د. حسين سرمك حسن : كتاب جديد لشكيب كاظم السعودي: “المرء يلقي عصا ترحاله : قراءات في كتابات”

hussein sarmakمنذ كتابه الأول : (الضفة الأولى : مقالات في الثقافة والنقد) (2000)، والذي تشرّفتُ بكتابة مقدّمة له، تميّزت كتابات الأستاذ “شكيب كاظم السعودي” بسمة أسلوبية مهمة جعلت تلك الكتابات تكتسب خصوصيتها بين كمّ الكتابات النقدية والمقالات الثقافية الكبير بل الخانق، وتوفّر لها عامل جذب يشد القاريء ويمتعه؛ هذه السمة هي سمة التصحيح الثقافي والتاريخي لما يطرحه الكتّاب في مقالاتهم من معلومات وحوادث وأفكار وآراء. فالذاكرة العراقية عموما وذاكرة الكتّاب خصوصا تتعرّض إلى عوامل “تعرية” كثيرة مصدرها الزمان الذي لا ترحم مخالبه، وقلّة المراجعات التوثيقية، واستسهال البعض الكتابة في الشؤون التاريخية كجزء من سمة عدم الجدّية في الشخصية أو أمن البعض من عدم وجود جهة “رقابيّة” ترصد هفواته وتضخيماته وعدم دقّته. نحن بحاجة – وخصوصا في هذه المرحلة التي تشيع فيها الفوضى في كل شيء، ويحتقن الغضب على التاريخ ورموزه كجزء من الإحباط العام الموصل إلى المازوخية الشخصية – إلى “رقيب” ثقافي حيّ الضمير لا يجامل وذي عين يقظة لا يخافون في حقوق الذاكرة الوطنية الثقافية والعامة لومة لائم . وشكيب كاظم من هذا النوع . في كتابه الأخير: (المرء يلقي عصا ترحاله – قراءات في كتابات) (الطبعة الأولى- 1013) نقف أمام واحدة من الشهادات على ذلك. ولندع الكاتب يلخّص لنا في مقدّمة الكتاب أهمّية ومضاعفات بل ضريبة هذا اللون/ السمة الأسلوبية من ألوان الكتابة :
(هذا لون من ألوان الكتابة، لم يتولّه إلا قلّة من الكتّاب، لأن من يتولّاه ويكتب فيه يصيبه شيء من وجع الراس والنفس وبعض أذى؛ لأننا جُبلنا على كيل الثناء والمديح ، وأصبحت تلك ثقافة شائعة فينا. لكنّي آثرتُ الكتابة فيه – لا رغبة في إثارة الضغائن والخصومات – لكن بحثاً عن الحقيقة أو ما أراه حقيقة ، وجعلتها الهدف الذي أرنو إليه – ص 9).
ويشير الكاتب إلى حقيقتين مهمتين: الأولى هي أنه بدأ هذا اللون من الكتابة منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، والثانية أن كتابه هذا الذي بين أيدينا هو الثاني في هذا المجال بعد كتابه المقالي الأول: (في التراث والثقافة والأدب – قراءات في كتابات) الذي أصدره في بغداد عام 2005. وتهمني الإشارة هنا إلى أنني قد عرضتُ هذا الكتاب سابقا ونوّهت بأهميّته وبفضائل هذا اللون من الكتابة آنذاك.
shakeb kadum 2وقد استعار شكيب عنوان كتابه من بيت شعر شهير لمعقر بن حمّار (أو عمرو بن سفيان) البارقي يقول فيه :
فألقتْ عصاها واستقرّ بها النوى
كما قرّ عيناً بالإيابِ المسافرُ
لكن هناك كان معقر أعمىّ تقوده ابنته فيسألها عن أسهل الناس لكي يستقر بينهم و “يلقي عصا ترحاله” إلى أن تناهى بهما الناس فقرّر أن ينزل ويستريح. لكن شكيباً يؤلمنا ويوجع نفوسنا وهو يتحدث عن الأسباب التي تدعوه إلى مغادرة هذا اللون المهم من الكتابة :
(أظن أني سألقي عصا الترحال مغادرا هذا اللون الكتابي ، لأسباب عدة ، منها ما يشبه ضمور الرغبة في الكتابة بهذا المجال ، وتسلّل الوهن إلى الذاكرة ، فضلا على شيوع الخطأ وفشوّ الغلط وفوضى الكتابة ، حتى ما عاد بمكنتك متابعة هذا الطوفان – ص 9) .
إن مغادرة الأستاذ شكيب هذا المجال الكتابي لهو خسارة كبيرة للنقد والثقافة خصوصا أننا – كما قلت- نعيش فوضى حقيقية صار فيها كلّ من هبّ ودبّ يلقي عصاه – وهي قصيرة ورهشّة – في كل شأن حتى فيما لا يعنيه . نحن في مرحلة “الإستسهال” و”الخفّة” . قبل مدّة كتبت مقالة في إحدى الصحف قلت فيها أن الشخص الفلاني يكتب نصوصا شعرية جميلة تستحق أن تُنشر في الصفحة الأدبية للصحيفة المعنية، وعُمل بالمقترح وبدأ هذا الشخص بنشر قصائد نثر في الصفحة بدأ مستواها يهبط نصّاً بعد آخر.. وقبل أيام بدأ بكتابة النقد في مجال الشعر. هل نحن الذين نساهم في الفوضى والخراب ؟ يجوز ذلك والمصيبة تكمن في نويانا الطيّبة .
يحتوي كتاب شكيب كاظم هذا خمساً وعشرين مقالة كُتبت، في أوقات مختلفة يحكمها نهج التصويب والتصحيح الدقيقين . وسأقوم بانتقاء نماذج منها :
-في مقالته (جبران مُنشئا رومانسيا وليس سياسيا) يصحّح الإتجاهات المغلوطة التي تحاول إضفاء سمة رجل السياسة على جبران حتى بالتلفيق بل الأكاذيب: (ثم ما هذه المبالغات، إن لم أقل الأكاذيب التي انطلت على السيّدة الأمريكية طيبة القلب ماري هاكسل، يريها ندبة في ذراعه ويقول لها أن الأتراك أطلقوا النار عليه حينما وقف خطيبا في باريس يهاجمهم- ص 15).
والأهم هو حديث شكيب، بلا تردد وبصراحة، عن تعصّب جبران الديني الذي يجعله يقف فوق العروبة بل يشوّهها (ص 12) . المشكلة أن بعض من كتبوا عن جبران – وهذه من سمات الفوضى النقدية لدينا محلّياً وعربياً – كتبوا بطريقة “إنتقائية” يختارون ما يناسب تصوّراتهم وتمنّياتهم ، وحتى بعض خيالاتهم : (لسنا كباقي السوريين .. إن فينا دماء فرنسية وانكليزية وأوروبية أخرى من زمن الصليبيين – ص 12) .
-بالرغم من إشارته إلى الآصرة المعرفية التي تربطه بالدكتور سيار الجميل فإنه يصحّح للأخير معلومات خاطئة ذكرها عن الروائي الجزائري “محمد ديب” :
(أقول: إن حديث الدكتور سيار الجميل يوحي للقارىء ، أنه لم يطّلع على الترجمات العربية لأدب محمد ديب، وإلّأ لما طالب بترجمة أعماله كلها .. في حين أن المترجم الدكتور سامي الدروبي أنجز عام 1960 ترجمة رواية (الدار الكبيرة) لديب في ثلاثيته – ص 18) (كما لم يكن أدب محمد ديب نسيا منسيا في عالمنا العربي منذ عقود طويلة كما يقول الجميل بل قرأت الكثير من الدراسات عنه وعن أدبه – ص 19).
kh shakib 2-في مقالة (ألف ليلة وليلة عربية الأصول، لم يترجمها ابن المقفع، بل ترجم كليلة ودمنة ) يصحّح خطاً فادحا لأحد الكتاب الذي قال في مقالته (يرجح الباحثون بظهور كتاب ألف ليلة وليلة الذي ترجمه الأديب الكبير عبد الله بن المقفع عام 142 هـ ، من كتاب هزار أفسانة المكتوبة باللغة الفهلوية إلى اللغة العربية) .تصوّر كاتبا لا يفرّق بين ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ؟!
-في مجال التأريخ السياسي – ووجود مقالات في هذا الشأن من حسنات الكتاب – يصحّح معلومة عجيبة لكاتب يقول فيها أن الرئيس الأمريكي روزفلت قد دفع الكونغرس الأمريكي لاتخاذ قرار دعم الثورة الكوبية)، في حين أن (الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت – وهناك رئيس أمريكي آخر باسم ثيودور روزفلت – لم يكن معاصراً لكاسترو وجيفارا ، كي يدفع بالكونغرس الأمريكي لاتخاذ قرار دعم الثورة الكوبية . فيوم انطلقت الثورة الكوبية بقيادة كاسترو في السادس والعشرين من تموز عام 1953 كان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قد مضت على وفاته سنوات وسنوات إذ توفي فجأة يوم الخميس الثاني عشر من شهلا نيسان 1945- ص 45 و46).
-في مقالة (وقفة عند آراء العليّين: الفوّاز وحرب) يهمني أن أذكر وبألم ما علّق به شكيب على اتجاه الكاتب علي حرب في جمع مقالاته في كتب ، يقول شكيب :
(تُرى هل يقرأ هذا النص خبير الشؤون الثقافية الذي حجب كتاباً لك أنت أسميته (قراءات في كتابات) بحجة عدم وجود لديه (هكذا؟!!) وحدة موضوعية – ص 57). خبير لا يجيد التعبير باللغة العربية يرفض نشر كتاب لشكيب كاظم !! وشكيب – كما أعرف – حُجّة في اللغة العربية ، ناهيك عن أن كتابه المحجوب هو من بين أمتع الكتب التي قرأتها في عام صدوره، وأعتقد أنني كتبت عنه عرضاً وافياً آنذاك إن لم تخنّي الذاكرة.
-في مقالة (.. الرصافي لم يبع السجائر) يصحّح معلومة لناقد نقلت عنه الصحفية رشا فاضل قوله أن الرصافي كان يبيع السجائر مثل الصبيان وأمامه صندوق يعرض بضاعته عليه : (لأصحّح هذا الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون ، ونحن غالباً لا نمحص في المرويات ، ولا نعرضها على العقل ووقائع الحياة والأشياء ، بل نأخذها مسلمات.. فالرصافي لم يبع السجائر فكانت أخلاقه وأنفته تمنعانه من إتيان هذا العمل ، مع أن العمل أي عمل شرف لصاحبه … الذي حصل أنه قدم طلبا إلى مديرية الكمارك لغرض منحه إجازة لبيع السجائر كان يبيعها جملة – ص 141 و142) . ترى كم سرنا على هذا الوهم (المازوخي) الكاذب؟
لا أريد أن أفسد متعة القارىء في استعراض مقالات الكتاب الأخرى الممتعة . لكن تبقى ملاحظة أخيرة مهمة تتعلق بجانب أسلوبي لدى الأستاذ شكيب كاظم وقد عاب البعض عليه مزاولتها في كتاباته النقدية لكنني أجدها ممتعة بل كبيرة الإمتاع ، وهي المتمثلة في إفاضة شكيب في تناول موضوعاته شخوصا ومعلومات. إنه يقدّم لنا رحلة يسير فيها معنا وبيننا الشخصية المعنية أو الموضوع المطروح؛ جلسة حوارية يستنطق فيها الأشياء والظواهر من مخزون ذاكرته الحي، فتحسّ بالظاهرة – شخصا أو موضوعا – حيّة بلحمها ودمها، وليست مجرّد كلمات سريعة تقدّم “ملابسها” فقط.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. سناء الشعلان : الكوفحيّ يصدر كتابه “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” .

صَدَرَ حديثاً في العاصمة الأردنيّة كتاب “تحدّي الإعاقة الجسديّة في نماذج من قصص الأطفال” للأستاذ …

| مولود بن زادي : مباريات الجوع: السلسلة التي تجاوزت مبيعاتها 100 مليون نسخة! .

بقلم: مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة بريطانيا   كان للميثولوجيا الإغريقية عبر العصور بالغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *