطغاة أو بالمجاعات التي تلتهم الآلاف .. ولا بحرائق نيرون .. وكمحاولة في التفسير يحيل مشاعره الجسيمة بالذنب على ” كثرة بياض روحه ” .. فهل يكون شعور صاحب الحس المرهف بالذنب أشد من أولئك الطغاة والجزّارين ؟ .. هذا يذكّرنا بمفارقة المثل العامي : ” ضمير المؤمن صاحي ، وضمير الحقير ميّت ” !! . وقد يندهش المتلقي حين نقول أن أطروحات التحليل النفسي تؤيد ذلك . فـ ( اعتبارا من لحظة نشوء الأنا الأعلى يسقط قلق الإنسان من افتضاح أمره ويمّحي كليا الفرق بين اقتراف الشر وإرادة الشر لأنه لا يمكن لشيء أن يبقى مخفيا عن الأنا الأعلى ولا حتى الأفكار والخواطر . ويبدي الضمير المزيد من الصرامة في سلوكه ويدلل على المزيد من الريبة والتشكك كلما اشتد الميل بصاحبه الى الورع والتقى . والمفارقة تكمن تحديدا في ان أولئك الذين سيدفع بهم ضميرهم إلى قطع أبعد شوط على طريق القداسة هم الذين سيتهمون أنفسهم في خاتمة المطاف بأنهم كبار الخطاة . وبذلك تجد الفضيلة نفسها وقد حرمت من قسم من المكافآت الموعودة بها لأن الأنا الطيع والزاهد لا يتمتع بثقة مرشده . ان الضمير المتشدد والمتيقظ هو بالضبط السمة المميزة للإنسان الأخلاقي ،  فإذا اعتبر القديسون أنفسهم خطاة فانهم لا يفعلون ذلك اعتباطا وبلا سبب إن آخذنا بعين الاعتبار التجارب والاغواءات التي يتعرضون لها على نطاق واسع لتلبية دوافعهم الغريزية . والأنا الأعلى لا شعوري إلى حد كبير ويظل محتفظا بقدرته على الحكم والعقاب إن فعلنا ما يخالفه أو حتى لمجرد تفكيرنا فيه فالنية عند الضمير مثل الفعل سواء بسواء ) (8) :
( يمكن زغيريْ هـ َ الخطايا . وشكلْ إحساسي
فيا أكبر مِنَا . يمكن أنا صاير مريضْ بهالخطايا ،
ومعتقدْ إنّا كبيري كتير قدّ المجزره ،
قدّ
المجاعه ،
ولا أنا نيرون فيكيْ
يا
دنيْ ، ولا
لصّ سنبلةِ القمحْ .
يمكن لأني كتير أبيضْ هـ َ الخطايا
كتير
سودا .
يا
بياضي ، لوْ خِطِيْ مرّه الحمام
غراب أسودْ يا حمام بتنقلب ْ – ص 238 ) .
jozif 13.. هكذا تتوالى صور ” الخطايا ” الموجعة الواحدة بعد الأخرى بلا انقطاع .. تجترها النفس الآثمة مرة تلو المرة حدّ أنهاك الذات .. ولا علاج لها بغير دواء من جنسها .. بالإمساك بجمرة العذاب الأبدي .. بجلد الذات الدؤوب وبعزم :
( بتمرق على راسي صورْ
خلفا صورْ
كِلّا خطايا
وما حدا قِدران يغفرها إليْ إلّا العذابْ
الْ بشعرو جايي منا
هيّي
وعمْ تِمرقْ على راسي الصور – ص 241 ) .
ولأن من عادة جوزف – وهذه من سماته الأسلوبية الراسخة كما قلت سابقا – أن يعود لمعالجة الموضوعة الواحدة أكثر من مرة .. معالجة متفردة وليست تكرارا مجردا .. معالجة من زاوية أخرى تمسك بدلالات وأوجه جديدة مكملة للظاهرة المطروحة .. يُشبعها ” بحثا ” و ” تحليلا ” شعريا .. نجده يعود إلى موضوعة ” الخطايا ” وما يترتب على الإحساس بالذنب من مشاعر مرة ثانية في قصيدة ” صاير عتيق ” :
( صاير ْ
عتيقْ .
وكِنتْ غالي
وصِرت ما في شيْ فيّي
بها لعمرْ
غالي – ص 307 ) .
الخطايا ، الآن ، لا تُوصل إلى تقريع الذات ، وجَلدها كما حصل في النص السابق ؛ جلدها بأضعاف مضاعفة من سياط الجزاء التي لا تستحقها ، ولكن إلى شكل مؤجل من أشكال الموت .. الشعور بالعتق والتقادم وتآكل القيمة والطاقات والحضور حتى أن الشاعر لا يُعدّ من بين معروضات الألبسة البالية :
( صايرْ
عتيقْ ،
لحدودْ إنّي بهالدني ما في ولا
بيّاع بالي بقلب دكّانو
بعلقني
مع
البالي – ص 308 ) .
kh jozif harb 1إنه جسد يتهرّأ فلا تنفع معه أشغال الإبرة .. وروح تجف وتتضاءل فلا تنفع معها أي محاولة للإنعاش . لم يعد الشاعر محافظا على تمركزه النرجسي الطفلي أصلا .. كونه مركز الكون ومحوره بفعل تمركزه على ذاته ” ego centric ” . لقد ولّت الأيام التي كان يشعر فيها بأن الشمس تشرق من أجله .. وأن الأرض تدور في خدمته :
( ما بنرتي .
مْمَزّق ،
ومِهري صِرت .
ما في خيطْ يمكن يشفق عليّي
ولا بتطيقْ
إبري
تقشع
خيالي
صايرْ
عتيقْ
الشمس م َ بتشرقْ لتخدمني ، ولا
هـَ الأرضْ
عم بتدورْ
كرمالي – ص 308 و309 ) .
ومثلما يكون للخوف رائحة .. فإن للشعور بالذنب رائحة أيضا لا تنضح من الجسد فنلغي وجودها من أحاسيس الآثم بالمناقشة النظرية المنطقية .. لكنها تنضح من النفس بصورة تلاحق هذه النفس فتجعلها ” تقرف من حالها ” ، وهذا أخطر ما توصل إليه حالة البحث عن القصاص لخطايا يعتقد الفرد أنه لم يدفع ثمنها حتى الآن .. والأكثر فداحة أنه لن يدفع ثمنها مهما قدّم من تكفيرات ورسوم تعويض :
( صاير
عتيقْ .
وريحتي ريحة خطايا . وكلّ ما إقعدْ
معيْ ، شُ بحِس
إنّي قْرفتْ
من حالي – ص 309 ) .
وكي أُظهر حقيقة الدور الخلاق للشعر في تأسيس صحتنا النفسية وديمومتها ، تنبغي المقارنة بين الشاعر الذي يعالج و ” يحلل ” مشاعره الآثمة شعريا ، والإنسان العادي الذي يتحول لديه مثل هذا الشعور إلى عُصاب . فقد لا يستطيع الفرد العادي التخفف من عقدة الشعور بالذنب ( إلا إذا ورط نفسه – عن غير قصد ظاهر منه – في متاعب ومشاكل وصعوبات مالية أو مهنية أو عائلية أو صحية لا يحصد منها سوى المشقة والعذاب . بل قد يستفز عدوان الغير عليه أو عدوان المجتمع بارتكاب جريمة ، فإذا حل به العقاب ، هدأت نفسه وزال عنه ما يخشاه من توتر مقيم . فكأن هذا الفرد في حاجة مستمرة إلى عقاب نفسه سواء أكان هذا العقاب ماديا أو معنويا :  ماديا بارتكاب جريمة أو إدمان على الخمر أو تهاون في رعاية الصحة ، ومعنويا بارتكاب ما يضر بسمعته أو بالتغافل عن انتهاز الفرص التي تفيده ، أو بالتكاسل والإهمال في عمله ، أو يتقبل الأهانات دون الدفاع عن نفسه ، أو برؤية الأمور على شر ما يمكن أن تكون عليه . والانتحار أقصى حالات عقاب الذات ) (9) . ( وقد لاحظنا أن بعض المرضى العصابين الذين لا يجدي معهم أي جهد علاجي يمكن أن يختفي مرضهم حينما ينخرطون في بؤس زواج تعيس أو يفقدون ثروتهم أو يصابون بمرض عضوي خطير. أي إن شكلا من أشكال المعاناة قد أفسح المجال لشكل آخر وكأن كل ما يهم الفرد هو الاحتفاظ بمستوى معين من المعاناة ) (10) .
هذا ما يُشبع الروح المازوخية التي تبحث عن المكافآت المعذّبة .. عن جزاء عقابي يتناسب مع الذنوب المتكدسة في أعماق الذات .. وقد تخلق هذه الروح المازوخية في الفرد ( إغراء بارتكاب ( أفعال خطيئة ) لا بد عندئذ من التكفير عنها عن طريق اللوم الذي يوجهه إليه ضميره السادي ( كما في كثير من الشخصيات النمطية في الروايات الروسية ) ، أو عن طريق التأديب الذي يصدر عن سلطة القدر الأبوية الكبرى . ولا بد أن يفعل المازوخي لكي يجتذب عقابا من القدر – هذا البديل الأبوي – شيئا غير مستحسن ، أن يتصرف ضد مصالحه الخاصة ، أن يحطم الآمال التي يقدمها له الواقع الحقيقي ، بل يمكن أن يحطم وجوده نفسه في عالم الواقع ) (11) .
وهذا ما يقوم به جوزف حرب لكن عن طريق علاجي عظيم الإبهار .. يجلد ذاته بسياط الشعر .. ويُغرقها في خلقه المضني .. لقد ورّط نفسه في ” عمل ” لا تأتي منه غير الصعوبات والأذى .. وعبر أكثر من خمسين عاما من ” التكفير ” الشعري عن ” خطاياه ” المتصورة ، كان يقوم بنوع من الإنتحار الشعري البطيء .. من تدمير الذات الشعري المنظم .. من أجل أن يخفف عنّا – كمسيح مغدور – عذابات آثامنا التي لا تموت .. وليثبت أيضا حقيقة يحاول الكثير إنكارها وهي التي أعلنها شكسبير على لسان ” هاملت ” عندما قال : ” هكذا يجعل الضمير منا جميعا جبناء ” .

شاهد أيضاً

نايف عبوش: الحنين إلى الماضي في ثقافتنا الشعبية .. متلازمة فرط استذكار أم تواصل عضوي مع جذور النشأة

توصف الثقافة العربية التقليدية بأنها ثقافة طللية من الجاهلية إلى اليوم.ولكن ذلك قد لا يعني …

هاذ الصبر لاش
عبد اللطيف رعري:فرنسا

اييهْ يا حَالي واشْ مصبَّرني .. وهاذ الصبرْ لاشْ؟ علهَاذ الهَّم الهَوَّالْ وَلدْ لهوَّاليةْ.. الحَاسبْ …

شاعر المليون: قصائد تمجد الأخت والأم وعبق المكان
أبو ظبي: عدنان حسين أحمد

تهدف مسابقة “شاعر المليون” إلى صون التراث الشعبي الإماراتي خاصة والخليجي بشكل عام. ويُعدّ الشعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *