تابعنا على فيسبوك وتويتر

yuosef alwanارحل عن هذا البلد، ولا تنظر الى الوراء، ابدا، فالبلد يحترق يا صديقي” هذا ما اراد ان يقوله الكاتب شاكر الأنباري، على لسان صديقه المخطوف) عمران) المهندس، في نهاية روايته “نجمة البتاوين”، بعد تجربة مريرة عاشها زاهر، الشخصية الرئيسية في الرواية، اثر عودته الى العراق بُعيد 2003، وكأن الأنباري يتحدث عن ما جرى له، فقد خرج من العراق منذ 25 سنة مثل الكثير من مثقفي العراق الذين فروا الى منافيهم بعد ان حول النظام السابق العراق الى سجن كبير، يديره القتلة والمنحرفين. فخلال عودته للعراق اكتشف، الأنباري، ان العراق لم يعد يشكل بنية ثقافية واحدة ، بل بات؛ نتيجة للأوضاع القاسية التي مر بها، جزر ثقافية متعددة. وهذه الجزر لها اليوم علاقة بالمدينة والدين والطائفة والقومية، ومن اهم اسباب ذلك، هو التأثير الهائل للحروب المتعاقبة التي مزقت نسيج المجتمع العراقي، اضافة الى غياب المؤسسات التي تقوم عليها الدولة ، الأمنية والاعلامية والثقافية والاقتصادية، كل ذلك افضى الى تمزق في الهوية الثقافية. وما يجري في الوقت الحاضر، يعمق من الفروقات بين ابناء الشعب الواحد، فمقابل ضعف الشعور بالمواطنة، تعملقت افكار الطائفة والدين والعرق. وتلاشى الشعور بالأمان. واختلفوا الناس في تعابيرهم والفاظهم وطريقة ردات فعلهم تجاه الحوادث اليومية. وقد عاش بعد عودته رعب القتل على الهوية الطائفية والحزبية والسياسية، ورعب الارهاب، وشاهد وسمع عن القتلة وهم يتلذذون بقتل الناس، ولا يفرقون بين طفل وشيخ وامرأة. وهذا ما جعله يصور هذه الحالات جميعها في روايته “نجمة البتاوين” ويحدد بالذات القسوة في الشخصية العراقية، والذي كان للاحتلال اليد الطولى فيها، ولكن لهذه الظواهر اسباب قديمة، في ما عاشه العراقيون خلال حقبهم السابقة وبالأخص المغامرات والحروب العبثية الذي بات المواطن المسكين يدفع فاتورتها بعد 2003 . تبدأ الرواية في الإخبار عن اختطاف المهندس عمران: “اختطف عمران المهندس في الخريف، ولكن أي خريف، والفصول تتشابه في هذا البلد، وكذلك الأشهر والأيام”. (ص 5) هذا الاستباق في زمن سرد الرواية، بينما الزمن المفترض لهذا الحدث هو زمن آخر منها، فما الذي اراده الكاتب في هذا التلاعب في زمن الاحداث؟ والأحداث في كل رواية غالبا ما تكون صورة عن ما يجري في الواقع ، غير ان الكاتب ينتقيها بعناية، ويكثفها، فهي سلسلة مترابطة برباطين: رباط الزمن الذي ينظم هذه الأحداث، ويجعلنا نعرف أيهما حدث قبل الآخر، والحبكة التي هي الرباط المنطقي الذي يبين علاقة الأحداث بعضها ببعض من حيث أن أحدها سبب للآخر أو نتيجة له، ليس هناك في الرواية حادث عرضي أو اعتباطي أو مستقل عن الآخر فكلها مرسومة بدقة، -وهذا ما تحققه قدرة الكاتب على السرد- ومترابطة بعناية. ولكن الأهم من هذا وذاك هو القيم التي تحملها الرواية فالأحداث لا ترتبط بالزمن والحبكة فقط بل بأهميتها وكثافتها وتضمنها للقيم الإنسانية. بالتأكيد ان عملية الاختطاف shaker alanbariكان لها وقع كبير على سير الرواية، التي تعرض لنا خيبة زاهر (الصحفي) بعد عودته للعراق، الذي كان يمني النفس في تحقيق حلمه الذي ظل يعيش لاجله، غير ان الوقائع على الارض تختلف عن صور احلامه الوردية، فما عاد البلد مثلما تركه منذ ذلك الزمن. فبغداد، لم تعد تشبه بغداد الحلم، الذي عاش عليه منذ خروجه من العراق، والذي ظل محتفظاً في ذاكرته بمناطقها الجميلة: “حي الفضل، البتاويين، الشرطة، الصدرية، الكرادة، بغداد الجديدة، اسماء تتراءى كأنها حلم قديم، وثمة موت يقطن في زوايا الشوارع ويقيم على اسطح البيوت..” ص67. كان مشدوهاً، فالصور الذي ظل محتفظا بها لساحات وشوارع بغداد لم يجدها ابدا “الاشجار ذابلة، وزحمة السير على اشدها، ثمة جندي امريكي يقف في مدخل جسر الجمهورية ينظم السير، بندقيته الحديثة جاهزة للأطلاق، المكتبات الني يتذكرها زاهر في مدخل شارع السعدون مغلقة، الشارع لم يعد إلا ممرا ضيقاً في الوسط تسير فيه السيارات” ص71. ومثل الآخرين عاد زاهر وفي ذهنه رؤية اصدقائه الذين عاش معهم أجمل سنوات عمره؛ سنوات شبابه، وما زالت حلاوتها عالقة في ذهنه، سنوات الدراسة وزملائهم واحلامهم حينذاك. عندما يلتقي زاهر بصديقه عمران، الذي لم يخرج من العراق، يسأله عمران “لماذا رجعت الى البلد” فيجيبه زاهر ساخرا:
“انت مثل من يسأل المريض لماذا تتعافى، اسباب خروجي من الوطن انتهت، تذكرت أهلي وعدت… تذكرت وانا قادم اليك ايام الجامعة، اعتبرها ايامنا الذهبية: مقهى مام علي، وابنه آوات، وهواء الرشه به وكل تلك النهارات التي قضيناها في النقاشات والغزل مع الفتيات في نادي الجامعة، حتى في مدن اوربية كنت اتذكر مام علي وسينما سيروان وحياتنا في الاقسام الداخلية”. (ص38) فما الذي اراده الكاتب من التلاعب في زمن الاحداث؟ والانباري، يمتاز بهذا الاسلوب في اغلب رواياته، وكذلك يمتاز بشخوص رواياته الذي يجيد اختيارهم، ويجيد وصف دقائق هواجسهم، القلق الذي يتصف به اغلب شخوصه وصراعاتهم الداخلية مع ذواتهم، هي علامات فارقة لنوعية الاشخاص الذي يشغلون اغلب رواياته، الفشل في علاقاتهم العاطفية، والاحباط الذي يحسونه جراء ذلك. فعلي محمد أمين المحرر السابق للصفحة الأخيرة في جريدة (السلام) التي يعمل بها زاهر بعد عودته، يملأه الغيظ من زاهر بعد ان يأخذ الأخير مكانه في ادارة عمل الصفحة الأخيرة: “هذا المدعو زاهر كان وسيماً ولبقاً، سيستولي على قلب (سهى) مثلما استولى على رئاسة القسم، يتكلم بمقدار ويضحك بمقدار، وكأن الكون يدور حول كلمة تنطلق من بين شفتيه، هؤلاء القادمون من الخارج محظوظون، رأوا العالم كله، اما هو علي محمد امين فسنوات عمره محشورة ببسطال الحرب فقط، السنوات الوحيدة التي عاش تجربتها بعمق، اما ما عدا ذلك فكوابيس تلك الحرب لا غير”. ص(100( ذلك الصراع الخفي بين من غادر البلاد مضطراً؛ للخلاص من الاضطهاد والقمع البعثي، ولصعوبة العيش في العراق بسبب الحصار الذي استمر لـ12 عام ثم عاد وحصل على كل الامتيازات، وبين الذين بقوا في العراق مضطرين أيضاً؛ بسبب عدم قدرتهم على السفر او لم يسعفهم حظهم في مغادرة البلد، لكنهم عاشوا اسوأ سنوات العراق بكل اهواله؛ بحروبه التي راح ضحيتها مئات الآلاف، والحصار الذي حصد مئات الآلاف من الأطفال والكبار على حد سواء. ومع ذلك لم يأتي التغيير عليهم بسوى المصائب والتهميش، لذلك صور لنا الانباري هذا العداء الذي يخيم على الفئتين من خلال شخصية علي محمد أمين وكوابيسه التي يعيش معها ليلا. وهذا ما يوضحه الصراع الذي يدور في الخفاء ، بين زاهر (العائد) وعلي محمد أمين للفوز بقلب سهى زميلتهم في الصحيفة، والتي ترمز للعراق وخيراته، البلد المستلب الذي يحاول الجميع الاستحواذ عليه والحصول على مغانمه (جسدها، مفاتنها( الذي يصفها زاهر: “الأنثى الخالدة، الكهف السري الجاذب للذكورة إن كان في الصين أو في نفق الشرطة” ص (159).

kh shaker alanbari 2للوصف أهمية كبيرة في انجاز النصوص الروائية مع حضور عنصر المكان، فالوصف هو: “مكونا هاما من مكونات الرواية والكتابة السردية لانه يعوض الديكور في المسرحية”(1) ويشكل للرواية عالمها الحسي، ويرسم المساحة والخلفية التي تقع فيها احداثها، كذلك يجسد الاشياء التي تشكل الحيز والفراغ ويقدمها للقارئ، ولأن الرواية فن مقروء، لذلك يعتمد هذا الفن على ما تحدثه الكلمات من تأثيرات في إيهام القارئ بما يصوره له الكاتب من وصف وتفاصيل لاجواء الرواية. وقد أجاد الكاتب في وصفه لبغداد وما شهدته شوارعها وازقتها من تغيرات بسبب ظروف البلد التي مرت به وبالاخص شارع الرشيد الذي عده الكاتب من شوارع العالم المهمة في العالم: “أغلب عواصم العالم لديها شوارع خالدة، وخلود شارع ما له مواصفات بعينها، أبرزها على الاغلب تعدد وجوه ذلك الشارع” ص86. فمن هذا الشارع وفيه جرت اغلب الانتفاضات التي شهدتها بغداد في الكثير من المناسبات واضخمها التظاهرات التي كانت تطالب برحيل الانكليز عن البلاد. وظلت مقاهي الشارع ملاذا للمثقفين والمفكرين والعشاق. وقيل ان الفراهيدي اخترع بحوره الشعرية حين كان يتجول في سوق الصفارين، وهو واحد من اجنحة شارع الرشيد
. “من يرغب في معرفة المدينة عليه ان يقرأ خارطة سوق الهرج. طبقات المعرفة تتراكم هناك؛ كرامافون من القاهرة، عباءة من شيراز، نفنوف حريري عتيق من حلب، مفكرة ذات يوميات غامضة رست هنا بعد تقاسم إرث أفندي تركي من الفضل، زر بدلة عفيفة اسكندر، اعشاب من الطارمية، جلود غنم من الجزيرة. هذا هو ذراع سوق الهرج الممتد من شارع الرشيد. عاش شارع الرشيد حروباً غامضة، بيع سريع لممتلكات، إغلاق محلات، دوريات مباغتة، وغاب الامان من العطفات والبيوت العريقة، ودب الذعر حتى وصل الى اشجار شارع النهر، وأعمدة الرشيد والمتحف البغدادي وخانات السنك وبارات ساحة الميدان. صار شارع الرشيد يكتنز ذاكرة أخرى، ذاكرة حروب وهجرات واغتيالات وتطرف في الفكر والنظر، وتدفقت عليه عمالة غير عراقية، الى المربعة والميدان وسوق السراي والبهارات والمقاهي والمطاعم، غصت الفنادق بالوافدين وأرسل ابناء البلد الى الموت في قصر شيرين والمحمرة والأهواز، ولاحقا الى الكويت وتخوم السعودية وجبال كردستان وصحارى الرمادي”. (ص93).
ما الذي أراده الانباري من تسمية روايته هذه “نجمة البتاوين” فمعلوم ان العنوان الذي يشار به لعمل روائي ما، كثيرا ما يساعد على رسم صورة مقربة لهذا العمل، تحدد هويته الإبداعية وثيمته العامة، وقد تسهل معرفة معالمه في صورة تعتمد الاستعارة أوالترميز. ومن هنا، فالعنوان عبارة عن صيغة مطلقة للرواية وكليتها الفنية والمجازية. ويساعد ذلك على جمع الصور المشتتة ورؤيتها من جديد، في ثيمة عامة تصف العمل الأدبي. والعنوان هو الدلالة أو الصورة الأساسية، التي يستحضرها المتلقي أثناء التلذذ والتفاعل مع جمالية النص الروائي معالمه الرمزية. وهذه الصورة “العنوانية” قد تساهم او تساعد في فهم النص ومعرفة مسبباته. بينما نجد بعض العناوين غامضة ومبهمة ورمزية بتجريدها الانزياحي، مما يطرح صعوبة في إيجاد صلات دلالية بين العنوان والنص.

صحيح ان جزء من احداث الرواية، وجزء صغير جدا، تدور في المنطقة التي تسمى البتاوين وهي منطقة عريقة في مركز بغداد وقد عانت هذه المنطقة مثلها مثل باقي مدن العراق في سنوات الحصار اهمالا كبيرا من قبل الجهات المسؤولة عن تقديم الخدمات لها، حتى باتت بعد السقوط منطقة خربة بيوتها آيلة للسقوط بسبب قدمها، وكذلك اصبحت منذ زمن بعيد مأوى لاولئك الضائعين والمشردين والمدمنين وعصابات القتل والتسليب ومركزا للبغاء. فلماذا تتكرر هذه الاماكن وشخوصها التي تعتبر من قاع المدينة في روايات الانباري ولماذا الاهتمام المفرط بهذه المدن وناسها وهؤلاء الناس؟ فليس عبثا هذا الاهتمام بهؤلاء الناس وتلك الأمكنة!!
ــــــــــــــــــــ
* نجمة البتاوين / المدى / الطبعة الاولى 2010
(1) جيرار جينيت وآخرون / الفضاء الروائي/ ص32


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"