ناطق خلوصي : أثر الكتاب الأول في تجربة الكاتب ؛ “أصداء الزمن” انموذجا ً

nateq  2كان كتاب ” أصداء الزمن ” ، وهو أول كتاب للقاص الرائد عبد المجيد لطفي ، قد صدر في طبعته الأولى عن ” مطبعة الأمة ” في بغداد في العام 1938 وجاء في أكثر من مئتي صفحة من القطع الصغير ،وبذلك فإن أكثر من خمس وسبعين سنة مرت على صدور تلك الطبعة وهو ما يبرر لي ، على ما أعتقد ، تناولي له الآن . والكتاب  يجمع بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا ً والشعر العمودي والشعر المنثور  والخاطرة وأدب الرسائل ، في تشكيلة كانت مؤشرا ً على تنوّع اهتمامات مؤلفه  اللاحقة وهو تنّوع  ظل يلازمه طوال حياته الأدبية ، مشفوعا ً بغزارة الإنتاج .
وفي العام 2005 تبلورت لدى الكاتب الكبير محي الدين زنكنة ، فكرة إعادة إصدار الكتاب في طبعة ثانية ضمن سلسلة ” عَلم وأثر ” التي كانت تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة وتعنى بإعادة إصدار طبعات جديدة من كتب لها قيمتها الفكرية أو الأدبية او التاريخية كانت قد صدرت في أوقات سابفة منها ما صدر قبل عشرات السنين ، فكلّفني زنكنة ، وكان رئيسا ً لتحرير السلسلة ، بالاشراف على عملية إصدار الطبعة الجديدة من الكتاب بحكم صلتي العائلية بالقاص الرائد ، وكنت أعمل آنذاك سكرتيرا ً لتحرير مجلة ”  الثقافة الأجنبية ” التي تصدر عن دار الشؤون الثقافية مما يسّر لي  القيام بتلك المهمة .
كان عليّ أولا ً أن أحصل على نسخة من الكتاب إذ لم تكن تتوفر لديّ نسخة منه . ولم يكن يسيرا ً آنذاك الحصول على نسخة من كتاب كان  قد صدر قبل ما يقرب من سبعين سنة لاسيما انني لم أجد نسخة منه حتى لدى أي من أولاده . وكنت على وشك أن أعلن عن انسحابي من القيام بالمهمة حين حالفني الحظ بالعثور على نسخة شبه كاملة  لدى الاستاذ كاظم سعد الدين فاستعرتها منه .
كان علي ّ أن أختار ما يمكن أن تتضمنه الطبعة الجديدة  فلم يكن مطلوبا ً مني أن أضمّن الطبعة الجديدة كل مواد الطبعة القديمة فاخترت ما وجدته مناسبا ً ويشي بتنوع اهتمامات الكاتب ، بادئا ً بالمقدمة التي كانت بعنوان ” كلمة واهداء ” وجاء فيها :
” ان محتويات هذا الكتيب كتبت في ظروف شتى  وتحت انفعالات نفسية متباينة  ومعظمها قد نُشر في الصحف العراقية فوجد معظمها مكانة في القلوب  ، ولقي بعضها نفرة ً وجفاءً وسخرية ً ولقي كاتبها بعد ذلك  نقدا ً وإعراضا ً  لكنه لم يعدم ايضا ً أنصارا ً وأصدقاء اعزاء ألحوا وبالغوا بالإلحاح أن أجمع ما تبدد هنا وهناك وأضمه في سفر صغير يُتداول بين أيديهم بين الفينة والأخرى في ساعات الهم والملال ” .
وحين اجتزت عقبة الحصول على نسخة من الكتاب  واختيار ما هو مناسب من مواده ، كان عليّ أن أتابع عملية طبعه ، بدءا ً من التنضيد ومرورا ً بتصحيح البروفات ثم متابعته في المطبعة . وشغلتني مسألة اختيار صورة المؤلف التي ستوضع على الغلاف وكانت لديّ صور له تمثل مختلف مراحل حياته  ووجدت نفسي بين خيارين : أما  أن أختار صورته وهو في شيخوخته المتأخرة  أو أن أختار  صورته وهو في شبابه . وكان من رأي السكرتير الفني للسلسلة اختيار الصورة التي تمثل المؤلف في شبابه ما دام الكتاب  كان قد صدر في تلك المرحلة ، وهكذا كان. ولم يهدأ لي بال إلى أن صدر الكتاب في طبعته الجديدة وجاء في 144 صفحة من القطع فوق المتوسط .

الأديب الراحل عبد المجيد لطفي
الأديب الراحل عبد المجيد لطفي

من بين ما اخترته مشروع قصة بعنوان  ” من بين الأنقاض ” ، يتداخل فيها القص والخاطرة و والشعر المنثور في أكثر من مقطع  منها :
” ما أجمل ما مضى
ان الساعات الذاهبة في جوف الزمن الغادر
واللحظات الهينة العابرة في طيات الدهر الناكر
وابتسامتها الناعمة المضطجعة في محفة الليل الماكر
كل ذلك يستيقظ الآن وينبعث من جديد ”
ومن الشعر المنثور جاءت  القصيدة التي تحمل عنوان ” طائري الجميل ” ومنها :
” ظل الأمل يختلج في قلبي كذبالة شمعة
ولكن العاصفة المفاجئة أودت أو كادت أن تودي بها
ليسود الظلام . آه يا طائري المرح الجميل …
تغادرني حزينا ً وتخفق راقصا ً مع السرب المطمئن
ولكن عيني ستبقى ترمق رمال الجزيرة …
وقلبي سيظل حائما ً حول النار المقدحة بلا فتور
وسأنتظرك وانتظر كثيرا ً قبل أن أراك …
أما باب القفص الذهبي فسيبقى مفتوحا . ”
ووجدت سبعة نصوص بلا عناوين ، تنطبق عليها مواصفات ” القصة القصيرة جدا ً ” فأدرجتها ومنها النص الآتي :
” أسدلتْ الستار وأوقدتْ الضوء وتأففتْ ان الحياة باردة ، ولكن المصطلى كان مليئا ً بالنار  والغرفة مفروشة بفاخر السجاد والراديو ينقل أجمل الألحان . ولكنها كانت جائعة إلى شيء يدفىء عروقها الفوارة ونظرت إلى الشارع  مرة أخرى وكانت السيارة تسير راكضة بدون انقطاع . وقفزت من الفرح وقالت : ايه هو ذا قادم .. واجتاز الشاب عساليج الكروم الذابلة وأشجار التين القزماء والبركة المهجورة من أول الشتاء وسمعت خطواته على السلّم .
والآن لقد شاع في جسمها الدفء وقالت : ما أجمل هذه الحياة .. وسكت الراديو ليتكلم القلب بأنغامه الجديدة  .”
ومن  شعره العمودي أخترت :
”   حبيبي تقولين لست الحبيب        وما أنت ملهمتي الناظرة
فلي قسمتي عبء هذي الحياة         تطوحني القسمة الجائرة ”
ويقول في مقطع من قصيدة  بعنوان ” شكوى ” لم تأخذ طريقها إلى الطبعة الجديد ة:
”  لا تتركيني يد ألأيام ما تركت
لي في الفؤاد  سوى همٍّ لمنآك
وما بقى من شبابي غير أمنية
قبل الممات  بأن  أحظى برؤياك
مدي يدا  ثم جسي الناروالتمسي
على هدى ألمي في القلب مأواك
وعانقيني عناق الحب وانتزعي
روحي فروحي التي عاشت بذكراك”

kh abdulmajid 1وتحت عنوان ” عام جديد ” كتب خاطرة  قال عنها انها ” مهداة إلى صديقي الشاعر الجواهري ” وجاء فيها :
“ألقيت قلمي جانبا ً وانتظرت الساعات الأخيرة من العام القديم وأرهفت أذني إلى الساعة المعلقة في الجدار لتضرب الضربات الأخيرة تاركة وراءها العام القديم ”
” دقت الساعة !
ذهب عام ، سقط من بين أصابع الدهر وانخرط في سلك الأبد القديم”
” هذا العام يا استاذي الشاعر قد ملأني بالانسانية والفيض والتأمل ، في ساعة ، في دقيقة في لحظة . أجل في لحظة عابرة ”
وفي مناجاة بعنوان ” من قلب نادم : دعاء في منتصف الليل ” يقول :
” اليك وحدك يا الهي يرتفع هذا الضئيل كمزمار منصب ينفث فيه قلب جريح ، فتتسارع الحسرات من خلاله مسترجعة خاشعة  – لقد تعبت يا الهي . . ان أثقال السنين الطويلة . وجهود الحياة المملة .. وأتعاب الدنيا المشاغبة  كلها دكّت قواي وأنا في شرخ الشباب  وفي عنفوان الحياة .
اليك وحدك يا الهي ينساب هذا الدعاء الواجف ، وتضطرب هذه الكلمات التي يرسلها قلب تعذب كثيرا ً وأحب كثيرا ً وفشل كثيرا ً ” .
ومن أدب الرسائل  وتحت عنوان : ” من الأدب الوجداني : رسالة عاطفية ” كتب :
” أخي محمد عزيز :
شكرا ً على هديتك . لقد قرأت ( أندروماك ) بشيء من اللهفة واطلعت على نهايتها الغامضة  بكثير من الحيرة والتأمل .
ولكن مالي  أحدثك عن هذا وعندي شيء جديد جدير بأن تطلع عليه . أنت تعرف بهذا الحب العاصف .. هذا الذي كان أصل هذه الكآبة والتوجع على الدوام .. و .. نعم أريد أن أضع نهاية  لهذا الفشل . وقد أقسمت على ذلك قبل هذه المغامرة . لكنني في هذه المرة أريد أن أكون رجلاً ” .
وفي رسالة أخرى يبدو انه كتبها وهو في كركوك أو ليلان ، يخاطب صديقا ً فيقول :
” صديقي عزيز :
سماء صافية وشمس مشرقة ، ومن هذه أكتب اليك حيث الناس كلهم في تراخ وكسل على الكراسي هنا المحطمة ويلعبون أو يتحدثون .. طبقة غنية في هذا المقهى الجامع فالأشجار الذاوية في الحديقة العامة والأزهار المتبقية من العاصفة ، الثلوج تبعث بأرجها العبق للأنوف من غمار الأوراق الصفراء المتينة ، أكتب اليك وأنت هناك في بغداد حيث ترتبك الآمال وتزدحم الطلبات  وتروج عاصفة الأحلام  البعيدة  في كل فم وكل لسان ، ولكن ثق انني أسعد منك بكثير فان هذه الجلسة الوحيدة المتواضعة على هذا الكرسي القديم أحب  من الحياة في أروع ليالي بغداد الحمراء المزدهرة الصاخبة النائحة ” .
وتحت عنوان ” رسالة أدبية : آلام الحب ” يقول :
” صديقي صفاء :
عدت الآن مضطرب الفكر ثائر العاطفة ونشرت رسالتك وقرأتها للمرة الأخيرة . أنت دائما ً تبحث عن الحياة الجامعية في ” لندن ” وعن أولئك الانكليز الثقلاء ثم تطلب مني حديثا ً رائقا ً عن الشرق !
وkh abdulmajid 2ماذا في الشرق … بلد الأحلام والآلام والفجائع . ان سلسلة من التاريخ العامر تنتشر أمامي الآن  ولكن بثوب قديم جليل  .. ”
وواضح ان صفاء الذي يخاطبه في هذه الرسالة انما هو صفاء خلوصي ابن أخيه الذي كان يدرس في لندن آنذاك .
وفي ” حوار بين صديقين ” و” ميتة بطل ” ارهاص بما سيكتبه من أعمال مسرحية لاحقا ً .  فقد كتب في هذا الباب ” خاتمة موسيقار ” ( 1941 ) و” عيد في البيت ” ( 1961 ) و” ضجة النهار ” ( 1972 ) و” الخطأ في العد التنازلي ” ، مثلما كانت قصصه في ” أصداء الزمن ” تنبىء بقدرة على كتابة القصة والرواية التي تجلت لاحقا ً في مجموعاته : ” قلب الأم ” ( 1940 ) ( وقد ضمنها خمس قصص مترجمة عن التركية ) ، و “في الطريق ” ( 1958 ) و” الجذوة والريح ” (1969)، وفي رواياته : ” الرجال تبكي بصمت ” ( 1969 ) و” فتحة أخرى للشمس ” ( 1980 ) و” نبوءة العراف الغجري ” ( التي ترجمها شكور مصطفى إلى اللغة الكردية ) .
لقد كان عبد المجيد لطفي مهتما ً بالشعر في مطلع حياته الأدبية ، فنشر أول قصيدة له في جريدة الناضرة عام 1930 حاكى فيها الموشحات الأندلسية . وبين أوراقه القديمة قصائد منشورة كان قد كتبها في ثلاثينيات القرن العشرين فضلا ً على ما كتبه في ” أصداء الزمن ” . وفي العام 1971 أصدر كتاب ” تصابي الكلمات ” وهو من الشعر المنثور . وأصدر في العام 1984″ خليج المرجان ” وهو ديوان رباعيات كان آخر ما صدر له من كتب حيث أستبدت به الشيخوخة  وأنهكته الأمراض حتى رحل بعد سنوات فليلة من صدور آخر كتبه ..
وكان كتاب ” أصداء الزمن ” موضع تناول نقدى أختلفت آراء كاتبيه فيه . . كتب الدكتور عبد القادر حسن أمين يقول في كتابه ” القصص في الأدب العراقي ” الصادر في العام 1956 : ” يمكننا أن نعتبر” أصداء الزمن ” وسطا ً ذهبيا ً بين الشعر والاقصوصة . والكاتب شاعر تجلت شاعريته في جميع ما كتب وإن كان باسلوب النثر ” . أما الدكتور عمر الطالب فيقول في كتابه ” القصة الفصيرة في العراق ” الصادر في العام 1979 : ” ومن أبرز القصاصين الرومانتيكيين عبد المجيد لطفي  في مجموعته ( أصداء الزمن ) إذ تميز في رومانتيكيته الحزينة الشاحبة السلبية عن آلام نفسه وشقائها ” . وكتب الدكتور محسن الموسوي يقول في كتابه ” نزعة الحداثة في القصة العراقية ” الصادر في العام 1984 : ” أما مجموعة ( أصداء الزمن ) فيطرح فيها ذلك النموذج الرومانسي الحافل بالحنين وأحاسيس الفقر والحب والخيبة والألم والتمني ” .
ويصدق تشخيص الدكتورين محسن الموسوي وعمر الطالب . فقد عاش عبد المجيد لطفي ظروفا ً قاسية في مطلع حياته وعانى من اليتم المبكر حين غادر أبوه العراق لأن احتلال بغداد من قبل البريطانيين صدمه كثيرا ً فترك اسرته وتبع الجيش العثماني المنسحب وانقطعت أخباره تماما ًفيما بعد . وتركت حالة اليتم المبكر وضنك العيش بصمتهاعلى عبد المجيد لطفي فلم يستطع  الحصول على تعليم أكاديمي فاكتفى بالتعليم المهني  بعد اكماله الدراسة في ثانوية الصناعة . لكن أخاه الكبير عبد العزيز خلوصي ، وكان حاكما ً في محاكم كركوك وعلى صلة بمتصرفها آنذاك ، توسط له فتم تعيينه موظفا ً في ناحية ليلان التابعة لكركوك .  ومن هنا بدأ اهتمامه بالأدب فقد وجد  من وقت الفراغ ما جعله يكرس نفسه للقراءة واستطاع أن يثقف نفسه بنفسه معتمدا ً على موهبته الابداعية  . ثم تم نقله إلى بغداد موظفا ً في وزارة المالية فوفر له جو بغداد الثقافي فرصة التعرف على العديد من ألأدباء والفنانين : الجواهري وذوالنون ايوب وجعفر الخليلي ومحمد القبانجي ونوري الراوي والعشرات من المبدعين . وتملكته رغبة اصدار كتابه الأول ولم يكن يملك ما يطبع به ذلك الكتاب  فقرر أن يغامر . كانت الأسرة تمتلك دارا ً موروثة في خانقين فقرر أن يبيع حصته فيها وأقتع أمي ،وهي أخته ، لأن تبيع حصتها هي الأخرى ففعلت ذلك على مضض . فاستطاع أن يطبع ” أصداء الزمن ” ففتح له هذا الكتاب ، أو  الكتيب كما يسميه ، بابا ً ولج به  عالم الابداع الواسع  !

شاهد أيضاً

سميح صباع شاعر غادرنا قبل الأوان
انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
نبيل عودة

تحل في هذه الأيام، الذكرى السنوية لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفا …

عصمت دوسكي بين الإحساس والوجود
كلستان المرعي- سوريا

* نعلم أن العدالة مستحيلة في أوطاننا فوزعوا الظلم بالعدل . !! * غنى التشابيه …

المقولاتُ الكونيَّة الكبرى في شعر: د. ريكان إبراهيم

تسعى هذه المقاربة إلى استكناه المقولات الكونيَّة الكبرى في شعر د. ريكان إبراهيم التي وجدنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *