ماجد مطرود : قصة القبر

majid matrod 3في الّليل ,في الظّلمة ,في الصّمت ,في السّكون ,في القبر تحديداً كنتُ وحدي أقرأ كتاباً
( مهزلة العقل البشري للدكتور علي الوردي)
لم أكُ مستمتعاً بما يكفي , كنتُ قلقا , شارداً, مرتبكاً , حائراً ومتسائلاً ..
كيف لي في هذا الظلام الحالك جداً , في هذا الصمت المخيف, أن أرى حروفَ المهزلة
بارقةً , لامعةً  وواضحةً كأنها مكتوبة بالفسفور والنور, أو كأنَّ الوردي يجلس بين يديّ
يقرأ لي ما في عقله من بقايا المهزلة .. شعرتُ أو سمعتُ دقَّاتٍ قويةً على بابيَ!!
الدقاتُ كانت عنيفةً الى حدٍّ شعرتُ بأهتزاز الأرض من فوقي ومن تحتي
لم ينتظر الدقّاقُ رداً أو سماحاً ومن ثقبٍ صغيرٍ مدَّ بوزهُ الذي يشبه المنقار , ثم أدخل رأسه كله
رأسُ طائرٍ عجيب من نحاسٍ وكبريت منقارهُ طويلٌ, لسانه أيضاً خُيّلَ لي أنّه يمتدُّ من خليج بنما حتى خليج العرب , شَهقَ شهقةً هائلةً , أرعبَني
وراح يمتصُّ كلَّ ما في احشاء القبر , كل شيء في القبر يخطفُ سريعا متجهاً الى جوفه
حتّى أنّي شعرتُ مستسلماً ومنجذباً اليه ومن شدّة خوفي ولكي أحررَ يديّ من امتصاصه العجيب
تركتُ علي الورديّ كله كما تركت المهزلة بكل قوتها ذاهبة ومنصاعة الى تلك الشهقة العظيمة
داخلةً في ذلك الجوف العميق .. غابت المهزلةُ في لحظةٍ وغابَ منطقها كما غابت البشرية وعقلها
حتى علي الوردي برأسه وقلبه , بلسانه  ولغته , بصوته وصداه تسامى مثل خيط دخان وغاب.
في لحظةٍ شعرت بالضيق , شعرتُ أنفاسي تقطّعت وقلبي توقف واستكان ,
جسدي أشتدَّ لهيبهُ كأنَّهُ, حريق أزليٌّ لا ينطفيء أوكأنَّ دمي صار نهرأ من رمادٍ أو غبارٍ أو هشيم
في اللحظة عينها نفثَ عليَّ ذلك الكائن العجيب ماءاً بارداً مثل شلال سحر نقيَ أطفأ نار جسدي
برّدَ مساماتي , دفّأ زوارق دمي وحرّكَ أمواجَ قلبي , تحركت مفاصلي وأوصالي بأتجاهاتٍ متعددةٍ
ثمَّ تفتّحت عيناي , كأنها كانت في غيبوبة عائمة ..
نظرتُ الى جلدي , لمسته تحسستُ كلَّ ما فيه , لم أرَ شيئاً غريبا غير أنّي شممتُ رائحة فريدةً من خليطٍ
متنوعٍ ومتجانس الخواص رائحة الحريق ورائحة الفحّم وطعم الغدر ولون الخيانات وحس الانكسارات
ورنين الآهات ومن تحت هذا كلّه سمعتُ كلماتٍ من ذهبٍ وقصدير تخرجُ من ذلك المنقارالعجيب
تجسّدت تلك الكلمات كتاباً معنوناً بمهزلة العقل وعاد الوردي جالساً بين يدي مبتسماً كأنّ شيئاً لم يك

شاهد أيضاً

خَربَشاتٌ لُغَويَةٌ : تُجَّارُ واو الثَّمانِيَة
بِقلمِ: عَلي الجَنَابيّ

سَأَلَني وَلَدي مَسأَلَةً هيَ في مِثلِ عُمُرِهِ مَسألَةٌ رَائِعَةٌ , مَاتَعوَّدتُ مِنهُ أنَّ عُنُقَهُ لِمِثلِها …

الحرية ثمنها كبير
خلود الحسناوي- بغداد

حررني من قيدك َ.. فأنا عصفور طال حبسه بين يديك .. لم أعرف منك حبا …

أبعد من كورونا: ماذا عن الموت الشفاف؟
بقلم: سعيد بوخليط

”مجاورة الموت، وسيف ديمقليس المسلط فوق رؤوسنا، يجعلنا نعيش حياة أخرى،ثمينة للغاية، وأكثر حساسية” جوليا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *