د. حسين سرمك حسن : فؤاد قنديل في “دولة العقرب” : البلاغة الرمزيّة العظيمة (6)

hussein sarmak 8# حالة “ما بعد الحبّ” تحوّل حتى النعل إلى شعر وجمال :
————————————————————-
إنّها حالة “ما بعد الحبّ” يسجّل تفاصيلها فؤاد قنديل لنا ولريم بدم ناجي الورداني . هل يمكن أن يحوّل السجن الناس إلى شعراء ؟! من المؤكّد أنّه الحب أو – بتعبير أدقّ – ما بعده . كان “غوته” يقول في الجزء الاول من “فاوست”:
“جئني بمنديل من صدرها
أو بربطة الساق التي ضغطت عليها ركبتها”
وناجي يحوّل حتى الصابون والحجر إلى مصدر للجمال والحرقة والألم المُلذّ :
(المعلومات عنك معدومة . لا يوجد موبايل ولا كومبيوتر. عُدنا عشرات السنين . لا أمل إلا في الكتابة على الحجر والجلد أو الصابون والقماش. فاختاري.. لو طلبتِ أن أكتب لك على صفحات عيوني لكتبت ..) (ص 121) .
الحب ورجفة القلب الجريح قادرة على تحويل كلّ شيء إلى مصدر للجمال مسخّرة اللغة مطيّة لها وليس العكس كما فعل هيدغر وفوكو ومن بعدهما ومعهما البنيويون . جعل هيدغر العقل سجيناً للغة ، ولم يكتف فوكو بذلك فجعل العقل سجيناً للمفردة !! في حين أن اللغة مطيّة اللاشعور المعذّب السجين الطامح للإنعتاق . وحين أقول أن رجفة القلب الجريح قادرة – بالحبّ المُحاصر طبعاً – على تحويل كلّ شيء إلى مصدر للجمال ، فأنا أقصد كلّ شيء .. كلّ شيء .. حتى النعل . تنظر ريم – وهي تستعيد ذكرى حبيبها السجين – إلى نعلهما فتقول : (شبشبي وشبشبه ينامان معا متجاورين يتبادلان أطراف الحديث الهامس الذي لا يسمعه إلّا العشاق . يودّ السِجّاد الذي يتمددان عليه أن يطير بهما إلى بلاد بعيدة ليس فيها غير العصافير والشجر والعطور الفوّاحة ونهر صغير وزورق لحبيبين هما ريم وناجي) (ص 84) .
وكلّ هذا مرتهن بإرادة المبدع وحذاقة أنامله الخالقة ؛ المُبدع المؤلّف الذي لا يموت . حوّل “ستندال” في “الأحمر والأسود” حتى الرأس المقطوع إلى موضوع للجمال والحب والشعر .. وتقطيع القلب حين جعل “ماتيلد” تستعيد جثمان “جوليان” بعد إعدامه بالمقصلة :
“سمع ماتيلد تمشي بسرعة واضطراب في غرفة النوم ، كانت منهمكة بإشعال عدد من الشموع ، وعندما واتت فوكيه القوة كي ينظر إليها ، تبيّن بأنها كانت قد وضعت على منضدة صغيرة من الرخام ، أمامها ، رأس جوليان ، وراحت تقبل جبينه ” (5) .
لقد أصبحت السيّدة شيرويت الطبيب النفسي أو طبيب الأرواح لشخصيات الرواية المعذّبة وخصوصاً عائلة “نبيل” . زينب حين اشتدت محنتها بعد فقد حبيبها ، وفتك السرطان بجسدها واسقط العلاج الكيمياوي شعرها ، وتلبّسها الحزن والإكتئاب ، كانت تأخذ “جلسات” علاجية لدى شيرويت . وقد تكون هذه الجلسات هي التي رصّنت جدران قلعة روحها تجاه القاتل الذي لا يرحم . تبعتها بعد ذلك ريم التي انسحرت بها ، وطلبت منها وضع موسيقى لمسرحيتها . وهذا الإيمان الساحر بالجمال والحبّ هو الذي جعل السيّدة شيرويت تبقى متماسكة مؤمنة بأن الحياة تستحق أن تُعاش ويجب أن تُعاش ، بالرغم من انّها فقدت زوجها وولديها التوأمين في حادث (هل ابتلعتهم بقعة زيت ؟) ، وبالرغم – أيضاً – من أن داء السكّري – وهو سرطان من نوع آخر – أكّل شبكيتي عينيها وأضعف بصرها .
# رمسيس : الفن إبن الدين .. الإبداع ديانة :
———————————————–
fuad kandilثم يأتي – في مضمار الإخلاص للجمال والفنّ وحبّ الحياة – رمسيس المتوحّد بعالمه .. المكتفي بعزلته .. والمقتنع – وهذا عامل حاسم في الفن والجمال – بفرديّته وأنّه لا يشبه ايّ “شيء” آخر . كان رمسيس متعلّقاً بالمكان الأمومي الأصل وثيق الرتباط به عبر حبل وجوده السرّي . غادرت زوجته إلى الولايات المتحدة ، ودعته للحاق بها حيث يتوفر سوق واسع لمنتجات فنّه لكنه رفض ، ونسيته ونسيها بمرور السنين . هو أيضاً من النوع الذي جعله الفن – وهو دين – ينظر دائماً نحو السماء . وهذا فارق جذري بينه ومرسي الذي جاءه متشائماً بعد أن لم يُفلح في السطو على الشقّة :
(-أنا دائما يا رمسيس أشعر أني غير سعيد ..أنا دائما حزين
نفخ رمسيس ذرات الخشب التي تجمعت من كثرة حك المبرد في تمثال كبير لمحارب زنجي ، ثم قال :
-أولا أنت لا تنظر إلى السماء التي تمتد فوق قلبك
-بدأنا في التخاريف
-لا أظنك تذكر الله في ليل أو نهار
أشاح مرسي بوجهه
-ثانيا اغرس في روحك أن الحزن لا يدوم وكذلك السعادة .. لكن عمر السعادة أطول
أشعل مرسي سيجارة وقال :
-كلما زرتك أجد درجة جنونك زائدة عما كانت عليه . يجب أن يكون لديك جهاز لقياس درجة الجنون مثل أجهزة قياس السكر ، والضغط والحرارة . تابع حالتك يا رمسيس واكشف .
-قل لي أنت هل حزنك يبقى مدة أطول من السعادة ؟
-قلت  لك أنا لا أعرف شيئا اسمه السعادة . فما هي يا عبقري عصرك وأوانك ؟
-الحد الأدني للسعادة ألا تكون مهموما ، والدرجة الأعلى قليلا أن تكون راضيا ، أما الأعلى كثيرا فهي أن تحاول تحقيق السعادة للآخرين
-ولماذ أحاول  أن أوفر السعادة للآخرين وأنا محروم منها ؟
-لأنك عندما توفرها لغيرك ستأتيك راغمة حتى لو لم تطلبها.
تنهد مرسي وضرب كفا على كف ثم قال وهو ينظر إلى رمسيس بإشفاق :
-مسكين .
قال رمسيس بهدوء وصفاء :
-لنشكر الرب) (ص 130) .
فارق هائل يرسمه الروائي بين عالمين .. وموقفين من الحياة ؛ موقف يرى السعادة في أن يتخفّف من أحمال الدنيا وينشغل بالمحبة والعطاء الصامت الباذخ ، وآخر يصاب بالحزن لأنه لا يضني ظهره بأثقال المتطلّبات الفائضة الزائلة . هي نفس فكرة مدام شيرويت التي قالتها لريم في أن الفنّان لا يصلح للتجارة ، وأنّ عليه أن لا يُسرف في الطلب لأنّ الفن سوف يتحوّل إلى تجارة والهواية إلى احتراف ، ويذبل الإبداع والإبتكار (ص 154) . الفنّ عطاء ، وفي هذا العطاء يكمن مصدر سعادة للآخرين ، وعلى هذه السعادة تنبني سعادة الفنّان . إنّ الفارق بين رمسيس ومرسي هو كالفارق بين الفرديّة الإنسانية المشعّة ، والقطيعية الحيوانية القاتمة . الروح القطيعية تجعل الإنسان يسحق في دربه كل شيء .. مهما كان .. في حين أنّ الروح الإنسانية الفرديّة هي التي تضمن إنسانية الفرد ، وهذه تتجلى بأعلى مستوياتها في الفنان ، فالفن عمل فردي لا علاقة له أبداً بما يُسمّى “روح الجماعة” ؛ عمل فردي يتجه فيه الفنان نحو السماء .. نحو الله . ولا يربكنّك أنّ رمسيس – كما صاغ سلوكه فؤاد بذكاء – كان يتحدّث عن الله وهو يشرب الويسكي بالرغم من ثقافته الدينية . هذا “التناقض” قد يصيب “الملتحين” بالجنون . إنّ الفن – كما يقول “علي عزت بيجوفتش” – هو إبن الدين ، وفي “جذور الدين والفن هناك وحدة مبدئية .. وقد كانت الدراما وليس اللاهوت ، هي وسيلة التعبير عن الدين الحقيقي والمشاكل الأخلاقية للبشر . وتنعكس الطبيعة المزدوجة للدراما بوضوح في القناع ، الذي يوحي بالدين وبالدراما في الوقت نفسه (…) وفي ضوء وحدة الفن والدين يمكن الإجابة على اللغز المشهور ، ألا وهو لغز نشيد الإنشاد ضمن التوراة (المتداولة) ، وهو نص دنيوي خالص ولكنه يتمتع بقيمة فنية ملحوظة ، فإذا كان الفن والدين منفصلين انفصالا قطعيّاً فلا تفسير للغزّ ، أمّا إذا لم يكونا منفصلين هذا الإنفصال فلا لغز هناك ، ولا عجب إذن أن يوجد نشيد الإنشاد بين القراءات الدينية . لقد كان الأمر لغزاً بالنسبة للذين حاولوا تفسير الكتاب المقدّس تفسيراً عقلانياً ، أمّا المؤمنون به فلم يستشعروا فيه شيئا مستغرباً . إنّ الفن ابن الدين … وإذا أراد الفن أن يبقى حيّا ، فعليه أن يستقي دائما من المصدر الذي جاء منه) (6) .

# العقرب والبلاغة الرمزية العظيمة :
————————————–
kh fuad kandil 4يصل التوظيف الرمزي المُتقن الذي يعبّر عن مهارة الكاتب واقتداره وقصديّته العالية في نهاية الرواية ، حيث يكلل الفهم العميق لرمز “العقرب” هامة النص فيوسّع دلالاته ، وينير معانيه . لقد اختار فؤاد قنديل رمز العقرب بوعي حاد ليكون أولاً عنوان حكايته : “دولة العقرب” . هذا العنوان لا يمكن أن يأخذ مدياته الكاملة والمؤثرة في ذهن القارىء إذا لم يضع في حسابه الموروث الأسطوري والخرافي والحكائي الجمعي الذي يختزنه في أعماق ذاكرته ووجدانه . فالعقرب كائن شديد السمّية .. مميت .. يشتغل عادة ليلا .. ويبحث عن فرائسه في أعماق الظلمات .. يرتع في الخرائب .. والحفر .. مختبئاً في الجحور والشقوق .. ولكن ما يهمني هنا بدرجة أكبر وأشد حساسية من ناحية التأويل تناول معاني ودلالات مفردة “عقرب” في اللغة العربية بما يؤكّد عبقريتها المهدورة من قبل ابنائها تحت ذرائع الحداثة . فبالإضافة إلى المعنى الشائع للعقرب كدويبة من العتكبيّات ، سامّة وتلسع ، وما يرتبط بها من صفات الغدر والمخاتلة المميتة ، فإن من المعاني الأخرى لهذه المفردة ما يُجمل الكثير من المضامين النفسية والاجتماعية والفكرية ، وحتى السياسية التي أثارها الروائي عبر الإحالة المباشرة إلى المفردة : دولة العقرب ، سجن العقرب ، والعقرب الذي يلدغ زينب في حلمها(ص 62) .. أو من خلال خلق “الإستعداد” للتأويل الرمزي في ذهن القارىء عبر التهيئة النفسية الأوّليّة التي يحفزها العنوان عن سمات دولة يحكمها سلوك العقرب ، ويستولي على مقاليدها أشخاص يتحلّون بخصائصه .. بسلوكهم السمّي المميت .. تآمرهم وغدرهم ومخاتلتهم الطفيلية .. وأسلوبهم الذي يلقي البشر في مهاوي الظلمات .. ظلمات توقعهم في حلقة مفرغة متحسّبين من مزيد من فعل العقارب وتكاثرها الخانق المخيف .. تُصبح الحياة عبئاً وعبثاً مليئة بالقلق والمخاوف ومصدراً للهموم . وفي اللغة العقرب من الشتاء : صولتهُ وشدّة برده ، دبّت عقاربه : ظهر شرّه ، دبّت بينهم عقارب الشقاق : اخنلفوا وتفرّق شملهم ، نزلتْ به العقارب : المصائب ، الشدائد ، كثرت العقارب بينهم : النمائم والوشايات ، عيش ذو عقارب : فيه شرٌّ وخشونة . أليست هذه المعاني متضمّنة كلّها في وقائع هذه الرواية خصوصا ما عبّر عنه سلوك مرسي وكريمة وحلفاؤهما من العقارب ؟ ألم يكن فعل شباب الثورة ممثلاً بريم وناجي وحلفاؤهما السيّدة شيرويت وزينب ونبيل وغيرهم محاولة للتصدي للمخاطر السمّية المدمّرة لعقارب الدولة والمجتمع التي دمّرت حياتهم ؟
ثم تأتي البلاغة الرمزية العظيمة في الختام – كما قلنا – لتجمع كل هذه المعاني والإيحاءات المباشرة وغير المباشرة في حزمة مشهديّة حركيّة واحدة . لقد عثر ناجي على ريم وهي فاقدة الوعي بعد أن اختُطفت بفعل مؤامرة قذرة بتكليف من أبيها الذي انفلتت غرائزه للحصول على الشقة التي اختلفا على ملكيّتها ، وكان مستميتا في الحصول عليها ليقنع بها كريمة أم زوجته المقبلة : دلال . لكن ريم هربت من آسرَيها المتوحشَين بعد مواجهة عنيفة ، وألقت بنفسها من أعلى البناية التي حُبست في إحدى شققها (من الدور الثالث) إلى الأرض فتهشم جسمها ، وفقدت الوعي ، وألقاها الخاطفان في طريق مهجور ، وراحت في غيبوبة طويلة .. شهور وشهور ، وهي راقدة في مشفى حكومي بلا إجراءات جراحية ناجعة وحازمة لأنها بلا هويّة ولا أحد يعرفها .. وفوق ذلك – وهذه هي الرسالة الأهم – ماتزال الدولة فاسدة لم تؤثّر في بنيتها الثورة الجامحة .. مشافيها عاجزة وإجراءاتها روتينية ولم يبادر أحدٌ منها لإنقاذ الفتاة الرمز . قدّمت الممرضة والطبيب أسوأ الأعذار . ولا تتوفر الأجهزة والقدرات الحديثة إلا في المشافي الخاصة ، وهذه تقيس خدماتها الصحّية الإنقاذية بالفلوس . نجح ناجي في نقلها إلى مشفى متطوّر لإجراء العملية . في عجلة الإسعاف يتصاعد الفعل الرمزي من ناحية ، والمكاشفة الجارحة عن الخيبة “الثوريّة” من ناحية ثانية مكملة . فقد استولى “الملتحون” من إخوان المسلمين وغيرهم من حركات أصولية – وكما حصل فعلاً على أرض الواقع في مصر – على الثورة . قطفوا ثمارها المعجونة بدم الشباب والشابات الرائعين في غفلة من “فقدان الوعي” المفاجيء والتواطؤ الفاسد المتوارث بالجينات – حتى في الوعي – كما كان ناجي يقول لريم مراراً . هؤلاء الذين يتبرّكون بالبول في القرن الحادي والعشرين ، حاول المؤلّف تقديم لمحة ذكيّة عن الخلطة العجيبة الغريبة التي يريدون جمعها كتمثيل لمحنتهم المدوّخة في الجمع بين الحداثة والنهوض عبر قشورهما ، والتجمّد الأصولي الذي يصل مستويات خرافية تجهض أي مشروع تحديثي من باطنه ، وتشوّهه وتمسخه . عبّر فؤاد عن هذا بالحوار الذي دار بين ناجي وسراج الدين الذي كان معه في السجن . حدّثه الأخير بقناعة مطلقة لا تتزعزع عن أن الحكم سيكون قريبا لله من دون أيّ اعتبار لإرادة ناجي الواقف أمامه والتيار الذي يمثّله . إنّهم – الأصوليون – لا يرون أحداً أمامهم لأنهم “مبعوثون” من الله تسندهم الملائكة . ثم حدّثه عن العلاج الجديد الذي سوف يقلب وجه الحياة والعالم .. علاج السرطان من “سمّ العقارب” .. وبأفكار ومبادرة من الأمريكان – علماؤهم طبعاً – ولهذا قام “المنقذون” بإنشاء مزارع هائلة للعقارب بتمويل من مصادر ألحّ ناجي على سراج الدين ليكشفها من دون جدوى :
(-الحكم قريبا بالكامل سيكون لله
ابتسمت:
–    هل سيرسل إلينا ملائكة من جديد ؟
–    موجودون
خامرني شعور أن الرجل مخدوعٌ بشكل ما :
–    سراج أعدك أن نتحدث
قال بتوسل :
–    أقسم لي ألا تبحْ لأحد حتى نتقابل..أنتَ تحت عين الله ، وسوف  يرعاك
–    شكرا لك وللملائكة
–    – ثمة شيء آخر.. ألم نتحدث طويلا في السجن الملعون عن المرض الملعون ؟
–    أى مرض ؟
–    السرطان .. لقد أسسنا مركزا طبيا عالميا وعلى وشك إنتاج دواء حاسم سيقضى عليه نهائيا
–    – رائع.. هل يعتمد الباحثون على أعشاب طبيعية أو مواد كيميائية ؟
–    بل كائنات طبيعية ..اكتشف بعض العلماء الأمريكان  العلاج في سم العقرب ، واحتاج الأمر إنشاء مزارع للعقارب وقطعت جماعتنا شوطا كبيرا فى هذا الاتجاه
–     ومن الممول ؟
–    نحن
–    من أنتم ؟
–    إما أنك تنسي أو أنك غير مهتم
ابتسمت وقلت :
-الإثنان يا سراج
قال بحزم :
–    أقسم إذن ألا تبح بشيء
قلت وأنا أضحك بداخلي :
–    أقسم بالله العظيم ألا أبوح بأية كلمة قالها لي سراج الدين
أسرعتُ أودعه قبل أن أغوص معه في بحيراته العميقة التي يبدو ماؤها ذا ألوان متعددة ويتقلب سطحها بشدة كأنها تغلي) (ص 191 و192) .
هناك حماسة منسعرة لانتزاع الحكم لله .. وطلب التسليم بما هو “مُقدّر”  بإلحاح قد يصل حدّ المحاصرة الخانقة والتخويف والإرعاب ، يكمل هذا الموقف – الذي هو نفسي أصلاً – إيمان قاطع وساحق باقتراب المعجزة ، بل سهولة حصولها مادامت تأتي من السماء . وكان الشكل التطبيقي الهجين منذراً بالشرور عبر التوليفة العجيبة المتمثلة بالترياق الذي سوف يقضي على المرض الملعون الذي فتك بالبلاد كلّها رمزيّاً ، وأصاب زينب/ الأم/ القضيّة في عقلها فشلّ إرادتها وعطّل إمكانات وجودها ، ثم قضى عليها نهائياً ، لتترك “الإرث” كقضيّة أخرى لم تُحلّ بين أطراف “بيتها” .. وطنها الصغير ، فيشتعل الصراع والأطماع التي تودي إلى إصابة ريم / الإبنة / القضية / الوريث في “عقلها” أيضاً لتفقد الوعي ، ويضيع الشاهد الأول والأخير على “عائديّة” الشقّة أو الوطن الصغير الذي صادره مُرسي الأب الفاسق في لحظات غياب “الوعي” .. وعي الشاهد والإرادة ، وانشغال البشر بالزلزال الهائل الذي قلب حياتهم . إنّ جماعة سراج الدين يريدون تحقيق المعجزة بالقضاء على المرض الملعون بسمّ العقرب وقد بحثوا هذا الموضوع في سجن “العقرب” . أخذوا الوصفة والفكرة التي ستفجّر المعجزة وملأوا أرض الوطن بمزارع العقارب ، مغيّبين بسحر “المعجزة” المُقبلة ولا يفكّرون أبداً بأي مضاعفات لمشروع يكثّر العقارب طمعاً في سمّها ، وفكرة تسقّطوها من أمّة الشيطان : أمريكا . لكن المرض الملعون الآن بالنسبة لناجي لم يعد سرطان الأم زينب ، بل في “عقل” ريم .. في غياب “وعيها” المفاجىء والمتطاول وهي تحاول أنقاذ نفسها من سطوة الأب الوحشية المميتة ، سلطة الأب التي حطّم مستقبل أمّها من قبل بعد ضياع حبيبها العبثي في حادث بقعة الزيت الرعناء . الأم ولولوت ولطمت واشتكت ثم استسلمت ، أمّا ريم فهي من جيل ذي إرادة حديدية .. قرّرت الخلاص من سطوة الأب ، بل قتله ، برغم أن ضيمها منه أقسى من ضيم أمّها بسبب فعلة الإغتصاب .. صرخت وهي في الشقة/ الزنزانة تطلب العون بلا رجاء . وحين لم يمدّ لها أحدُ يد العون ، تصدّت لمسؤولية إنقاذ نفسها بنفسها ، وتحقيق خلاصها الذاتي بإرادتها المسنّنة ؛ خلاص انتحاري حتى لو كلّفها حياتها ! وقد كادت المحاولة ، التي تبدو للمراقب المحايد مجنونة ، تكلّفها حياتها فعلاً . وها هي ، منذ شهور ممدّدة على السرير الأبيض في أحد المشافي .. فاقدة الوعي .. في حالة موت سريري .. تتنفس عبر الآلات ، وقلبها ينبض بضعف ، ولكن لا تسمع ولا ترى ولا تستجيب لأي مؤثّر خارجي . وخطوة خطوة ، يوسّع فؤاد المعنى الرمزي الجديد والمضاف لحضور ريم في وقائع الحكاية . تثور التساؤلات حول المريضة المسجّاة :
(تهجم الأسئلة مع كل زائر ، وتتجدّد كل يوم بين المرضي وبين الممرضات والأطباء وإدارة المستشفي .. من هي .؟ . ما اسمها ؟ .. أين أهلها ؟ . لماذا لا يزورها أحد؟ . لماذا أُلقيت على هذا النحو ونسيها الجميع ؟ . إنها لابد فرع من شجرة حتى لو شجرة صبار أو حنظل  ، ولابد أن أمّا أنجبتها من زوج هو أبوها شرعي أو غير شرعي ..لماذا الإهمال الغريب الذي لم نسمع به من قبل ولا حتى  أيام الحروب والزلازل والمجاعات والأوبئة ، ولمَ تتأخرعن المعاونة هيئات الهلال الأحمر والصليب الأحمر ولا وكالات الإغاثة الدولية بشتى أطيافها ؟) (ص 202) .
إنّها ليست ريم الإنسانة الحلم الذي تعاونت على تمزيقه مخالب الظروف الجائرة والآباء الغادرين الجشعين وجرّدها المرض الملعون من الأمومة المناصرة حسب . إنها – الآن – وبعد محاولة الخلاص الإنتحاريّة أوسع من حضور فردي وأكبر من رمز شخصي . لعنات ناجي وصراخه ودموعه ، وهو يعثر عليها ويقف عند سريرها الآن ، تكشف المعاني المُضمرة الأثرى والأوسع :
(-هيَ .. هيَ .. روح روحي
سقط ناجي عند أقدامها باكيا حتى أوشك أن يفقد الوعي .. تنبّه لنفسه .. مضي يلعن الجميع الذين يعرف بعضهم ولا يعرف الآخرين ، لكنهم كثر .. كلهم شاركوا في عذابها وتشرّدها ومعاناتها . كلهم سحلوها ومصوا دماءها ونهبوها وهرسوا شبابها .. كلهم جرفوا موهبتها وابتكارها وأحلامها :
-السفلة .. الكلاب ..
عاد يبكي وهو على الأرض .. يبكي ويلطم كالنسوة الثكالي . ويعاتب  الجميع ويؤنبهم :
–    حرام عليكم . ماذا فعلت لكم ؟ .. حرام والله حرام .. لم تسألوا أنفسكم .. ماذا جنت ؟ .. هل بخلت ؟.. هل تنكرت ؟.. هل اشتكت ؟ .. أنا غبت عنها سنتين وأنا على ثقة أنها ملاك . لا تصدر عنها العيبة ولا يبدر منها أي تقصير وليست سبابة ولا لعانة ولا شكاءة .. صبورة ومحترمة . حرام عليكم والله حرام ) (ص 203 و204) .
إن ريم الآن “قضية” ، و “قضية كبرى” يجب أن تتظافر جهود “الشباب” عشّاقها لإنقاذها . رُفَضت كل العروض التي جاءت من مصريين وعرب تعرض علاج ريم في الخارج . علاج ريم المصريّة يتم في مصر ، وعلى أرض مصر ، وبعناية عشاقها من شباب مصر . لله درّك يا فؤاد قنديل . وها هو ناجي ممثلاً لإرادة الإنقاذ يتفق مع الإطباء على نقل ريم إلى مشفى مصري متطوّر لإجراء العملية التي تنقذها وتعيد إليها وعيها . وهنا ، وعبر مشهد من أروع المشاهد التي صمّمتها عين سينمائية واعية وحاذقة – وفؤاد مثقف سينما واشتغل طويلا في مضمارها – ؛ مشهد تختلط فيه المؤثرات المرعبة التي تنفث سموم اليأس باختلاجات الرجاء وارتعاشات الأمل . انطلقت سيّارة الإسعاف التي تحمل “ريم” القضيّة وحبيبها وطبيبها نحو مكان العلاج والشفاء المرتجى ، لكنّ (الجنود المُلتحين) الذين احتطفوا الثورة في غياب وعي ريم وانشغال ناجي في البحث عنها ، وجّهوا السيّارة نحو نفق سارت فيه لتبدأ نُذر الرعب وهجمة العقارب التي كثّرها الملتحون بواسطة مشروعهم الهجين المخيف ؛ جيوش من العقارب السود السامة التي لا ينفع معها حتى الدهس بعجلات السيارات . ولكن .. وسط هجمات العقارب المميتة .. وظلمة النفق ومشاعر الضياع واليأس تتحرّك اصابع ريم .. وتنفتح عيناها . وهذه هي مصر العصيّة على الموت .. وهذه هي – كما أظن – رسالة فؤاد قنديل الكبرى التي يرسلها من حكاية ظلمات وزلزال انهيارات “دولة العقرب” :
(مضت السيارة تشق طريقها بصعوبة بين جنبات قافة هائلة من السيارات المكدّسة .. لحظات وانفتح أمام السيارات نفق . وجّه الجنود  الملتحون السيارات نحوه . بحث الجميع عن منفذ لمبارحة المناطق المزدحمة . انسابت السيارات إلى داخل النفق المضاء بأنوار صفراء . تقدمت كافة المركبات في يسر داخل عمق النفق الذي تناقصت أضواؤه تدريجيا حتى أصبح مظلما وطويلا جدا دون أن تبدو له نهاية أو تطلّ على مجراه نقطة ضوء وحيدة . السيارات تمضي على هدى أضوائها  .. الهواء يقل في النفق . البعض يقرأ القرآن ويتمنون الخلاص . عاتب الطبيب سائق سيارة الإسعاف لأنه اتخذ هذا النفق .
قال الطبيب مقطب الجبين :
–    هذا نفق مظلم ومهجور
قال السائق :
–    إنه تحت الإنشاء وأوشك على الانتهاء
ضحك الطبيب بمرارة ثم تحول إلى الأجهزة التي كانت تشير إلى أن المريضة تعاني من متاعب . تسحب أنفاسها بصعوبة . النبض يخفت .. يفحص الطبيب أنبوب الأوكسجين . يدلك ناجي يد ريم ويخبط برقة على خديها . يتوجه إلى الله بعيون دامعة أن يحفظها وينعم عليها بالشفاء . يداه ترتعشان مع ازدياد لهفته وقلقه عليها  . يدلك أصابع قدميها . تحدثه نفسه :
–    ماذا أنت قائل لها إذا سألتك عما جرى للثورة ؟
–    سأسألها بالتالي وهل قامت في مصر ثورة ؟
أسرع السائق يغلق زجاج السيارة فقد لمح عقربا كبيرا يتجول فوق الزجاج الأمامي ، ثم ظهر عقرب آخر ، حاول السائق أن يدفعه بالمساحات . لم يفلح. ظهرت عقارب أخرى كثيرة أكبر حجما .. ركبت العقارب سيارة الإسعاف وغطت كل الزجاج ..أنوار السيارة تكشف لراكبيها صفوفا طويلة من العقارب التي لا تتأثر بدهس السيارات التي يتزايد عددها كلما مر الوقت.. الطبيب ما تزال عيناه على الأجهزة وقد لاحظ تحسنا طفيفا .. أشار لناجي وفسر له الحالة .. مضي يدلّك يد ريم إلى أن لمحوا جميعا عينيها لأول مرة تنفتح ببطء وتتأمل في شرود ما حولها .
ابتسم ناجي ابتسامة شاحبة وعاد قلبه إلى الحياة التي كان قد غاب عنها طويلا) (ص 205 ، الصفحة الأخيرة من الرواية) .
تحية للمبدع “فؤاد قنديل”

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عواطف نعيم.. سرديات مسرح الاحتجاج!

* كلما توغلت في اعماق المسرودات التجسيدية ، في المسرح هم وجودها الاول، والتلفزيون، والاذاعة، …

روايات مترجمة: (7) النفق ( من الأدب الأرجنتيني ) أرنستو ساباتو
ترجمة: مروان ابراهيم صديق
قراءة: ناطق خلوصي

يستهل الروائي الأرجنتيني ” أرنستو ساباتو ” روايته الأولى ” النفق ” بقوله “يكفي أن …

ثالوث الإبداع في قصيدة “أثاث حديقتي النائية” للشاعر العراقي علاء حمد
رباح النوري – العراق

لا أعرف لماذا ذكرني هذا النص بلوحة التكوين. ثالوث الإبداع في النص فتح آفاقا غير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *