حسين سرمك: سلامات فتى الغناء العراقي الذهبي..

إشارة : تكللت العملية الجراحية التي أجريت للفنان الكبير ” كريم منصور ” بالنجاح .. تلك العملية التي ألححنا عليها كثيرا لإنقاذ ثروة فنية عراقية لن تتكرر بعد مائة سنة .. وخصوصا في المقالة المرفقة التي نشرت في جريدة ( الصباح الجديد ) قبل شهرين .
————————————–

hussein_sarmakمن ينظر الى الفنان (( كريم منصور )) نظرة بعيدة وخارجية سيجد ملامح صارمة ونظرة حازمة قد توحي بطوية صلبة . ولكن التقرّب المباشر منه سوف يكشف لك عن سريرة بيضاء نقية وقلب طفل طاهر شديد
الصفاء . واذا كان (( بودلير )) محقا في القول بان العبقرية هي الطفولة المستعادة عمدا ، فان جانبا مهما من ابداع كريم منصور يكمن في هذا الشرط الذاتي الحاسم : استعادة روح الاندهاش الطفلي في التعامل مع النصوص والمفردات والالحان . ولذلك تجده (( جديدا )) مدهشا في كل مرة يؤدي فيها الاغنية نفسها سواء اكانت له ام لغيره . هذا ماحصل على سبيل المثال مع اغنية (( يكلون باجر تمر )) للفنانة الرائعة البصيرة (( هناء )) التي لم تنل حق صوتها الهائل في مسيرة الفن العراقي . لقد ادى كريم هذه الاغنية وكانها كتبت ولحنت له اصلا . انا شخصيا نسيت الكيفية التي ادت بها (( هناء )) هذه الاغنية بصوتها المقتدر . وفوق ذلك تاكد لي ان (( العرب )) الثرية والموجعة التي يمتلكها كريم لا يمتلكها اي من افراد جيله على الاطلاق . ولا اجانب الصواب اذا قلت ان مراجعة دقيقة للاصوات الرجالية التي حفل بها تاريخ الغنائية العراقية ومحاكمة قدرتها على (( التصرّف )) ستجعل كريما يقف في الصف الامامي من اي مجموعة متفردة يتم اختيارها في هذا المجال . كريم لا يغني بحنجرته بل بقلبه ،وهو يعزف على اوتار روحه ، روح كريم في حنجرته وحين يغني يتجمع قلبه في عينيه وملامح وجهه . ولهذا لايمكننا القول من الناحية النفسية ان (كريم) يؤدي جيدا ، انه يموت جيدا في الاداء (هل لهذا تكون اعمار المبدعين الاصلاء قصيرة ؟)ومن طبائع هذا الموت الذي يجري بالتقسيط الموجع مع كل اغنية ان يتميز كريم عن مطربي بعض الاغنيات التي يؤديها بصوته . ونقلا عن احد الاصدقاء الثقة فان المبدع الكبير (طالب القره غولي) حين سمع كريما وهو يؤدي اغنية(يكلون غني بفرح )) قال بان هذه الاغنية ((تغنى جديدة جدا)) وكانها تسمع لاول مرة .ولطالب القره غولي راي آخر في صوت كريم حيث يرى ان في صوت كريم يكمن الوجع العراقي الحقيقي . وفعلا فان صوت كريم يحمل كل آهات وتشققات الارض العراقية المباركة والممزقة عبر التاريخ . نداءات كريم تاتي من البعيد ..من عمق الروح السومرية الغائر ..تلك الروح التي حين خلقها الله كان يبكي . وليس عبثا ان رمز المغني في الكتابة الصورية السومرية هو(ابن آوى) ، فنداء هذا الكائن في نهايات الليل هي الاكثر استثارة للشعور بالوحشة والعزلة والنبذ والخواء الوجودي. ان الروح العراقية المؤصلة في صوت كريم تجعلني اقطع بالقول بانني لو لم اسمع كريما من قبل وسمعته لاول مرة وهو يغني اغنية انجليزية لقلت فورا ان هذا الصوت عراقي .
مزيج من الالم والشفقة اشعر به عندما اسمع اغلب مطربي (الموجة الجديدة) يعلنون بانتفاخ استفزازي انهم لم يتاثروا باحد ممن سبقهم وانهم مكتفون باغنياتهم والتي هي النموذج والمثال . هذا الموقف ضد منطق الحياة وهذه هي النرجسية المتنفجة والمرضيّة. نرجسية كريم نرجسية صحّية وهي نرجسية المبدع الواثق بامكاناته والمسلح بالمعرفة والثقافة الواسعة .ومع ذلك فانه لا يتردد في الاعلان عن انه بدأ مسيرته الفنية بترديد اغنية (( سمرة ومحنية الجفوف )) للمطرب (عبد الرحمن علي).وحين طلبت منه رأيه باغنية (رحلة بقطار العمر) للمطرب (محمد السامر) قال بانفعال:هذه اغنيتي وانا متألم لانني لم اغنها.ولكنك عندما تجلس مع كريم وتستدرجه في الكلام لانه مقل فيه بطبيعته ومكتئب بعد ان غادر حبيبته –العمارة المحروسة -فستجد نموذجا مثقفا ورصينا يمثل الدليل الحي على الثراء الذي تحققه الثقافة في شخصية المبدع.يحدثك كريم عن ايمان وشك ابي العلاء المعري مدعما بنماذج من شعره..عن المتنبي والسياب وعن الشعر العامي العراقي ..مظفر،،كاظم اسماعيل الكاطع،عريان،رياض النعماني،نعمة العلاف ،كاظم غيلان ،ثم يعود الى فدعة الازيرجاوية والحاج زاير . عن اساطين الموسيقى العالمية..عن سبب ان الفنان –محمد عبد الوهاب مثلا- لم يوزع أغانيه .. عن ابعاد الصور الشعرية في القصيدة الفلانية .. وغيرها الكثير الكثير. اما الاوصاف والعبارات التي يطلقها فهي اوصاف وعبارات شعرية بليغة تعكس غنى عدته اللغوية والمعرفية.تحدثنا عن قصيدة (الليلة اموت الليلة ) لكاظم اسماعيل الكاطع فقال:كاظم ينحت الشعر وهناك فرق بين من ينحت الشعر وبين من يكتبه بالقلم .يحدثك عن الفرق بين الاداء والغناء فيشبهه باهمية الزخرفة بالنسبة للخط ويضرب لك مثلا بالخط التركي ثم يتكلم عن هاشم محمد الخطاط ويستذكر خطاطا مهما في مدينته (العمارة)وعندما قال له احد الاصدقاء بان هذا الخطاط مات قفز كريم متسائلا بعفوية:ليش مات؟ولم يسأله كيف مات ؟وكانه يرى بان المبدع يجب ان لا يموت. وقد ذكرني ذلك بحادثة الصحفية الالمانية التي زارت بغداد في السبعينات ودهشت حين رأت نصب الحرية وطلبت ان يعرفوها الى مبدع النصب ،وعندما اخبروها بانه ميت صرخت :لماذا تركتموه يموت؟ وهذه انسانة مسكينة لا تعرف ان هذا هو شغلنا منذ فجر التاريخ.واذا كانت الثقافة العراقية تاكل ابناءها وان اغلب من التهمتهم كانوا متقدمين في السن فانها تلفظ الآن وبلا رحمة ابنا في عنفوان شبابه وفي اوج نضج مهاراته الابداعية .
مسيرة كريم منصور الغنائية هي درس لمطربي (البطاقة التموينية)كما احب ان اسميهم لان عددهم يكفي لتخصيص مطرب لكل عائلة .الواحد من هؤلاء ياتي منعما ب (الحفاظات )المالية وتسنده مؤسسة من منتجين ومخرجين وكتّاب .. الخ؟انظر الى اية اغنية من اغاني الفيديو كليب وسيصدمك عدد اسماء الاشخاص الذين ساهموا في (اخراج) العمل فقد يصل الى خمسين شخصا وكلها فلوس .سجل كريم واحدة من اجمل الاغاني العراقية وهي (بس تعالوا) بلا اضاءة وتحت الشمس وباستخدام مرأة بدائية ..والاهم من ذلك هو انه سجلها خلال اجازاته الدورية حيث كان مقاتلا في الجبهة ياتي بملابسه المعفرة وحذائه العسكري الثقيل (البسطال).وعن تسجيل هذه الاغنية يحق له ان يؤلف قصة عنوانها (معاناة مغني برتبة جندي مكلف )كم مرة ضاعت هذه الاغنية؟كم مرة تدخل الفنان كاظم فندي للبحث عنها بلا جدوى؟كم تحمل كريم من عذاب الاحباط والانتظار وطعنات(المؤامرات الصغيرة) . وعلى ذكر الخدمة العسكرية فان مجايلي كريم ومن اعقبهم من المطربين الشباب كان اغلبهم يمضون خدمتهم العسكرية في المقرات الخلفية منعمين او يعفون من الخدمة من خلال علاقاتهم.عاش كريم طفولة قاسية وشبابا اقسى في العمارة –الام العظيمة التى ارضعته العذاب المقدس .وفي عمق الاهوار حيث امضى سنوات مضنية معلما لم يترك القراءة ولم يتخل عن عوده- رفيقه الأمين.ومن ظلمات الأهوار كان يستميت للحصول على شريط بصوت المبدع الكبير (كوكب حمزة ) وكان الاخير محظورا آنذاك.حصل كريم على الشريط عن طريق صديقه (هادي بريسم) وبسبب عدم وجود كهرباء في الاهوار انذاك ولانه يريد الحفاظ على طاقة بطاريات آلة التسجيل فقد كان يلف الشريط بالقلم ..وفجأة انفلت الشريط وسقط في مياه الهور، فقام واحد من تلاميذه  وهو(كاظم نهير)بالغوص واستخراج الشريط.يقول كريم ملاطفا: شغلت الشريط فجاء الصوت (ستيريو)لانه كان مبللا.
في عام 1991تعرفت الى كريم منصور دون ان اراه.كان تعارفا ماساويا ومليئا بالمرارة .كنت جالسا في غرفة مظلمة اراجع نفسي وما فعله القصف الوحشي بالعراق آنذاك.دموعي تجري بلا هوادة.ارى من خلال الشباك امي مفرعة وقد كشفت راسها بشعر الشيخوخة الاحمر وبضفائرها الصغيرة الطاهرة تخاطب الله وتقول: لا تتخلى عن الحسين الشهيد مرة ثانية . جاءني شقيقي الأصغر-احمد وقال: خذ واسمع هذا الشريط كعلاج وفيه اغنية محددة لمطرب جديد اسمه (كريم منصور)هي (جنة مرتاحين يمّه..جنه فرحانين يمّه .. امنين اجانه هالصبح وشجابه النه ).. ادرت الشريط/ الوصفة العلاجية فشفيت نسبيا .يتكرر الامر بعد سنوات وامّي العظيمة مصابة بسرطان الرئة الذي فتك بجسدها النحيل وسرطان الجراد الاسود يفتك بجسد العراق   .. فتنسفح دموع الروح الهادرة ويستقبلها صوت كريم منصور :-دكلّي يا عراق اشوكت نرتاح ..
وكريم ليس سياسيا ،بل يكره السياسة ولكنه سياسي بهذه المعاني: بشعوره الملتهب بمسؤوليته الوطنية الغنائية تجاه شعبه،بايمانه بالكلمة التي تحيي وتميت ،بعشقه الخرافي لبغداد المحروسة بالله ، بولعه المميت بتراب (العمارة)المتجبرة ذات الجمال المفترس . وقد شكوت لكريم من ظاهرة كثرة( الابطال والمتضررين) الذين نفضوا ايديهم من كل شيء وباتوا يزايدون علينا ويتصرفون كمناضلين وفرسان زائفين فقال بتعبير موجز ومؤثر:- دكتور.. من لم يقل كلمته في ظل النظام السابق ،لايحق له على الاطلاق ان يقول اي شيء الآن.
سؤال بسيط : هل هي مشكلة كريم انه لا يعرف من اين (تؤكل) الكتف الغنائية العراقية والعربية ؟ هل هو عائق في مسار تطورك ان تكون صادقا وحازما ؟
ونداء أخير : يعاني  (كريم منصور) من سوفان وثضيق الفقرة العنقية الخامسة والسادسة والسابعة .. وشدة السوفان تتزايد بسبب انحناءة كريم المزمنة على عوده وستؤثر على انامله التي هي سلاحه الوحيد في حياته.
فمن يسمع ؟من يستجيب؟ ومن يفتح باب طلسم العذاب العراقي ؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أسامة غانم : المغامرة السردية في ذاكرة النص .

  يستمد الروائي حامد فاضل في روايته ” لقاء الجمعة ” * عناصر روايته التكوينية …

| جواد الحطاب : …. ينتظرنّك البدريات عبالي : ارتبلك عمر .. وأيّام مفطومات / في رثاء د. حسين سرمك.

…. ينتظرنّك البدريات عبالي : ارتبلك عمر .. وأيّام مفطومات ………………………………………. . يكولون يا سرمك …

4 تعليقات

  1. والله يادكتور حسين ان كلماتك هي علاج نفسي للمبدعين يحس بها ويتفاعل مع حروفها الصادقة االنبيلة الشاعر عيسى الياسري والكاتب ناظم السعود والقاص فرج ياسين والناقد سليمان البكري ولكن الذين يفكرون بجيوبهم وبدنانيرهم ودولاراتهم اصابهم الله بعمى الالوان والاصوات لذا تراهم لايفقهون اي شيء ….اي شيء
    وكأنما كل الظروف والويلات التي مرت علينا هو شيء طبيعي
    لكن المبدع ناظم السعود اصيب بعدة جلطات والمبدع الياسري اشترى قدما ثالثة له لتعينه على بلواه في الغربة القاتلة والمبدع البكري لم يخرج من منزله بعد الذي حدث في مدينته والمبدع فرج ياسين ظل اسير بيته ايضا ووحدته ينتظر الفرج من السماء هؤلاء هم ضمير العراق والانسانية لانهم يفكرون بقلوبهم التي تنبض بالحب والسلام

  2. اسعدتنا يا ابا علي، والسعادة لم تكن بسبب ورود أسمي، لكنها تكمن في كتابتك المنصفة بحق الحبيب المشترك كريم منصور، اتدري قبل ثلاثة أيام وكنت في الكوستر بين الباب المعظم والشعب وانطلق صوت كريم من مسجل السيارة( غريب آنه..) فاجهشت بالبكاء وطلبت من السائق التوقف مع انني في نصف الطريق وسط دهشة الركاب.

  3. حسن دعبل

    اشكرك يادكتور على هذه اللفتة ، لحنجرة عراقية موجوعة بتاريخها
    وكريم وجع ينوح وهو يعلنها ، حديقتنا التصافي &جاي من تالي الوكت …….

    فتحية لكريم في أي مكان يكون ، وهو يصرخ : بس تعالوا ……………….

  4. كريم منصور أفضل مطرب عراقي وصوت لايتكرر مطلقا سلامتك من ابو حاتم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *