ياسين النصير : الشاعر والفنان محمد سعيد الصكار..بحث دائم عن أفق جديد*

yasin alnasir1
قبل ربع قرن أعلن الشاعر الفنان محمد سعيد الصكار مشروعه المستقبلي “ الابجدية العربية المركزة” وقد اثار يومها ضجة في الاوساط العلمية والفنية والطباعية لما تمتلكه هذه التجربة من كسر لقيود الحرف وتطوير له. لذا فالحديث عن الشاعر والفنان محمد سعيد الصكار حديث عن تجربة ممتدة ومتسعة وتزداد سعة كل يوم عندما تمر في ممارسة جديدة  تلك هي العلاقة الجدلية بين حروف الابجدية وحروف الخط. فقد وجد الصكار ضالته الفكرية في أن  تأخذ الابجدية العربية أشكالا مختلفة وكثيرة في الخط وفي الطباعة مما يستوجب تطويرها واختصار الزمن والكلفة في عصر المعلوماتية.

وأول نقطة توقف عندها هي التمييز بين حروف الكتابة وحروف الخط. والملاحظة الاولى أن حروف الكتابة باللغة العربيــــــــــة حروف متصلة بينما هي منفصلة في لغات أخرى وهذه المشكلـــــة ولدت أشكالا للحرف الواحد من الصعب السيطرة عليه طباعيا. وقد ناهزت الحروف في أول عهدها بالطباعة تسعمئة شكل، ثم أجريت عليها تعديلات لاختصارها، وهي اليوم تسعون مفتاحا تشتمل عليها مكائن التنضيد الحالية. فوجد أن الحرف في الكتابة  العربية يأخذ اشكالا عدة تبعا لموقعه في الكلمة.. فحرف الحاء مثلا له شكل عندما يكون في بداية الكلمة يختلف عن شكله عندما يكون في وسطها. وكلاهما مختلف عندما يكون في نهايتها. وهكذا بقية الحروف خلال الطباعة والكتابة. لكن حرف الحاء في الخط ليس كذلك، وقد وجد في تاريخ الخطوط أشكالا للحروف لم تكن مستعملة كتابياً. ليخلص الصكار من ذلك كله إلى إن للكتابة حروفها وللخط حروفه فما تكتب به ليس ما تخط به. وهو أول تمييز في التعامل مع الابجدية العربية عندما يراد تطويرها تقنيا في عصر المعلوماتية. وعليك كي تجعل من مهنتك الفنية مهنة معاصرة هو أن تدخل ميدان المعلوماتية من الابجدية التي mohammad alsakkarتتعامل معها. لذلك فالفكرة الجوهرية لمشروع الصكار في الابجدية لايشمل حروف اللغة العربية، بل حروف كل مهنة تتعامل معها. ومن هنا يبدا المشروع، فمشروع الصكار في الأبجدية هو مشروع طباعي يختصر عدد الحروف العربية الطباعية لكي تتناسب مع أجهزة صف الحروف اليدوية والآلية والألكترونية في اسلوبها القياسي العالمي. وقد توصل إلى اختصار وتكثيف الحروف الطباعية معتمدا على جذورها المشتركة. فوجد أن جذور الأبجدية هو 21 جذرا يشكل تكوين وتشكيل الحروف وهو ما يغطي حاجة المطبعة من الحروف العربية. وتوصل إلى أن الابجدية لم تعد لها حروف أولية أو وسطية أو متطرفة، فهذه الجذور تأخذ أشكال تلك الحروف حسب موقعها من الكلمة. وهذا هو باختصار اساس أبجدية الصكار.
ويمكن إيجاز المزايا التي ستوفرها ابجدية الصكار في النقط التالية:
1 – سهولة التدريب على استعمال ماكنة التنضيد مع اختصار الوقت اللازم لذلك.
2 – سرعة اكبر في تنضيد الحروف.
3 – تخفيض نسبة الخطأ المطبعي.
4 – زيادة ما تستوعبه الصفحة الواحدة.
5 – تحل مشكلة التصنيع الالكتروني للحرف العربي.
2
إلا إن الحديث عن الصكار لا يشمل مشروعه في الابجدية فقط، بل الشعر والرسم والتصميم والاخراج الفني. فهو من جيل الخطاطين المحدثين الذين استثمروا الشعر في الخط حيث الرشاقة والدقة والاختصار ميزات شعرية قبل كل شيء، فالصكار في القصيدة مكثفا للصور مختزلا للمعنى وباحثا عن كلمات مكتفية المعنى. وقد عاش الصكار في البصرة مع ان ولادته في مدينة الخالص، وتزوج في البصرة وسجن فيها أيضا. ولما ضاقت به السبل والمطاردة غادر إلى بغداد ليفتح له مرسما في شارع الجمهورية اسماه “ناب” ومن داخل هذا المكتب الأنيق بدأت رحلة الصكار مع الفن فطلب للعمل في جريدة الثورة مصمما وخطاطا ومن هناك بدأ مشروعه في الابجدية يأخذ شكلا تنفيذياً. لكن الخطاطين ورجال الامن قد وقفوا سوية في محاربة المشروع. فحوصر مرات عدة اضطر  بعدها مغادرة العراق ليعيش في باريس مغتربا. ومن داخل مرسمه الصغير في باريس أطل ثانية على شعاب الوطن العربي رحالا وعاملا وفناناً ليحط ركابه هنا ليرتحل بعد حين إلى هناك. وفي أعوامه الترحال هذه بدأ الشيب والتعب والوحدة. فقرر أصدقاؤه في هولندا وفي مقدمتهم مؤسسة أكد للثقافة والفنون ومؤسسة ثقافة 11 وعدد من الادباء من الدنمارك والسويد ولندن وفرنسا وألمانيا أن يقيموا له حفل تكريم كبير. فكان الحفل فاتحة لمشروع ثقافي تنهض به مؤسسة أكد الثقافية في هولندا لتكريم الادباء والفنانين العراقيين الذين تميزوا ثقافة وأبداعا ومشاريع.
في الشعر كما في الفن متميزو له لغة خاصة وأجواء مفردة يقول في أحدى قصائده:
ألا ليت شعري هل ببغداد نخلةٌ
تجيبُ إذا أعيا المجيبُ ندائيا
فقد غابَ اصحابي واوحشني السرى
وضعضع آمالي اغترابٌ نبا بيا
أُقلبُ طرفي في الجرائدِ علنَّي
أرى ألقاً من فجرِ بغداد آتيا
إنِ اللهُ يُرجعني لبغدادَ أرتمي
على تٌربِها أستافُ فيه شبابيا
لعمري لئن طالتْ بباريسَ غُربتي
وآنستُ فيها كلَّ ما كنتُ هاويا
لأعلمُ أني في العراقِِ مضيعٌ
ومغتبطٌ أنَّ للعراقِ مآليا
alsaggar 7يكتب الصكار الشعر الحديث كما يكتب الشعر العمودي، وميزته في الاثنين أن صوت الذات هو الأعلى. فقد مر بتجارب مريرة حياتيا وعمليا فكان الشعر متنفسا وموقفا. من هنا لم يعد الصكار خاصا بالشعر وحده، بل هو شاعر من شعراء الحداثة عندما ارتبطت القصيدة عنده بموقف تجديدي من الحياة ومن الفكر فجعل الشعر نافذة متسعة على الفن. ومن يقرأ اشعاره يجد أنها لوحات فنية، وأنها كثافة تصميمية، وأنها رؤية تشكيلية. من هنا تأتي القصيدة عنده مستندة على خلفية للفن التشكيلي الذي فيه يجمع بين فنين: فن تشكيل الحرف الجديد، وفن التصميم الذي يأخذ من بنية الإيقاع والصورة مادته العيانية والبصرية. ومن يشاهد لوحاته، يجد فيها تداخلاً بين فنون تصب في بودقة القصيدة اللوحة، أو اللوحة القصيدة.
مسح الفرشاةَ
لم يبقَ من الالوان ما يحملُ همّ الارضِ
أبقى اللوحةَ الخرساءَ تبكي حزنُها الدائمِ
قلْ لي:
من يؤاسي الآن،
فنانٌ بلا لونٍ،
أم الحزنُ الذي حُوصر في صمتِ القماشِ!
قد تبدو القصيدة التي يكتبها منطقة منخفضة في تجربته الفنية. لكنها تمنح الشاعر راحة للبحث عن أفق جديد للوحة وللحرف. ومن يتابع سيرة هذا الفنان الشاعر يجدها غائرة في التراث فهو لايفكر إلا والتراث العربي أمامه، ولايخطو خطوة في مشروعه إلا والتراث مرجعية له ولايفكر بالجديد إلا ويصب هذا الجديد في تطوير القديم. لذا لايعرف الصكار في مشروعه الابجديةَ القفز على التراث أو التجارب الفنية السابقة، ولايخطو في فراغ من دون الاعتماد على  مرجعيات مسندة ومرجعيات ثقة، مقروءة بعين ناقد متمرس في الحروف وفي اللغة. لذلك لايبدو مشروعه منقطعا عن التراث، كما لايصب كليا في التراث. بل يواكب الجديد المتطور يخضع أفكاره للعلم وللتقنيات المعاصرة. واضعا نصب عينيه: أن الهدف من وراء ذلك كله هو تمكين الاجيال الجديدة من استعمال اللغة العربية وأبجديتها وفق ما يتطلبه الموقف المتطور لألية الطباعة والتصميم والخط.
يكتب الصكار إلى جوار الشعر والعمل بالفن التشكيلي والخط، المسرحية القصيرة وله فيها أعمال، فهو لم يكن كاتبا فقط بل كان ممثلا. وشهدت منصات المدارس في البصرة الصكار ممثلا إلى جوار توفيق البصري وغيره. ويكتب القصة القصيرة وله فيها مجموعة، والخاطرة والحواريات وله فيها باع في تحويل المواقف المفارقة إلى شعر. عن أشخاص وحالات ومواقف طرفيه عدة.

* عن جريدة الإتحاد

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : فلسفة الاغتراب في قصص السيرة عند الأديب علي القاسمي | الحلقة الاولى.

تمهيد الدكتور علي القاسمي لغويّ وباحث متمرس وأديب يتعامل مع الكلمة بإحساس مرهف وخيال عميق …

| مهدي شاكر العبيدي : بين أديبين .

من قبيل الغرابة أن يتماثل الاثنان و هما الروائي الروسي تولستوي و صنوه المصري توفيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *