د. حسين سرمك حسن : نيران العبيدي في رواية “منعطف الصابونچية” : حكاية عراقيّة الوجهِ واليدِ واللسانِ (3/الأخيرة)

hussein sarmak# الثأر بتبضيع الجسد :

————————–

تفتتح الكاتبة القسم الثاني هذا من روايتها بنداء خالد لعشتار الأم ألعاهرة المقدّسة :
(أنا الأول ، وأنا الآخر
أنا البغي ، وأنا القديسة
أنا الزوجة ، وأنا العذراء
أنا الأم ، وأنا الابنة
أنا العاقر ، وكثر هم أبنائي
أنا في عرس كبير ولم أتخذ زوجاً
أنا القابلة ولم أنجب أحداً
وأنا سلوة أتعاب حملي
أنا العروس وأنا العريس)
مع ريمة حكاك التي سوف تصبح اشهر قوّأدة لها دون منازع ، تفقد بدرية أولا بكارتها بعد أن تسكرها ريمة موهمة إياها بأنها سوف تتزوج حبيبها كرجي ، ولكنها تستيقظ بين ذراعي رجل آخر . ولكنها تفتتح مسيرة التحرّر الجنسي الذي كانت – في الحقيقة اللاشعورية الدفينة – تتعطّش إليه لإشباع جوع جسدها الحارق المعطّل من جانب ، وتحقيق ثأرها من السلطة الذكورية العائلية التي دمّرت حياتها من جانب آخر :
(آلاف الأيادي والأصابع تلعب بأحشائي وأستفيق وأنا منتشية متجدّدة وفي قمة السعادة . أضع خلفي تأجيلكم زواجي لحين أن يأتي ابن الحلال .. والآن ابن حرام وحرام آخر يدخل جسدي – ص 93) .
وحسب التعبير الموفق للكاتبة كانت بدرية – وهذا جزء من سيكولوجية الدعارة – تريد كسر “بوطهم” كما عبّرت عن ذلك في مناسبة سابقة (ص 47) . هذا تعبير يتناسب مع مستوى بدرية التعليمي والإجتماعي وبيئتها العائلية خصوصا أن الكاتبة لم تعطنا أي لمحة عن هذه العناصر المهمة في تكوين الشخصية التي بغيابها يصبح من غير المناسب – بل في مجال يشبه القسر والإصطناع – أن تجعل الكاتبةُ بدريةَ تحلم حلم يقظة (فانتازي) مكتنزاً بالمعاني الأسطورية كالبغاء المقدّس في معابد بابل ورمزية أعضاء المرأة التناسلية وقواها الكونية .. ثم ، وهذه هي نتائج درب الإفراط في محاولة تطعيم الوجدان العراقي بالتراث التوراتي ، تسمع الحالمة البسيطة (من يرتّل عليها نشيد الإنشاد !!) (ص 91) (وعلامات الإستفهام منّي) .
لكن انظر إلى الختام الرائع لحلم اليقظة هذا حيث تعود بدرية من سراب الخيال المخدّر إلى أرض واقع المبغى المسنّنة :
(… الزمن عاهر ، وبغداد غانية ، درّة بيد فحّام . وأستفيق من غفلتي على صوت باجي ريمه وبنات الكزلية مرحّبات بي :
عفّاك عفاكِ على الفن العملتينو
أما تعبتو وأنا شقيتو وعلى الحاضر أخذتينو – ص 91) .

وقفة : عدم تناسبات أخرى :
—————————
niran 2تصوّر أن حسيبة خاتون الأمّية تحاول تحليل سبب انتحار ابنها عادل فتقول :
(انتحر . لم يتحمّل الضائقة المالية التي مرّ بها بسبب الأزمة الإقتصادية العالمية !!) (ص 102) .
أمّأ ريمة حكّاك التي تكشف تاريخها السرّي ممثلا بإدمانها العادة السرية ، فإنّه تاريخٌ يأتي بصورة مفاجئة كالعادة ، فهي تتبصص على أمّها وأبيها فتعرف حكاية آدم وحوّاء وسقوطهما من الجنّة (ص 106) .

عودة إلى المبغى :
—————–
وبدخول بدرية عالم هذا المبغى النتن النائي في كلوذا (الباب الشرقي حالياً) حيث السرّاق والحشّاشين والمومسات الرخيصات ، تُشعل الكاتبة انتباهتنا بـ “لغة القحاب” العالية المؤثرة .. لغة خطاب تعيد للغة نفسها فعلها الآسر .. لغة شعريّة تسترد للغة العادية هيبتها المُضاعة بعد الإستعمال المُبتذل الذي نعيشه من الولادة إلى الممات :
(قالت باجي ريمه لا تنسي بعد كل مرّة تغتسلي جيداً وتُدخلي الأبريق في حيائكِ داخل أحشائك . بعدها ضعي شبّ وليمون كي ترجع المنطقة مضغوطة وصغيرة ومنمنمة . الرجال لا يحبون الفتحة مهورة – ص 94) .
ومن الحقائق النفسية هي أن الطفل تجتاحه نشوة عارمة وإحساسا طاغياً بـ “القدرة الكلّية – Onipotence” ، حين يحتاز الكلمات الأولى من اللغة ، فبدلا من الصياح والصراخ والعياط كوسيلة لإحضار الأم وإشباع حاجاته توفر له الكلمة إمكانية “كن فيكون” . لكن مع تقدّمنا في العمر ، تبدأ لذة الإقتدار هذه بالتخافت ثم تضمحل وتنتهي . ولا تستعاد تلك الدهشة الطفلية الباذخة إلّا في الشعر والتجديف والكلمات البذيئة (4) . ولغة المبغى لغة مُلهبة متحرّرة صادمة للأسماع تباغتك بما لم تعتد عليه من صياغات وأوصاف وتراكيب حيّة معبّرة مستخفّة بكل حدّ لغوي . وإذا كانت واحدة من نساء ماركيز ، يرحمه الله ، قد قتلها زوجها في (الحب في زمن الكوليرا) لأن عشيقها رسم على عانتها حمامة بيضاء ونسيت أن تمسحها مأخوذة بدوامات نشوتها الجذلى الخدرة ، فإن ريمه حكاك قد وشمت عانتها – بصورة مقصودة – بوشم إعلاني أزرق يحمل دعوة مباركة بالنسبة لها كما تصف بدرية ذلك وهي تشاهد عريها في حمّام النساء :
(ذهبتُ مع ريمة والبنات إلى حمّام السوق ، وهناك شاهدتُ الوشم الأزرق على منطقة عانتها مكتوب عليها : “تفضلوا يا شباب” .
قلتُ : خالة ، وهل كنتِ واحدة مثلنا ؟
قالت : بعد أن تكبري ماذا يكون مصيرك سوى قوّادة مثلي ؟ – ص 98 و99).
أو هذه “الفلسفة” الزاهدة التي تسطّح الأمور وتستخف بالحاجات تحت مطارق العوز :
(تقول باجي ريمة ألم تسمعوا بجزدان الگحاب يوم مليان ويوم فارغ ؟ لذا عليكم التحمّل لحين مجيء اليوم المليان . كنّا ننقع الخبز مع الخمر الأحمر إذ كانت تقول لنا إنّه شربت زبيب مخمّر – ص 98) .
ومن ظواهر هذا الخطاب المتضادة التي تقطّع القلب ، هي أن العاهرة تتكّل على الآلهة وهي تبدأ يومها ، وتستجدي رزقها بمقايضة جسدها :
(قُتلت نجيّة .. ورجعنا نغسل حجرة البيتونة ونبكي . ربّما هذا مصيري أو مصير الكرديّة . دربْ ومشيناه ولا نعلم آخره . ربّي استرني بحقّ الحبيب محمّد. لا أريد أي من أقاربي يعرف مصيري . بكيت بقوة – ص 99) .
.. المومسات كائنات محطّمة جنى عليها ماركس حين وصفها بـ “البروليتاريا الرثّة” منطلقاً من موقعهن الطفيلي من علاقات الإنتاج وأدواته ، ناسياً أنهّن ضحايا نظام بشري جائر لم نر نسخته العادلة حتى هذا اليوم (روسيا تصدّر الآن 17 ألف مومس سنوياً !!) ، هنّ شاهد الإدانة على قسوتنا ووحشيتنا في كل العصور والأزمان . إنّ هذا الوصف إهانة لضحية يسقطها الفقر والعوز فتقدّم السلعة الأكثر غلاء ونفاسة من “قوّة عمل” البروليتاري الحق : الكرامة الشخصية والشرف .
وفي هذا المبغى الرثّ المتعفّن تحيا بدرية حياة بسيطة مضنوكة لكن ممتعة مفعمة بالإلفة والتوتر الملذ . كنّ يعشن في ظلال الخطر والتهديد بالموت . وهذه نجيّة تُقتل بطعنة خنجر تصفها الكاتبة وصفاً يقشعر له البدن ، واغمض عينيك وحاول أن تتخيّل هذه الصورة المرعبة :
(خنجر مغروز بثدي نجيّة ، وأحشاء الثدي خرجت إلى الخارج ) (ص 99) .
أي دقّة جارحة ومشمئزة وجميلة في هذا الوصف ؟! هذا هو جوهر “التركيب” الجمالي في الإبداع .
وفي طيّات سلوك البغايا المتناقض – وخصوصا في ذكريات ريمة حكاك – تلمس نوعا من الرعاية الأمومية التي يغدقنها على الزبون . وتحليلياً تكون صورة المومس هي الوجه الثاني لعملة الأمومة الطاهرة منغرزاً في وجدان الطفل حسب خيالاته الأوديبية .
وفي هذا المبغى أيضا ترتبط بدرية بعلاقة مثليّة بريمة حكاك . لم تسمح الكاتبة – وكالعادة – لهذه العلاقة بالنمو لتغوص في أعماقها ، حالها حال الكثير من المواقف والعلاقات والأفكار الأخرى في الرواية . أغلب الشخصيات – كما قلت – ظُلمت لأن الكاتبة لم تتح لها فرص التطوّر الحكائي الطبيعي المتّسق مع مسار الأحداث وطبيعة الظروف التي تحيط بها وخصائص الشخصية نفسها . ومن المشكلات الأخرى هي أن هناك شخصيات تظهر ثم لا نعرف عن مصيرها شيئاً مثل شخصية كرجي ، وهي محوريّة ، حيث اختفى بعد تهجّداته الباكية في حضرة الشيخ عبد القادر على الصفحة الخامسة والثمانين ، ولم يرد له أي ذكر بعد ذلك حتى ختام الرواية . ثم أين الخادم مرجان ؟ أين العمّة ؟

مرحلة “الترييف” الأولى :
————————-
kh niranوبين وقت وآخر تطلع علينا الكاتبة بشيء جديد مفاجيء عن شخصية معينة في الرواية . ساهم هذا في إرباكنا كقرّاء . وقد ضاعف هذا الإرباك هذه التحوّلات السريعة في الضمائر الساردة .. فكل صفحتين أو ثلاث هناك صوت سردي (ضمير متكلم) جديد . صحيح أن اللعب على أوتار الضمائر الساردة وتعدّد الأصوات هو من سمات القص الحديث ، إلّا أنه إذا لم يُحسب بصورة دقيقة يشيع الفوضى في أوصال الحكاية .. وهذا ما حصل بدرجة معينة في منعطف الصابونچية . فالآن ، وبعد مقتل نجية ، يظهر صوت “مديحة” التي تخبرنا عن انحطاط وتدهور حال عائلتها بعد انتحار عادل وموت الأب ، حيث صار زوج أختها صبيحة الفلّاح (إبن أبو جواد الشهربلي) هو السلطة المتحكّمة في العائلة بعد أن تخلّى أخوها يونس باشا عن دوره ، ولم يعد يزور العائلة هربا من فضيحة هروب بدرية وانتحار عادل . مسخ هذا الفلاح حتى شخصية “صبيحة” ابنة المدينة .. إبنة حي “الغالبية” التي كانت محل الصفوة المستظلة بظلال هيبة (العصملي) :
(لم تعد صبيحة التي أعرفها . كل قطعة من جسدها مزدانة الآن بوشم أزرق فرضه عليها زوجها .
أضحك بداخلي وأنا أراها تحاول جاهدة أن تضع كلاباً ذهبيا تمسك به أطراف فوطتها الملفوفة حول رأسها بأسلوب البغدادي الغشيم الذي يحاول أن يكون قروياً بالإجبار غصبا عنه ، راجعا للوراء مثل بول البعير ، وأتساءل هل هذا هو ثمن الزواج من رجل لا يعرف حتى أصول المائدة كيف تكون ؟ ) (ص 103) .
وهذه ملامح صارخة لمرحلة (ترييف) عاشها المجتمع العراقي انحطّت فيها القيم المتمدينة ، وتعرّض لها الراحل د. علي الوردي في كتبه : خوارق اللاشعور ، وأسطورة الأدب الرفيع ، ودراسة في طبيعة المجتمع العراقي . ويبدو أن هذه المرحلة الإنحطاطية التي تصفها الكاتبة بدقة الوصف الشعبي : (مثل بول البعير) ، قد استُعيدت شروطها في مرحلة الترييف الثانية في التسعينات حيث كانت غانيات الملاهي يصدحن :
(هله بالباع الحنطة
هله بالجاب الجنطة ..)
لكن الآن فقط تذكّرنا مديحة بابن عمها (مرهون) الذي كان يحب بدرية ويتغزّل بشامة إبطها ، وتقدّم لخطبتها ، لكن أخوها يونس باشا رفضه لأنه ليس من مستواهم ، ولأنه شقاوة أيضاً . تذْكُرهُ لأن مرهون – بعد قليل – سيطلع علينا ، لأول مرة ، وقريبا من نهاية الحكاية ، ليخبرنا أنه هو الذي قتل بدرية . ومرهون هذا (شقي طرف) وخنجره في حزامه كما يُقال ، سيدخل السجن بعد قتل بدرية لمدة ثلاث سنوات يتعلّم خلالها القراءة والكتابة ليتحوّل إلى مناضل ماركسي لينيني يقود التظاهرات ويعقد الإجتماعات السياسية . ومرهون الماركسي سينتقل ليعيش في الطابق الأرضي ، مع مديحة وأمّها اللتين ستعيشان في الطابق العلوي ، وتقتسمان معه (البيت أبو النخلة) حسب وصية العمّة . وفي ظل هذه العلاقة الجديدة تكمل مديحة كلية الحقوق .. وتنمو مشاعرها تجاه مرهون المنشغل باجتماعاته السياسية . قد تكون هذه الحركة رمزيّة عن تحوّلات جديدة في العراق مرموزاً له في بيت العائلة الكبير و(غرفة شناشيله) المريحة التي يفضّلها الجميع . لكن لم توفّر الكاتبة أي شروط لمثل هذا التوقّع .. ولا تُدار الأمور الكبيرة في الرواية بهذه التحوّلات السريعة المكتوبة بنفس قصصي قصير . ومثلما جاء مشهد ولادة الطفل المتعسرة في المبغى على يدي ريمة حكاك متبوعا بمقتل بدرية ، كتعبير عن جدلية الحياة والموت ، مصنوعاً تقريباً بالعمل الذهني المخطّط ، كذلك جاءت دموع مرهون بعد أن وعد المرأة الجارة بالعثور على ابنتها الهاربة “بهيّة” التي ضربها أخوها وكسر أنفها كإشارة إلى مسيرة بغي جديدة ، والتي ذكّره هروبها بهروب بدرية وضياعها ، فألهب مواجع حبّه لها ؛ حبّه الذي لم تخبُ جمرته الحارقة تحت ركام رماد الأيام والسنين الثقيل ؛ فتنفتح أبواب النهاية على التصالح والسكونية برغم الإيحاء بتقلّبات جديدة لنهاية مفتوحة حين تختم مديحة الحكاية وهي ترى دموع مرهون :
(لأوّل مرة أشعر بشيء غريب يمتلكني وأتعاطف مع مرهون ، فارق العمر لا يعنيني ، وأدرك ثمة اشياء كثيرة تجمعنا ؛ سقف واحد وثقافة مشتركة وحب بدرية .
صباح اليوم التالي اشرقت شمس بغداد من الغرب) (ص 121 – وهي الصفحة الأخيرة من الرواية) .
كنتُ أتوقّع شخصيّاً أن تكون النهاية متسقة ومعبرة ومتشابكة ومتظافرة مع الجوهر الرئيسي للنبوءة التي حكمت الرواية .
النهاية في فن الرواية عالم قائم بذاته له شروطه وحساباته . تُرى كم نهاية مؤثّرة تصعّد الحوادث وتبلغ بالرواية ذروتها ، ضيّعتها على نفسها وعلينا نيران العبيدي ؟! وبالرغم من كل ذلك تستحق منّا أن نحييها .
ولا أعرف ما هي علاقة (القدحات) النثرية والشعرية التي ألصقتها الكاتبة بروايتها في النهاية عبر خمس صفحات (من ص 123 إلى ص 127) .. هي عامل آخر جاءت به من دون أن تعلم أن هذه اللمسات الشعرية الجميلة سوف تضعف المناخ النفسي الفاجع لحكايتها الدامية . ألم أقل إن الرواية علم ؟! .

الآن تتضح دلالات “المنعطف” :
——————————
ومع نهاية الرواية تتجلى بدرجة أشد وضوحا دلالات العنوان منه حين يؤخذ كثريا للنص عند عتبته . إن أطروحة أن العنوان هو ثريا النص بالطريقة التي تجعله يضيء زوايا النص ويفتح مغاليقه عند العتبة ، وكأنه مصباح يدوي قوي وكشّاف ، نمسكه بأيدينا ، ونحن ندخل بيت النص ، ونسلطه على الزوايا المعتمة والمظلمة فيه فيضيء ملامحها الدلالية ، هي أطروحة غير دقيقة كما قلت في مناسبات سابقة كثيرة . العنوان لا يكتسب معناه الكامل والفعلي إلّا إذا أكملنا النصّ وعدنا لنضع عنوانه ضمن إطار “الصورة الكلية – الجشطلت” .
لقد ذكرت الكاتبة لفظة المنعطف في أكثر من موضع مثل الإستهلال في الصفحة الأولى من ورايتها (ص 5) ، وفي موضع الإقتباس السابق (ص 81) .. وغيرهما ، بصورة قد توحي للقراءة السريعة بأن المقصود هو الدلالة الجغرافية / المكانية من اللفظة . لكن القراءة التحليلية الذكية العميقة ستبيّن لنا أن معنى المفردة أوسع وأعمق .. إنه منعطف الخراب والتحوّلات الكارثية على مستوى الفرد ممثلا ببدرية وباقي شخوص عائلة البغدادي ، وعلى المستوى الجمعي ممثلا بالبلاد التي خلقها الله وهو يبكي . والأهم هو منعطف حيوات التفاعل الخلّاق بين المستويين .

# تحيّتان  :
————
أولاً: تناول الموضوع الحسّاس :
إنّ تعامل الكاتبة نيران العبيدي مع موضوعة خطيرة وشائكة مثل موضوعة الدعارة في المجتمع العراقي في النصف الأول من القرن العشرين ، واستعادتها في الظرف الراهن بخصائصه الحسّاسة يُعدّ انتصاراً للفن السردي العراقي ، فهو لا يكشف الأستار القامعة عن ظاهرة طبيعية لاشعوريا ومنبوذة شعوريا وتضعها تحت أنظار قاريء السرد التخييلي التاريخي حسب ، بل تقدّمه كنتاج وعلامة على مرحلة تحوّل تاريخي فاصل من ناحية ، وكحلّ للفرد الممتحن نفسيّاً والمحاصر اجتماعياً من ناحية أخرى . لقد رسمت الكاتبة – بروح جسور – صورة مرهفة وتفصيلية لهذا العالم المنفتح المُحطّم للقيود المنافقة ، وكشفت طقوسه ومممارساته ، مع بؤس ظروفه (راجع ص 98 حين تنقع بدرية وصاحبتها الخبز في الخمر الأحمر ليصبح شربت زبيب مخمّر كما تقول ريمة) ، وتمزّقات عوالم نسوته القلقات المذلّات المهانات ، ووجيب قلوبهن الصاعد بيأس يدق أبواب السماء الصامتة (درب مشيناه ولا نعلم آخره . ربّي استرني بحق الحبيب محمّد – ص 99) .
ثانياً : للمحقّق العدلي حين يصبح روائيا :
ثم هناك تحية تقدير مُضافة يجب أن نزجيها للكاتبة نيران العبيدي لأن هذا الموضوع كتبته وهي مختصّة بالعدالة ، فهي خريجة المعهد القضائي العالي ببغداد ، وخريجة كلية القانون والسياسة قسم القانون في جامعة بغداد ، وشغلت مناصب قضائية مختلفة (معاونة قضائية ، محقق عدلي ، وكيلة وزارة عدل .. وغيرها) . شهادتها السردية غير مجروحة أبداً ، تنث مصداقيتها بكرمٍ على هذه الموجودات البائسة وتنتصر لهن إنسانيا بالرغم من أنها قد تدينهن قضائياً . وهذا عطية عظيمة من عطايا الإبداع التي ينعم بها على الوجود البشري ، فهو ينتصر للقلوب .. للروح الإنسانية .. لله .. ويسمو بعدالة الوجدان عالياً فوق قانون الأذهان . القانون لا يحقق العدالة في الكثير من الحالات ، وقد يكون القانون ضدها . ما يحقق العدالة هو القلب ، وهذا محرّم عليه الحضور في قاعات المحاكم ، فكيف إذا أُجلس فى مقعد القاضي .. وقد استدعت المحقّقة العدلية الروائية نيران العبيدي القلب شاهدا ، وجعلته يتربع على منصّة الشهود ، ويُلجم النصوص المتحجرة – قانونية أو دينية – التي نلوكها . ولم تكتف بذلك بل جعلته يُصدر القرارات من خلالنا وهذا أروع ما يمكن أن يحققه كاتب . (لمعرفة عذابات هذا التوزّع أتمنى على السادة القرّاء قراءة مقالة نيران العبيدي : “المادة … من قانون البغاء” المنشورة في موقع “الكاتب العراقي” الإلكتروني .. وهنا سوف يجدون أيضاً – وبوضوح – مثالا على الكيفية التي يكون فيها المحقق العدلي نعمة بد أن صار نقمة على العالمين) .

# وبسبب الرواية ؛ تحيّة للراحل الكبير الشيخ “جلال الحنفي” :
————————————————————–
وموقف الروائية المحقّقة العدلية نيران العبيدي هذا له الفضل ، أيضاً ، في أن يعيدني إلى الوراء لأستعيد لحظة تاريخية ثقافية ومعرفية هائلة مثّلها العلّامة الشجاع ورجل الدين الجسور (جلال الحنفي) حينما أصدر كتيّبه الصغير المهيب (المبغى العام في البصرة) في بداية الخمسينات ، بعد أن أمضى اياماً طويلة في دراسة ظروف هذا المبغى وأجرى اللقاءات التفصيلية بالمومسات لدراسة ظروفهن الإجتماعية والتعرّف على أسباب انحرافهن . نعم دخل رجل الدين العظيم هذا المبغى .
جلال الحنفي (رجل دين أجاز عدم أداء فريضة الحج خلال الحصار الأمريكي الوحشي ، لملأ أفواه الجياع بكلفته ، فهذا أفضل أنواع العبادة .. ومنع الأذان بمكبرات الصوت من جامع الخلفاء قائلاً إن المكبرات تزعج غير المسلمين والأطفال والمرضى والعجز. ليس لها داعٍ فكل الناس يمتلكون ساعات ويعرفون أوقات الصلاة من الراديو والتلفزيون . وهو الوحيد من بين الائمة السنة والشيعة الذي كان يرتاد آنذاك منتدي (الأب انستاس ماري الكرملي) الأدبي والعلمي لأن دخول الكنيسة التي كانت يقام فيها المنتدي حرام لأن المسيحيين حسب رأي بعض رجال الدين ملحدين كفار عملاء الانكليز كان ذلك في العهد الملكي . وفوق ذلك كان أفضل الخبراء في عهده بالمقام العراقي) (5) .
لكن أعظم ما سيسجله له تاريخ الإنسانية العام ، والتاريخ الثقافي العراقي هو قيامه بهذا التصرّف الشجاع والريادي الفريد – زيارة المبغى العام في البصرة – قبل المختصين بعلم الإجتماع والنفس في العراق – وقد يكون في الوطن العربي والعالم – .. فتحية لروحه المؤمنة الجسور .. ووردة تقدير على ثراه الطاهر . وبهؤلاء المبدعين الشجعان الذين يفهمون الدين والقضاء على حقيقتهما الناصعة المنتصرة للإنسان المسحوق ترقى الأمم وتزدهر . والسلام عليكم .

هوامش :
———-
(1) منعطف الصابونچية – نيران العبيدي – رواية – دار ضفاف (الشارقة / بغداد) – الطبعة الأولى – 2014 .
(2) حافة التيه (الجزء الأول من ثلاثية شيكاغو) – محمود سعيد – دار آفاق للنشر والتوزيع –القاهرة – الطبعة الأولى – 2008 .
(3) لمزيد من التفصيل حول هذه العُقدة راجع كتاب سجموند فرويد “الحياة الجنسية” – ترجمة جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – 1982 – الطبعة الأولى .
(4) لمزيد من التفصيل راجع كتاب “أوتو فينيخل” (نظرية التحليل النفسي في العصاب) – ترجمة د. صلاح مخيمر وعبده ميخائيل رزق – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1969 .
(5) شخبطة على الحائط : العلامة الشيخ جلال الحنفي المتحرر – توما شماني (عضو اتحاد المؤرخين العرب) – موقع عينكاوة الإلكتروني .

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: وليد رباح أورويل العرب

أولاً) مثلما هي لدى جورج أورويل في “مزرعة الحيوانات”، تنتمي قصة وليد رباح “فأر في …

شعرية العتبات النصية
قراءة في المجموعة الشعرية (سماوات النص الغائم) للشاعر عمار كشيش
أمجد نجم الزيدي

تمثل المتعاليات النصية والعتبات مداخل اجرائية، يمكن لنا الاستعانة بها في قراءة المدونات الكتابية في …

أحمد الشطري: تقنية الاسترجاع في رواية قصر الثعلب لإبراهيم سبتي

في روايته (قصر الثعلب) الصادرة عن دار الفؤاد للنشر في القاهرة عام 2019، اعتمد القاص …

2 تعليقان

  1. نيران العبيدي

    لقد كان بحث الدكتور حسين سرمك بحث موضوعي وجهد واضح يشكر عليه , اود ان اوضح بأني لم اعمل كقاضية وانما كمحققة عدلية ودرجة القاضي درجة معادلة للماجستير في حين التحقيق دورة في المعهد القضائي لا تساوي درجة الماجستير
    تحياتي للقراء وتقديري العالي للكاتب و الناقد الدكتور حسين سرمك مع خالص الود

  2. شكرا جزيلا للروائية نيران العبيدي على لطفها وتقييمها . وسيتم تصحيح الخطأ الذي ورد في الدراسة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *