الرئيسية » كتب » قاسم علوان : في مسرحية (ألف رحلة ورحلة) رحلة الفكر في وادي الأساطير (10/الأخيرة)

قاسم علوان : في مسرحية (ألف رحلة ورحلة) رحلة الفكر في وادي الأساطير (10/الأخيرة)

kasem alwan 1إشارة :
رحل الأخ الحبيب الناقد والفنان “قاسم علوان” , رحيلا مبكرا (كان عمره 50 عاما) إثر نوبة قلبية مفاجئة      . لم يتح له القدر الغادر تحقيق أي شيء من أحلامه الواسعة الباذخة .. وطُويت صفحته بقسوة تعاون عليها الواقع الجائر ، ومحبّوه المتعبون . أرسل قاسم كتابه هذا قبل رحيله بأسبوعين .. وطلب عدم نشره في الموقع إلا بعد صدوره . وتطاول الزمن ولم يصدر . لهذا سوف ننشره كحلقات وفاءً لذكراه . ونتمنى على السادة القراء أن يتأملوا أي قدرة نقدية وثقافة موسوعية يتوفر عليها الراحل . ألا يستحق هذا الكتاب النشر والتدريس؟
المقالة :
المسرحية من تأليف فلاح شاكر وإخراج عزيز خيون قدمتها الفرقة القومية عام 1988..
(سيحكي لكم السندباد حكايته الأولى بعد الألف عندما يعود المسافرون..) بهذه الجملة يختتم المؤلف حكاية عرضه المسرحي، وهي على لسان السندباد الثالث عندما يكشف هذا الرحالة المزيف عن اوراقه دفعة واحدة، فإضافة الى انه أعزلا كسيحا مشلول الساقين ـ ترى كيف يسافر سندباد مثل هذا..؟ ـ لكنا قد رايناه في متن العرض يبتز سرد الحكايات تحت التهديد بالقتل من سندباد رحالة آخر أو أكثر من سندباد.. وهذا الأخير كان بدوره قد ابتزها أو سرقها من آخرين… إذن يبدو ان هناك في التاريخ الحقيقي اكثر من سندباد.. كل منهم يسرق حكاياته من الآخرين ثم يقتلهم ليخفي آثار جريمته، وبالنتيجة فرحلات السندباد الشهيرة هي عدّة حكايات لأكثر من سندباد، جمعها أكثر من سندباد أيضا، ليسجلها السندباد الأخير باسمه..!! فتكتمل الحكاية الألف حين يكشف الكاتب لعبة تأليفها في نصه الجريء..
aziz khaionوبالتالي اين يقف الموروث الحضاري المدون والآخر الشعبي الشفاهي في أسئلة هذا النص..؟ هل كان الكاتب يهدف حقا الى الطعن في رواية السندباد المعروفة لدينا لرحلاته السبع من ميناء مدينة البصرة كما جاء في الرواية الشهيرة..؟ في العرض المسرحي الذي شاهدناه أو بحدود النص فقط الذي قدم على مسرح الرشيد حينها، لم يتحدد الكاتب اطلاقا برواية أسفار السندباد المدونة والتي يعرفها الجميع، فهو قد خرج في نصه الجديد الى افق فكري ارحب وأعمق في سرد تلك الحكايات، اوسع بكثير من حدود النص الموروث والمألوف.. فهو قد غرف من منهل (الف ليلة وليلة) ومصادر التراث الشعبي العربية والعالمية الأخرى بمافي ذلك الأساطير الأغريقية وملاحمها المعروفة. لقد اراد المؤلف أن يقدم جهدا فكريا وفلسفيا مفعما بالتأمل الجديد والأسئلة المحرقة.. ولكنه لم يسقط في هوة التنظير والدعاوى السياسية والفكرية أو الصيغ النظرية الجاهزة، بل كانت تلك الأسئلة جدلا يوقظ الوعي ليفتش في جوانب مختلفة من الإدعاءات الباطلة. وكان أيضا يؤكد جدوى تلك الأسئلة عن الكثير من القناعات التاريخية والثقافية الراسخة بما في ذلك المقدسات التي لايرقى أليها الشك في موروثاتنا ومعتقداتنا.. فهناك الكثير من القمم في صروح التراث الحضاري المكتوب منه والشفاهي، بقصصها واساطيرها بحاجة الى اسئلة حارقة تضيء الدرب لكشف جديد في اصولها وجذورها وطرائق بنائها. وهذا بحد ذاته ليس هدما بل تمهيد لبناء صروح جديدة..
فهذا هو السندباد الأول (مثله مجيد حميد) يلتقي في أحدى رحلاته بمجتمع أشبه بالقرود منه بالبشر، فيطمح الى أن يعلمهم معرفته، اللغة مثلا.. أو خلاصة ما امتلكه من ثقافة، فضلا عن السلوك السوي.. فإذا بهم يقلدونه في كل شيء، فتضيق الدائرة عليه بعد أن يجد نفسه ذائبا فيهم وهم ذائبون فيه.. وفي لحظة يأس وإحباط.. فإذا هو مثلهم وليس هناك اي طريقة للخلاص من هذا المأزق ابدا، فلم يجد أمامه من حل غير أن يسمل عينيه في لحظة جزع.. ليسملوا عيونهم مثله..!!
falah shakerهناك أيضا السندباد الثاني مثله ريكاردوس يوسف.. لكن حكايته اشبه بأغنية حزينة عن الحب والابتعاد عن الوطن.. للتعبير من خلالها عن التغني بالعلاقة الرومانسية بين بحار غريب وامرأة انقذها من الغرق مثلتها اقبال نعيم.. لكن هذه العلاقة تنتهي بالأفق الذي تريده الأسطورة لها، وهو ان بحارة السفينة التي يقودها هذا السندباد قد أكلوا من الطعام المسحور الذي يرميه لهم جنس من البشر العمالقة المتوحشون.. فيتحولون الى قطيع أغنام لياكلهم هؤلاء واحدا بعد الآخر.. وهذا تذكير واضح بشخصيات البوليفيم في الأوديسة.. الى ان ياتي الدور على المرأة الحبيبة بعد ان تأكل من ذلك الطعام..
في هذه المعالجة المسرحية جعل الكاتب من نفسه طرفا في جدل فكري محتدم، فكان يضرب امثلة عميقة حول جدوى واهمية الرموز التراثية في الموروث الشعبي بما في ذلك الاسطوري منها ومدى مصداقيته، فهو لم يسر مع الاسطورة في طرقها الخرافية، فقد كان يشاكسها ويطعنها أحيانا في الصميم، فهذا هو السندباد الثالث الذي يفاجئنا بأنه كسيح (مثله رائد محسن) يعتلي أكتاف السندباد الرابع (مثله جواد الشكرجي) ويهدده بالقتل ان لم يبقه على اكتافه ويطع أوامره وينفذ ما يطلبه منه، فمرة يامره بان يرقص واخرى بأن يسقيه الشراب وثالثة بأن يروي له أخبار رحلاته واسفاره وان يحكي له عن المدن التي مرّ بها.. فيضطر الأخير الى الكذب.. فهاهي الصين بجوار البصرة، والقاهرة على مشارف الهند.. لتسجل ذلك كتب الرحلات وتروي عنها غرائب القصص.. وفي هذا الاطار المثير للجدل الذي احتوى النص ربما نجد لحصيلة المؤلف الدراسية في قسم الفلسفة تأثيرا مباشرا في معالجة هذا الموضوع.
لقد أوشك العرض ان يكون أوركسترا متكاملة تعزف لحنا يسمو بين أفق الخيال وجدل الفكر أدته مجموعة من الممثلين الشباب يقودها اخراج عزيز خيون، هذا لولا بعض الهنات التي لاتستحق ان تذكر..
في الصورة النهائية التي رأينا فيها العرض لم نر نقطة انتهى اليها نص المؤلف ليبدأ منها جهد المخرج، بل تحسسنا تماما وكانهما أبتدءا معا من النقطة نفسها وانتهيا معا الى تلك الصدمة التي اختتم بها السندباد الثالث هذا العرض كما شاهدناها في البداية… فلم يبدأ المخرج من حيث انتهى المؤلف كما هي الحال في طبيعة العروض المسرحية التي اعتدنا مشاهدتها، لقد بلور المخرج شكلا اخراجيا ينسجم مع ذلك المضمون المثير للجدل، أو قل مع المنطق الذي كان يتحكم في مفردات ذلك النص، وقد ندر ان نجد مثل هذا الهارموني بين النص والاخراج.. وقد استطاع عزيز خيون ان يبتكر تكويناته الاخراجية وفقا لحركة المضمون تلك في كل مشهد، فمثلا في مشاهد السندباد الأول مع مجموعته من اشباه القرود كانت التكوينات تتميز بتضاد الفرد خارج المجموعة (الكتلة) واستمر هذا التضاد الى ان سملوا عيونهم بعد ان سمل هو عينيه.. فينتهي هذا التضاد بذوبان الفرد داخل المجموعة في نهاية المشهد. بينما في مشاهد السندباد الثاني وفي المشاهد الأولى منها كان السندباد بين بحارته واحدا منهم أي ان الفرد داخل الكتلة ولم يتميز عنها إلا بالتركيز المتنوع مرة بالارتفاع وأخرى بالاتجاه وما الى ذلك من أدوات.. لكنه اصبح خارج الكتلة هو وحبيبته بعد ان أكل البحارة من الطعام المسحور.. واصبحوا قطيع خراف لايعرف غير الثغاء. وعندما انهارت الحبيبة من التعب والجوع وهدها اليأس واكلت من نفس الطعام تنفصل عن حبيبها وتصبح جزءا من الكتلة ويستمر هو خارجها. وفي هذا التشكيل لم نر كتلة أو جوقة إغريقية كما يتبادر الى الذهن مستقرة في مكان واحد تنشد الأناشيد.. بل كانت كتلة في حركة داخلية دائبة في جميع مناطق المسرح ومستوياته. وعندما يعتلي السندباد الثالث على اكتاف السندباد الرابع يحتدم الصراع بينهما ويصبح عموديا بين الأعلى والأسفل ويتهمش تماما دور كل من السندبادين الأول والثاني اللذين كانوا على خشبة المسرح، والتي نجح الممثلون فيها في ان لم يسرقوا ابدا شيئا من التركيز الذي كان من نصيب طرفي الصراع الرئيسيين في ذلك المشهد..
وهكذا مضى هذا الانسجام الى نهايته في ذلك العرض الرائع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *