فؤاد قنديل : الفكرة المدهشة والنص البديع ؛ رواية “حُسن الختام” نموذجا

fuad kandil 5     لا أسَلم بسهولة – فيما يختص بفن  الرواية بالذات –  بالفكرة القائلة والمنسوبة للجاحظ أن المعاني مطروحة على الطريق ، وللكاتب أن يغترف منها ما يشاء فليست هي بالأهمية الكبري والعبرة فقط بأسلوب السرد والمعمار الفنى وهو ما يسميه النقاد ” الشكل ”  ، وإذا كنا جميعا نعترف بأهمية الشكل إلا أن هذا الشكل لن يري النور دون فكرة مدهشة ولحظة عبقرية  أو موضوع مميز وجديد ، فكيف كان بإمكان هيمنجواي أن يكتب رواية فاتنة مثل ” العجوز والبحر ” دون فكرة الصياد كبير السن الذي لا يستسلم للشيخوخة ويقرر القيام برحلة بحرية ليلتقط رزقه ويبذل أقصى جهده كي يصيد سمكة كبيرة ولكن أسماك القرش تهاجمه بلا هوادة وتظل أياما تنهش رزقه الثمين ويعاني معها حتى يعود في النهاية إلى البر ليكتشف أن السمكة التي في حجم حوت قد أصبحت هيكلا عظميا فقط ، لكن البحارة والصيادين عندما وقعت عيونهم على حطام السمكة الضخمة أقبلوا يهنئون العجوز بما أنجر بما أوحي إليه أن حياته حتى رحلته الأخيرة لم تذهب عبثا ، وسانتياجو البحار لم يكن يقدم لنا سيرة حياته ولكنه كان يقدم لنا سيرة حياة الإنسان وفلسفة وجوده . الأمثلة كثيرة والأعمال الروائية العظيمة تضيئ حياتنا الوجدانية والفكرية بالإشراقات الملهمة التي تبدأ أولا من موضوع مثير وليس من جبال الكلام والتعبيرات البليغة.
كان ضروريا فيما أحسب أن أبدأ بتلك المقدمة عند الحديث عن رواية ” حُسن الختام ” للكاتبة صفاء النجار ، لأنها عثرت على الفكرة المدهشة القادرة على إنتاج نص بديع ، وكلاهما ليس عطاء مجانيا أو يمكن التقاطه من الصحف أو بمجرد التجول في الشوارع ومعانقة الأرصفة والمقاهي ، لكنه مخاض الموهبة والإلهام والقراءات المتعددة وخصوبة التجربة الحياتية والتأمل ، والفكرة اللامعة المبهرة لا تزور الخاملين والغافلين ومحدودى الموهبة والثقافة ، إنها مثل طائر يبحث عن شجرة يانعة ومثمرة ومتأهبة للقاء خلاق ، وهذا ما يدفعنا إلى الجزم بأن  الكاتبة قد فكرت طويلا في مصائر البشر المقربين وعلاقة الرجل بالمرأة وطبيعة الوجود الإنساني إلى أن صادفت فكرة شعرت بأهميتها وجدتها والتقت مع رؤاها وعثرت في أعماقها  بشكل أو آخر على مفتاح لبوابة  تفضي إلى حقيقة من حقائق الوجود الإنساني ، وهكذا اتخذتها بؤرة للنص كما أنها بؤرة للحياة .. توقفت الكاتبة كأنثي عند فكرتين .. الأمومة  ونداءاتها .. الرجل وأهمية حضوره .. ولما كانت الأمومة تتحقق بالولادة فإن الولادة ذاتها تتحقق بالرجل ، ولما طالعت خبرا يكشف إمكانية الحصول على أبناء دون رجل قررت أن تمضي بقوة واهتمام وراء الخبر الذي يمكن به الاستغناء عن الرجل .. فإذا كان الاستغناء عن الرجل اقتصاديا قد تم فما ذا يضير المرأة أن تستغنى عنه جنسيا عن طريق إجراء عملية استنساخ لا جنسي ؟..أي إنجاب أطفال ذاتيا عن طريق التقاط أية خلية من جسد أنثى بالغة وحقنها في بويضة فارغة من الكروموسومات ثم وضعها في أنبوب اختبار عدة أيام ثم حقنها في رحم الأنثى ذاتها حتى يتكون الجنين ويمر بمراحل الإنجاب التقليدية ..  في حالة الاستنساخ جمع ما بين الخلية الحية والبويضة بدلا من المعتاد وهو الجمع بين الحيوان المنوي والبويضة .
safa alnagar    هذه الفكرة التي تبدو محدودة وتتموضع في منطقة مركزية صغيرة إلا أن فيها – كما يقول الشاعر- انطوي العالم الأكبر ، نجاح التجربة يعنى الاستغناء عن الرجل ويعنى من الناحية الفكرية تحفيز الإرادة للاعتماد على الذات وعدم الاستسلام لشروط الآخر ودلالة على الاستقلالية ، وتدفع الإنسان والمرأة بالأخص إلى مغادرة مستنقع الخوف والإحساس بالعجز وعليه في الوقت ذاته مواجهة ذاته  بوصفه صاحب القرار ، ورسوخ فكرة تحمل المسئولية فليس ثم شخص غيرك سيتولي تبعاتها ، كما تُعلى من إحساس المرأة بأنها هي الأم والأب وهي من أنجبت ولا فضل لأحد عليها ، وإذا كانت قد أنجبت بنفسها فهي صاحبة القرار الوحيد في اختيار اسم المولود وأسلوب التربية ومنهج الرعاية  ونوع الدراسة للطفل والعمل والسفر وكل أشكال الحياة ، ومن المؤكد من وجهة نظر الأمهات البديلات الجدد أن المجتمع سيكون له شكل آخر بعيدا عن نزوات الرجال واستبدادهم وجنونهم وثقتهم الزائدة بالنفس والعقل ، وانفرادهم بمصائر كل من ينتمون إليهم حتى في العمل والحزب والجماعة والنقابة وغيرها من الأطر الإجتماعية والسياسية إلى الدرجة التي يتحولون فيها أحيانا إلى كوابيس تهدد حياة الآخرين .
فماذا فعلت صفاء النجار روائيا بالفكرة المحورية الخام ؟..
1 – لم يكن من الممكن – في ظنى – التخطيط لتشكيل عمارة هذا العمل السردي الذي ينطلق من بؤرة بيولوجية إلا أن تنشغل الكاتبة بالبحث عن تقنية بنائية تساعدها على خلق عالم متكامل من المشاعر والذكريات والأحلام  وألوان التحدي والتنبه الحاد والدقيق لكل جديد من العلامات والشواهد ، وفي الوقت ذاته لابد من الاحتشاد بالمعلومات بحيث تغطى الكاتبة  الفترة الزمنية المطلوبة بدءا من نزع الخلية الحية ونقلها إلي البويضة وحقنها من بَعد في الرحم وحتى تمام الوضع وهبوط الجنين الذي سوف يشاركها العيش كرضيع ينمو بمرور الزمن حتى يشق طريقه في الحياة.
2 – من أساسات هذه العمارة الفنية العمل على ترسيخ فكرة الإستغناء عن الرجل الذي بدا واضحا في سلوكيات الراوية ( حبيبة ) التي كشفت أفعالها وأقوالها عن نفور من الرجل وهو الذي تم زرعه في أعماقها مذ وقعت عيناها وهي لم تزل طفلة على أبيها يعاشر أختها الكبرى نوال .. ترسّب هذا الموقف التعس وغيره في وعيها ثم غاص في لا وعيها حتى لم يعد أي رجل يخطر ببالها وكاد يتلاشي من الوجود من وجهة نظرها وبالتالي كان من اليسير عليها أن تقبل فكرة الاستنساخ اللاجنسي .
3 –  رتبت الكاتبة أن تقرأ الراوية خبرا عن نية مستشفي كبير بأدنبرة عاصمة اسكتلندة إجراء عملية استنساخ لا جنسي ورغبتها في تقدم متبرعات لاختيار واحدة منهن لخوض التجربة ، وبسبب فتور العلاقة بينها وبين معظم أفراد أسرتها قررت الموافقة على التطوع ومن ثم سافرت لتبدأ التجربة والرواية معا بعيدا عن المجتمع الشرقي الذي حتما سيرفض ويقمع فكرها المتطلع لتجربة مختلفة.
kh safa alnagar  4 – المدة المطلوبة للحمل تسعة أشهر ، ومن هنا كان تقسيم الرواية إلى تسعة فصول ، وفي كل فصل وبالتوازي مع نمو الطفلة التي أسمتها مريم استدعت المشاهد التي تتناسب وما حدث للجنين وما توحي به حركاته وتوقعاتها منه.
5 –  استخدمت الكاتبة تيار الوعي ليظل تركيز المنظومة السردية بكاملها مرتبطا بالجنين وحركته طوال الرواية بشكل يشبه شمس صغيرة تنطلق منها عشرات وربما مئات الأشعة مثل التي اعتدنا رسمها ، وكان توفيق من الكاتبة اختيار تيار الوعي لأنه القادر على دفع منظار الحكى للتنقل من مرايا المواقف الآنية إلى شتى الأزمنة و الأمكنة والضمائر و الأحداث التي تتطلبها الضرورة البنائية للقصة حتى تنسجم أجزاءها فتعود إلى الماضي وقد ترحل بفكرها إلى المستقبل .. فضاء النص  مفتوح تقوم في حضوره الراوية وهي الأم البديلة بنسج لحمة وسدى عالم يتم استدعاء خيوطه من كل ما ينتمى إليها وكأنها تحاول أن تبثه جنينها بوصفه محور العالم عبر قدرات روائية مميزة. وبدت فترة الحمل كأنها اسفنجة كبيرة ألقيت في بحيرة استطاعت أن تجتذب كل ما فيها أو مثل أخطبوط له مئات الأذرع التي امتدت لتضم معا كل ما يشكل منظومة السرد المتدفق في سلاسة.
6 – حرصت الكاتبة على عذوبة النص وإنسانيته عبر المواقف الحميمة والحوارات التي تضيف زخما وجدانيا ومعرفيا للأحداث ، إضافة إلى طبيعة الحمل ذاته بما يكتنفه من فرح وقلق ولهفة وشتى ألوان المشاعر التي يحفزها الشغف بالمتغيرات التي تطرأ على الجنين .
7 – عدم الثبات على السرد بضمير المتكلم وإنما هناك تبادل مقبول بل ضروري بين المتكلم والغائب والمخاطب.
8 – وفرة الثقافة العلمية بحكم التجربة الجديدة ، والثقافة الفنية بحكم هواية التصوير التي تقبل عليها الراوية وقد سبق لها دراستها في كلية الفنون  .
9 – اللغة تتدفق بنعومة  دون أية بلاغة تقليدية أو شعرية ، وإن كانت مشحونة بالمشاعر والذكريات يذكيها حضور الخيال.
10 – حوارات تأملية وفلسفية كثيرة اقتضاها نص مشغول بالقضايا الكبري ومنها الموت والميلاد وحركة الحياة ومصائر البشر .. العزلة والأمل . الغيب والمستقبل والإنسان ذلك الكائن الهائل المحتشد بالأسرار والمجهول .
11 – الحنين إلى الجذور إبان التواجد بعيدا عن الوطن وهو أمر طبيعى خاصة بسبب هاجس نابع من خشية الراوية ( الأم ) أن تنمو الطفلة المولودة بإجراء صناعي وهي تجهل تماما كل أصولها وثمة شك أن تتجاوب في المستقبل مع ملامح الأهل والوطن والتراث . تريدها أن تعرف كل شيء منذ ميلاد الأم في دمياط إلى بيت العائلة في الزمالك إلى العادات والتقاليد والجدات وكذلك الهوايات والعلاقات والأفكار وصور الجمال الموزعة في أماكن كثيرة .
12 – كانت الكاتبة موفقة وهي تحرص على تجاهل الرجل في النص لتمهد لقبول منطقية تجربتها دون أن تذكره بسوء حتى ليقتنع القارئ بأن الرجل غائب بالفعل عن النص ومن ثم ماذا لو غاب عن الحياة أيضا؟ وهكذا تعلن الرواية ضمنيا شروق عصر انتهاء الرجل .
13 – خطت الكاتبة خطوة مهمة على طريق الإبداع الروائي القائم على أساس علمى ، ولم يكن قد سار في هذا الدرب أحد – فيما أذكر – منذ رحيل الكاتب السكندري الكبير الراحل الدكتور يوسف عز الدين عيسي ، وأرجو أن تواصل وغيرها هذا الدرب فهو مؤهل ليضيف طبقات للمنجز الروائي العربي .
14 – رواية ” حسن الختام ” تعد كتابة نسوية مائة في المائة ، وكل حرف فيها يصب في نهر الكتابة النسوية باقتدار ، فليست الكتابة النسوية  فضفضة وبوح و كشف المسكوت عنه فقط ولكن عوالم كثيرة وخصيبة خاصة بتجربة المرأة لا تزال بحاجة للتناول ، ورواية ” حسن الختام ” تنظر لجسد المرأة من منظور جديد جدير بالالتفات.
15 – لا يعيب هذه الرواية غير عنوانها ؛ فلم تبذل الكاتبة أدنى جهد لاختيار عنوان لائق وملهم وجذاب بل أتصور أنه جاء مخالفا تماما لعالمها وتخلى عن السحر الذي يشعه الموضوع ، إذ الرواية كلها تتحدث عن الميلاد وعن السفر وعن التجربة ، وليس ثمة ختام لأي شيء فيها ، فهي بداية جديدة للروايات العلمية وليست روايات الخيال العلمى وصفحة جديدة في الكتابة النسوية ودعوة للتخلص من الرجل ، وإذا كان المقصود هو الاستغناء عن الرجل فليس هذا حسن ختام بل مجرد تعبير عن التجاهل ، ولم يكن الرجل موجودا في الرواية إلا بصورة هامشية يغطيها الظل.
تهنئة من القلب للكاتبة ولزوجها ” الرجل ” النبيل الذي أتاح لها الفرصة الكافية والمعاونة المتواصلة كي تتمكن من تقديم هذا العمل اللافت والمميز الذي يعدنا بأعمال أكثر تألقا تثري الأدب العربي وتدعونا للتفاؤل بالإبداع الشبابي المشرق.

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
التعبيرية القاموسيّة
غافلة .. للشاعرة “عائشة أحمد بازامة”/ بنغازي–ليبيا
بقلم: كريم عبدالله

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *