الرئيسية » حوارات » المبدع الراحل فؤاد شاكر : المهمّشون هم رموز المدينة وهم الخاسرون مثلنا

المبدع الراحل فؤاد شاكر : المهمّشون هم رموز المدينة وهم الخاسرون مثلنا

fuad shaker 3* حاورته : حذام يوسف طاهر

هو في قاع المدينة، متوحداً حد القلق، يضع لنا ومكتشفاً ذات المكان اكثر من مرة، قصصاً وحكايات بغدادية، يبحث في حاراتها العتيقة عن إنسانه الذي يلاحقه التوجس من الخوف القادم من كوة الأحلام المؤجلة، والمعطلة في سردياته المشحونة بالعذاب والألم، ملاحقاً النماذج المقهورة من البشر الغارقين في فوضى الأشياء – شحاذين، مجانين، باعة خردة، أطفال بلا مأوى، حيث بغداد في صورتها القديمة مرتعاً خصباً لتواجدهم في يومياته التي لا يحدها مكان ولا يعنيها الزمان، فؤاد شاكر، الفوتوغرافي، يعلن أنتمائه لهذا العالم دون شك، أو مغامرة، مانحاً انفعالاته من الحقيقة، وهي التي تثبت صلاحية غنائيته وصدقه وعفويته عندما يتعامل بحرارة مع مجمل أعماله الإنسانية،  أنه يعيد لذاكرتنا مشاهداً طواها الزمن، ومسجلاً انطباعاته بروح الشاعر والفنان غلب عليها الانتماء، لا يسع المرء الأ أن ينظر أليها بخشوع، فهي وحدها تندرج واضحة في محراب الحقيقة التي دونها ” كاميرا ” المبدع – فؤاد شاكر – لذا بات علي ان أدون حواري معه كصورة فوتوغرافية لاتبارح مخيلتي .

– أعمالك، بل شخوصك، المهمشين في قاع المدينة، كيف تنظر الى علاقتك مع هؤلاء؟
– لعل هؤلاء الذين تقصدينهم، هم رموز المدينة، وعلامتها الفارقة بصرف النظر الى كونهم مقطوعي الجذور، ولربما  أنهم أبطال المشهد اليومي من الخاسرين مثلنا، أذ ليس بالضرورة ان يكون البطل رابح دائماً، وأنا أجد فيهم التوازن الأخلاقي والأنساني، وكل فرد من تلك الطبقات المسحوقة يخشى ما يسمونه ” حرماً “، وهم في نظري مثال للنبل وغنى النفس ومثال للعفة والزهد بماديات الحياة، والخلاصة، ان النماذج التي تتكرر في أعمالي هي التي تحني ظهورها منذ ساعات الفجر الأولى حتى أخريات الليل من أجل لقمة العيش، والذين ماتت بدواخلهم الأمنيات والأحلام العريضة، بعد ان تجاوزتها فاصلة أعمارهم ولم يعد لهذه الأمنيات من معنى .* أنت قريب من البيئة، هل ثمة تحولات في أعمالك تتناسب وحجم التحولات التي تطرأ عليها ؟
– أنا كفوتوغرافي مجد، بدأت بالطبيعة كجمال ملهب للإحساس، وعندما تنامى وعيي انتبهت للإنسان واشتغلت على أزماته، وسلطت الضوء على علاقته بالمكان، وقد نظرت لمحيطي البيئي على أنه فراديس وجنان معلقة، وقد أظهرته في أعمالي كذلك بوصفه مهدي الأول، وأنتجت الكثير منها بحرارة عالية وذوبان كلي بالمشهد، وفيما بعد اشتغلت على الحرائق وهي تلتهم كل أشيائنا الجميلة، ولعل التحولات الكارثية تأتي بمجانبة التحولات الأخرى، التي تخص تطورات الحياة، ولذلك فأني أعد لمعرض شامل تحت عنوان ” فؤاد شاكر ذاكرة المدينة والنار ” للتذكير بكل ما تآمر عليه الزمن والإنسان، وقد تمنيت في ذلك نماذج ” الهمج ” من البشر الذين استباحوا كل شيء وحولوا الحياة الى خراب ودمار .

* كيف تؤسس ” المتن الحكائي ” في أعمالك ؟
fuad 4– للتبسيط يمكنني أن أقول، أنني اشتغلت ومنذ بداياتي البعيدة على مجمل ضروب الإبداع الفوتوغرافي، مختلف ألوانه، وأعني هنا الطبقات التقنية بما فيها أسرارا الصنعة هذه، وأنتجت الكثير من الأعمال التي تستحق أن تسمى لوحة كرافيكية، لكني ومع اكتسابي لهذه الخبرات المضافة بقيت ميالاً للصورة المنتزعة من صميم المشهد الحي، ولذلك أتبعت أسلوب السرد والواقعي باعتباره يتوافق مع طبيعة العمل الصفي ” ريبورتاج “، علماً أنني لا أخطط للصورة مسبقاً بقدر ما أشتغلها على خلفية الاستحضار المكثف للذات والتفاعل الصميم مع المجريات وهي تفصح عن ثراءها التعبيري ومضمونها الهادف .

* في أعمالك، هناك حضور وأضح للمرأة، فماذا تعني لك ؟
– المرأة مخلوق ملائكي تكمن قوته في سحره ورقته، لربما هي التي كانت وراء تفجير طاقتي الإبداعية وفني .

* الى أي مرحلة تعود علاقتك مع التصوير الفوتوغرافي ؟
– لعلي قد عشت طفولة معذبة، خالية من المسرات، لكني كنت ومن أسرارا وجمال دنياي استمد بهجتي، ولكوني طلعت من البيوت المظلمة الى النور والحياة ما عدت ألتفت الى مادياتها الزائلة، ولطالما اكتفيت بالضوء يدلني على مجاهلها، والهواء البلوري الندي يحيني، ففي طفولتي لم أحضى  بلعبٍ كثيرة فيما عدا الكريات الزجاجية التي كنت العب بها في حينا الشعبي، وهي وحدها كانت تنمي ذائقتي، وتحسسني كما لو كنت أحيا في أبراج من بلور ودنيا لم يرها أحد من قبلي، فالأشياء الصغيرة يمكن أن تعوض المرء عن أشياء كثيرة، ولربما تقوده لاكتشاف عالمه شيئاً فشيئاً حتى يدرك أسراره الخفية، من هنا بدأت مسيرتي في الحياة، ومنذ ذلك الوقت البعيد بقيت أنظر لدنياي نظرة طفل مدهوش يريد أن يلتهم الدنيا برمتها وهو يعانيها بألف عين وعين من أعين خياله وذلك بالطبع ما يذكرني دائماً في أن اللعب بتنوعها وأن توفرت للميسورين فأنها لا يمكن أن تصنع فناناً مبدعاً ما لم يكن هذا موهوباً، خلاقاً وفائر الأحاسيس من أصله، ولعلي كنت كذلك كفوتوغرافي نابغ .

* أقمت الكثير من المعارض، أي المعارض، أخذ حيزاً في الأعلام ؟
– كل معارضي تقريباً، أخذت كفايتها من التغطية الإعلامية، لأنني ببساطة اشتغل على الهم الإنساني، وبالتالي على كل ما علق بالذاكرة الجمعية وآثر بالنفس، والاشتغال على المحلية هو الذي يقود للشهرة العالمية كما أظن .

* هل تشعر رغم تأريخك الطويل في المشهد الفوتوغرافي، بأن المؤسسة لم تسلط الضوء على منجزك الإبداعي ؟
– أنا وفي كل ماقدمته من نتاج وجهد، أنما كنت أسهم في أغناء الحركة الفنية والثقافية ولو على مجمل خساراتي الباهظة بهذا المعنى .

*من زمن وأنت تخطط لإقامة معرض يحاكي الواقع الراهن، متى تتكحل عيون الجمهورية ؟
– لا زلت بصدد التحضير لمعرض قادم ولربما قد أنجزت الكثير منه، وكالعادة على حسابي الخاص، وقد أنفقت على ذلك ما يعادل الثلاثة ملايين دينار لكني ارتأيت أن أطلب الدعم له من الأحزاب والأطراف السياسية التي تؤمن بالمفاهيم الوطنية ودعم الثقافة والفنون .

* عن صحيفة المثقف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *