د. حسين سرمك حسن : فؤاد قنديل في “دولة العقرب” : البلاغة الرمزيّة العظيمة (2)

hussein 5# شروط التأويل الرمزي :
————————
ومن أوهام تلك الحقيقة أو ظلالها المغوية حدّ الخراب المسرّ ، هو رموزها . وهل نستطيع الإمساك برموز هذه الحكاية ودلالاتها الكامنة المراوغة ونحن نقف على عتبة الحكاية الكبرى ، وبعد أن سرنا مسافة قصيرة بقدر حكاية الإفتتاح / الخلاصة / النبوءة ؟ . قد نستطيع الإمساك بملامحها الأوّلية مادام الكاتب قد وفّر لنا أوّلاً ، وكشرط أساسي للتأويل الرمزي “سياقاً” و”إطاراً” ، يتيح للمعاني الرمزية أن تتفتّح ، ويوفّر المشروعية لمثل هذا التأويل . وهذا الإطار يتمثل في المكان والزمان والفعل الكلّي (أو التاريخ) . فقد تحدّدت صورة المكان في أرضية الإنطلاقة (الإسكندرية) ، الإسكندرية ليست المكان الجغرافي بل إشعاعاته السردية المتضمنة صراع المصائر والإرادات عبر ألفي سنة منذ الإسكندر وحتى شرارة الثورة : خالد سعيد وسيّد بلال ، والقاهرة (السيّدة زينب) ، وسجن العقرب ، وميدان التحرير . ونستقي اللحظة الزمانية ضمنا من سنة مواجهة النظام الحجري المتعفّن في 2011 . ثم رسم لنا أبعاد الحدث التاريخي ، وهو ثورة 6 أبريل . وعلى أرضية هذا المكان والزمان ، وتحت مظلة الحدث التاريخي الجبّار ، والسياق والإطار الناجم عنها يمتلك التأويل الرمزي مشروعيته . فلا يستطيع ناقد أو قارىء مهما أوتي من إمكانية تأويلية وخزين معرفي أن يقول إن دلال وامها كريمة تمثلان رمزا لإلهتين من إلهات العالم الأسفل .. لأن لا السياق ولا الإطار يتيح ذلك . ولا أن يقول بأن ناجي يمثل رمزاً لـ “للغائب” المُنتظر الذي تلوب صورته في وجدان الشعوب في كل الحضارات وخصوصا في وجدان وذاكرة البشر المسحوقين كلّما أوغلت غيلان الطغيان في دمائهم وفي مسخ آمالهم ووجودهم . إنّنا على أرضية زمانية ومكانية محدّدة ، وتحت مظلة حدث تاريخي معيّن ، وبالتالي يجب أن يكون التأويل الرمزي منضبطاً . ولنبدأ ببطلة الحكاية الرئيسية “ريم” إبنة “زينب” .. زينب حبيبة نبيل المترجم العازف الموسيقي الرومانسي الحالم الذي كانت زينب تحلّق معه على أجنحة الحب والهيام مسحورة به ، وهو مسحور بها . رسما آمالا حالمة عريضة ..

# كيف تصنع أسطورة من بقعة زيت ؟
————————————–
Fuad Kandil 5ولكن نبيل مات في ليلة زفافه .. ليلة الحنّة بحركة عمياء لكن هوجاء من “القدر” ، حركة عمياء ساكتة تحوّلت إلى حادث مثكل أهوج حين وطأتها أقدام الحياة السارحة في جذلها :
(اصطحبه صديقه بسيارته ، وعاد مسرعا عبر الطريق الدائري ، وفي منتصف الطريق ، أفلتت فجأة عجلة القيادة من الصديق ومن الحياة وهرب المكان والزمان . انزلقت السيارة فوق بقعة زيت ، فدارت السيارة باندفاع جنوني حول نفسها عدة مرات ، وارتطمت بسيارة نقل ضخمة بمقطورة . سيارة النهاية اللعينة وبقعة الزيت التي وضعها الموت خصيصا لاستدراج عمرنا الجميل ، وقليه حتى تفحم . بقعة الزيت خطفت رجلي. بقعة الزيت قضت عليه وعليّ . بقعة الزيت لم تكن على الأرض ، لكنها كانت محمولة على طائر ضخم أطلقته السماء على البشر. طلقة كالقدر. كالمصير . بقعة الزيت فعلت ما لا يفعله الزلزال. بقعة زيت هربت من الجحيم تتعجل مهمتها لتسفك حياة حبيبين أوشكا على معانقة شمس الآمال الكبرى ، ودنت خطواتهما من قمة جبل الاكتمال حيث لا أحد إلا الله والجمال والحب) (ص 43) .
بقعة الزيت هذه ، العمياء ، العابثة ، التي صارت تلاحق زينب حتى وهي في الحمّام تغسل لها ابنتها فتحذّرها من الوقوع بفعل بقعة الزيت! ، هي في الحقيقة : الموت ، وسلطته العاتية التي أهم امتيازات سلطتها أنها تتحكم بالتوقيت ، وبشكل “الضربة” القاضية العابثة . إنّ كل ما رسمه العاشقان : زينب ونبيل من أحلام ووعود ورديّة قد ابتلعته بقعة زيت صغيرة حوّلها “المُثكل” ، حسب وصف جدنا جلجامش الدقيق ، إلى حوت وجودي مرعب . ثم حوّلها الكاتب عن طريق اللغة التي لا تعرف حدوداً إلى كائن خرافي هائل يخترق حدود الزمان والمكان ويعجز طاقات الإنسان لتصبح اسطورة :
(لا أحد يُنكر أن في كل بيت بقعة زيت ذات سطح ذهبي له بريق يتوزع في أنحاء كثيرة .. بقعة لا تستقر في مكان عيونها الحمراء وأظافرها الطويلة . بقعة زلقة وناعمة وقادرة على التشكل والانسياب والابتلاع ، قد تبقى في حدود المكان دون أن تغرق أحدا ، لكنها قد تتسع وتتمدد وتنفتح حتى تلتهم في آبارها اللانهائية جبالا و أشخاصا أعزاء . لم يكن نبيل وحده أحد ضحاياها ، ولا ناجي ، أو ريم ، ولا رضا هلال ، أو القبطان نجم الدين ، ولا آلاف الشهداء . وعشرات الآلاف من الأحياء المسحوقين من أجل أن ينام الطغاة ويحلمون بمزيد من السلطة والجبروت والملكوت) (ص 4) .
هكذا يمكن أن تصنع أسطورة من المكونات الواقعية اليومية المُبتذلة بفعل حكمة الموت الجائرة . الأسطورة أداة الإنسان المُخاتلة للفرار من قبضة الموت الخانقة ، بدءاً من يأس الإنسان الوجودي بفعل العجز ، ووصولا إلى أعلى تظاهرات العقل المتنفج :
(بقعة الزيت عرّت كل شيء ، وكشفت ما تحت السطح اللامع . بقعة الزيت المُمتدة بعرض العالم مدفونة في سراديب مظلمة لتتخمر وتنتفش وتنمو وتتمدد ، وعندما تهم بالتحرك في كافة الاتجاهات تحدث في كل شيء تشققات وتصدعات طويلة وقصيرة . كبيرة وصغيرة . بقعة الزيت . الظلم اسمه الأصلي بقعة زيت والكراهية واللعنة والحقد ومنتهى الألم بقعة زيت. الموت ولد وتربى في بقعة الزيت . الشيطان اسمه بقعة الزيت . نهاية العالم ستحددها بقعة الزيت. يا رب لماذا كانت بقعة الزيت ؟!) (ص 43) .

# تنتعش الحكاية حين يطل علينا الموت بوجهه الشاحب المهيب :
————————————————————-
kh fuad kandil 4في أيّ لحظة يطل فيها وجه المُثكل المخيف من كوّة غرفة حياة الإنسان الصغيرة بصورة مباغتة لا يجد هذا الإنسان الفزِع اصلا والمرتعِب غير التفكير الأسطوري والسحري ملتجأ للهروب والخلاص المضلّل . وها هو الموت يطل بوجهه الشاحب المهيب على زينب وهي في زاوية وجودها الصغيرة ، كسيرةً ، تندهش لأنها أفاقت ومازالت حيّة .. فهي مصابة بسرطان الدماغ الذي بدأ يُربك ذاكرتها بقسوة . ومن هذه اللحظة وحتى نهاية هذا القسم الفذّ الرائع الممتد من الصفحة الحادية عشرة إلى الصفحة السابعة عشر ، يصنع فؤاد قنديل “أسطورة” زينب بين يدي الموت .. هرباً منه ولوذاً به في محاولة للإلتحام بسيّدتها ومنقذتها السيّدة (زينب بنت علي) عليهما السلام .. وهي امتداد للإلهة السومرية الأولى المنقذة منذ فجر الخليقة : “السيّدة” كما كانت تُسمّى : عشتار/ إنانا وليس الإله دموزي البكّاء الرعديد ومنه تناسل “مرسي” وعصبته . في هذا القسم يرتفع فؤاد بزينب ونحن المتلقين معها عن الأرض قليلا .. وشيئا فشيئا ليضعنا على أجنحة قصيرة للأسطورة ، فلا أعتقد أنه يؤمن بتخريجاتها الجامحة المنفلتة وهو في هذا العمر . تنطلق زينب بثوب البيت القطني الأبيض القصير وغطاء الرأس السماوي الرخيص ، تنطلق بجسد مرتعش أنهكه المرض المُنهي في البداية ثم احتقن بمصل من آمال الإلتحام بالمنقذة التي منعتها الجموع الهادرة من الإلتحام بها ، وألقتها عند قدمي الشيخ الذي يعيش لحظته الصوفية الفائقة المديدة .. ألقتها الجموع بعد دعاء يقطّع القلب لبساطة الحاجات التي يتضمنها :
(يا ست يا طاهرة عارفة أنت طبعا بحالي . أغيثيني وانصريني . أنا في عرض حبيبك النبي. أنا في غيبوبة طوال الوقت . أنا ميتة حية . نفسي قبل أن أموت وأقابل رب كريم أستر ريم وسالي . كيف أتركهما على حالهما وأبوهما كما تعلمين في غيبوبة ولا يهتم . ماشي في الدنيا حسب مزاجه ولا يعرف شيئا اسمه المسئولية . أنا نفسي يا أم هاشم ..
هجمت أفواج جديدة وتدافعت الحشود وأفلتت يداها وأوشكت على الوقوع . أمواج من بحار البشر تعالت وتوالى دفعها للكائنات الضعيفة إلى أن وجدت زينب نفسها وقد سقطت أمام شيخ هرم يسبح ويتمتم بالدعاء . تأملته لحظات .عمامة كبيرة خضراء وذقن كثيفة  بيضاء وهشة يرقد آخرها على بطنه . له أنف مدبب وشفتان غليظتان لا يعلوهما شارب .
رنا إليها بطرف عينه الرمادية . انشغل بسمائه العالية وجنان محلقة يجوبها الأنبياء والرسل . لم تتحقق من كلماته إلا قوله :
متى الموعد يا حبيبي . اشتقت إليك فخلصني من ثيابي .
ظلت زينب على سقطتها متجمدة لا تحس إلا بكلمات الشيخ. استشعرت راحة وتصورت نفسها قطة في أحضان دب أبيض عجوز.اعتدلت أخيرا ووضعت فردتي شبشبها تحت فخذيها . ابتلعت ريقها وسألته :
–    لماذا أشعر بعدم الرضا عن الدنيا يا سيدنا ؟
أغمض الشيخ عينيه ومضي يدعو ويتمتم . أعادت سؤاله. كان غائبا تماما ..  أدركت بحدسها أنه يسمعها ويود أن يجيبها . قالت :
–    ليست لي مطالب إلا رضا ربي
كانت عيناها متعلقة بشفتيه ، وفي سرها ترجوه أن يرد . توقفت التمتمة أخيرا وأغمض عينيه لحظات . ثم قال :
–    لا يجب أن نكره شيئا خلقه الله ولو كان الموت
–    أشعر بالمرارة
–    أكلت الحنظل وذقت الصبر لكنني لم أجد مرارة في فمي أشد من مرارة الفقر
–    المرارة تحيط بي
–    رغم ملابسك البسيطة فلا تبدين من الفقراء المحرومين
–    ابتلاني الله بما هو أشد
–    وما هذا؟
–    المرض
–    -لو دعوته بيقين الإجابة خَفّت مرارة المرض وكستك أثواب الشفاء
–    -أكره الدنيا وتكرهني
–    -ما خلق الله أهون منها ، والناس تحسب أن الله جعل نعيمها ثوابا للمطيعين ، وبلاءها عقوبة للعاصين
سالت دموعها  فجأة وإن لم تفهم. اختطفت يد الشيخ وقبلتها . نهضت وحاولت البحث عن ممر رفيع تتسرب منه لتعود إلى السيدة التي لم تتح لها الفرصة كي تقبل مقامها الساكن في روحها . احتوتها الجموع وحملتها حملا فإذا بها خارج المقام) (ص 14 و15) .

# المكان والعين السينمائية الراصدة :
———————————
وفي اي موقف يرصد فيه الروائي “حركة” لأحد شخوص الرواية المركزيين يعمد إلى تقديم “خريطة” تفصيلية .. جغرافية .. أنثروبولوجية .. واجتماعية لهذه “الحركة” حيث يصوّر لنا بدقّة – وإيجاز وهذا مهم جدا – الأماكن التي يمرّ بها ، وطبيعة مكوناتها .. وطبائع الناس وعاداتهم ومسمياتهم .. وعاداتهم وطقوسهم . لا يقدّم هذه التفصيلات المكانية بصورة مقحمة متطاولة بل بشكل ملتحم بحركة الشخصية المعينة ومشاعرها وانفعالاتها (راجع وصف طقوس وأماكن زيارة المقابر والزواج وحلول رمضان وغيرها) .
إنّه رصد العين السينمائية المشهدي الدينامي ، وليس العين الفوتوغرافية الستاتيكي إذا جاز الوصف . وها هو [= الروائي] يقف ، قريباً جداً ، من زينب في حلقة الذكر ، يرصد انفعالاتها الحارقة و”غيابها” ولحظة تجلّي حبيبها “نبيل” الغائب الحلمية اليقظة لكن الخدرة ، لا المهلوسة ، لها وسط جموع ، وهي تطوّح بجسدها وسط الأجساد المتعرّقة المنفعلة بصخب ، الضائعة في حبّ أوليائها الراحمين ، السكرانة بخمرة الذكر والرجاء :
(لمحت نبيل بينهم . دخلت على عجل وتفادت الاصطدام بحركة الرؤوس والأجساد والأذرع التي تطير ولا تعرف مداها وإن كانت جميعا تنتظم في اتجاه واحد. يذهب ويجيء لكنه بحساب . إلى جانب نبيل وقفت واندمجت بسرعة مع الذكر  . بدا واضحا أنها على خبرة وأنها ليست المرة الأولي التي تنضم لحلقة ذكر. الإيقاع يشتد والذاكرون المتطوحون المندمجون ينادون الله بكل عروقهم ودمائهم وعضلاتهم وأعصابهم . تخلوا عن الدنيا تماما وسكروا بخمر الذكر بينما أجسادهم تمضي وحدها عارفة طريقها المحموم في دورة لا يملك لها أحد تغييرا . كانت الأجساد المشبوبة تنادي الخالق بالضبط كما كانت الأرواح تناديه كي يغفر ويعفو وكي يرزق وينصر ويهدي ويرضى .مضت في الذكر تطوح ذراعيها ورأسها، ولما اشتعلت أعماقها طوحت جسدها كله. كان نبيل يظهر حينا ويغيب أحيانا .. لم تسأل روحها إن كان حضورة بالجسد أم بالخيال حضر .. لم يكن في العقل والروح غير خالق الأكوان و الحبيب جد الحبيبة .
بدت قوية وعازمة على تعويض خسارة المشهد عند الضريح ، خاصة أن نبيل إلى جانبها يؤنس روحها في دربها الغامض. لم تعد تشعر أنها وحيدة . ارتفع صوتها
–    الله حي .  الله حي
سال عرقها كما سال عرق الجميع واحمرت كل الوجوه حتى السمراء . طار شعر وتساقطت زينة وسبح ونقود وتمزقت جلابيب ، لكن الحركة رغم كل الهياج الجسدي لمئات الذاكرين في السرادق منتظمة وطويلة النفس ولا تشعر بالتعب حتى لو تهاوت . أخيرا تهاوت زينب وتركها الرجال  كما تركوا غيرها ، فالساقطون على الأرض والذين لا زالوا شهودا في حلبة الذكر  محض رمال على شواطئ بحر الوجود اللامتناهي) (ص 17) .

شاهد أيضاً

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *