شوقي يوسف بهنام : ومن هموم دحبور أيضا ؛ قراءة نفسية لقصيدة “بغير هذا جئت” (الحلقة الأخيرة)

shawki  5في هذه القصيدة نرى حزنا على الذات .. عتابا أو لوما للقدر . دحبور يحترق أسى على وجوده بهذه الصورة .. بهذا الجسد النحيل .. الجريح .. المفروض ان يكون أثيريا .. لا احد يتمكن من اللحاق به .. يدخل والأبواب مغلقة .. مثل المسيح .. صاحب الجنب المطعون .. جاء بسر ومضى بسر . وسره معه .. يلفه أبدا . نجد كراهية عميقة للجسد الماثل للآخرين …  الذين يتمكنون من الإمساك به . يقولون أين هو ؟ فإذا بواشي مثل يهوذا يقبله ويقول لهم : الذي اقبله هو هو .. فتحيط به الأذرع ويطعن ألف طعنة وطعنة . انتم مخدوعون .. واهمون . إنني لست هذا الذي مسكتموه .  لا تستطيعون قتلي .. مملكتي ليست من هذا العالم . وجسدي ليس مثل أجسادكم . أنه في صراع مع الجسد ..  ” أقتلوني يا ثقاتي ان في قتلي حياتي ”  * . ليس الصراع مع الجسد بل مع العالم . لنقرأ النص ونرى اي حزن يعيشه صاحب هذا الجسد الذي توهم أو حار العالم به . حار بهويته . جاء ولا احد يعلم من أين جاء وكيف جاء ولا الى أين وكيف سيمضي .. انه المعجزة بذاتها . يقول دحبور :-
بغير هذا جئتُ ،
نام الشجر الحزين في يد العدو ،
فاستفقتُ ـــ
لا يفوح البرتقال من خلايا جسدي ،
و لا يدي تحجم السراب َ ،
جئت ، ليس لي معجزة ،
و لا أريد ـــ ـــ ـــ
لي يد تبحث عن خلاصة الأيادي  ،
وعندي شجر تعيدني إليه أحلامي ،و لا يعود بالأحلام ،
(الديوان ، ص 421- 422)
*****************
ذلك إذن هو جسد دحبور .. ذلك إذن هو دحبور ذاته .. من ِمن الناس مثله . والجواب لا احد . وعلى الرغم من تواضعه الظاهري الا انه مفعم من الداخل بالتفوق والامتياز والخوارقية العجائبية والاطلاقية . من له يد تريد ان تجمع رحيق الأيادي كلها ؟؟ . من له ذلك الشجر الذي لا يأتي الا بالأحلام . من له يد تهيمن على السراب ؛ تحجمه .. وتظهره كما تشاء !!  حتى خلايا جسده لا يفوح منها رائحة البرتقال . إذن كيف دخل البرتقال إليها ؟؟  . وكل هذه المعجزات ويقول ليست لدي معجزة و لا يريد .. !!! . وعلى هذا الأساس . اعني لكونه  المعجزة بذاتها وليس بالمعجزة نراه مغمور بالحزن .. مفعم به .. لندعه يقول ذلك صراحة :-
ahmad dahbor 3حزني يستتُّب ،
( كان حزني ملكا ً فتوجته الحرب )
نام الشجر الحزين في يد العدو ،
كنتُ أهوي من سنام الجمل الشيخ ـــ
إلي يدين رخوتين فاصطدمتُ :
آن للمخيم الهوان أن يغور
آن للأرض التي ضبطتُها تموت ان تدور َ ،
آن َ لي . . . وآن َ . . . ،
(الديوان ، ص 422)
********************
سوف أقف عند الهوي من سنام الجمل الشيخ لكي نرى ما هي رمزية الجمل في التراث الإنساني عموما . يقول الباحث اللبناني صاحب معجم الرموز عن تلك الرمزية ما يلي :-
” عموما الجمل رمز الصبر وتحمل المصاعب ، يرمز الى آسيا بصورة الجمل ، نظرا للقوافل الطويلة التي كانت تعبرها .
1- يعتبر الجمل ، مثل حيوانات كثيرة ، حيوانا مدنسا ، الا ان الصوفية أعطته معنى ايجابيا في رمزية سائق الأضعان .
2- الجمل ، سفينة الصحراء عند العرب هو المطية الأساسية في عبور الصحراء ، والوصول الى المركز الخفي ، الجوهر الإلهي مثلا .
3- في آسيا الوسطى ، يرمز الجمل الى الادعاء والتعجرف ، نظرا لكبر حجمه . وهناك كلام على الجمال الطائرة ، على غرار التنانين والأفاعي المجنحة (1) .
وأيا كانت الرمزيات التي يوظفها دحبور فإننا نميل الى الظن ان الرمزية الثانية أعلاه هي التي كان ينطلق منها . لأنه استخدم فعل الهوي . انه من أصول خفية .. لا يعرفها احد سواه . وهذا التوظيف يتوافق مع الرمزية الثالثة التي تعد نتيجة لها أو تحصيل حاصل . المهم هو انه لا يمت إلى عالمنا المنجرح هذا بصلة ما . ومن هنا هذا الشعور بالامتياز والتفرد . لقد سقط من مكان ما . هوى من علياء ما .. وعندما نرى الى مكان سقوطه  سوف ندرك انه يمتلك شعورا بظلم القدر وقسوته عليه . وكأني به يقول إنني لم آت بمشيئتي . السقوط أو الهوي من سنام جمل شيخ هو اعتقاده انه جاء من مكان مجهول .. عال .. شاهق . تلقفته يدين رخوتين . هنا تعبير عن تعلق اوديبي بالأم واضح المعالم . انه صدمة الميلاد ، وفق نظرية المحلل النفسي الهنغاري ” اوتو رانك ” . أين كان وأين هوى ؟؟  في المخيم الهوان والذل أو على الارض التي يرغب في السيطرة عليها وتشكلها كيف ما يشاء . ولن يجعلها ان تدور ابدا ..ابدا .. خطفها من قرن الثور وترك الثور هائجا في أرجاء هذا الكون .. وراح دحبور يهيم على وجهه . لنرى ما حل به بعدما اختطفه القدر اللعين على حين فجأة . يستطرد فيقول :-
هكذا انتزعت ُ بندقية من أسرِها
فانتزعتني من مخيم الهوان ،
من رآني سيدا لغبطتي وقهري ؟
ومن رآني حاكما بأمري ؟
أملك أن تسحرني عينان
أملك أن أضحك أو أموت
أملك أن أعطي الهواء سري
وأطلق الخيل من الرؤوس والبيوت
(الديوان ، 422 – 423)
الا ان القدر لم يكن مخطئا في خطفه لدحبور من عليائه ويأتي به الى مخيم الهوان على ما يبدو . لقد ظلم دحبور القدر إذن . لو بقي على سنام جمله الشيخ ولو لم تتلقفه يدين رخوتين لكان مجهول الهوية .. محجوبا عن عيون العالم مخفيا عنها . لبقي مجهولا تكنفه الإسرار وبقي عالمنا في جرحه غارق حتى النخاع . لقد جاء .. للعالمين . جاء … له !! . ها هو قد جاء . أترون ما فعل ؟ . لقد غير معالم الارض  ووجهها كلها . وأعظم شيئ فعله هو انه حرر بندقية من أسرها .. كانت البندقية حكرا على العدو الذي جعل الشجر ينام على يديه .. لقد أصبحت البندقية الآن تحت أمرته . كل شيئ في هذا العالم  يأتمر بأمره . يستطيع ان يموت و ان يحيا . يعبر الحياة الى الموت وبالعكس . ويطلق الخيل .. يطلق كل المأسورون في الأرض . كل اصحاب الزنزانات . ويمنحهم هبة الحرية . وأخيرا استطاع ان يعطي سره للهواء . ترى من يستطيع ان يفعل ما يفعله دحبور ؟؟ . وفي غمرة هذه النشوة الاطلاقية للتنرجس والتفرد . جاءه صوت من المذياع  : انك الملك . انك …. يقول دحبور :-
وفجأة تُوجَّتُ :
هل أصدق المذياع أم هويتي ؟
وهل قطعت ُ هذه الجبال أن وصلتُها بخطوتي ؟
لعل رأسي لم يكن معي هناك ــ
” هل تحب الجن بالليمون أم تفضل الوسكي ”
(الديوان ، ص 423)
***********************
لقد سلطن دحبور في البار إذن . احتسى كؤوسا من الجن ولم يكن معه الليمون . ولذلك انطلق في هواه .. صار هو والهواء صديقان . ألم يمنحه سره مرة وأطلعه على هويته يوم كانا يسيران معا ويقطعان الجبال بطولها وعرضها . وحينها لم يعرف دحبور انه يمشي بلا رأس . تصوروا .. جسم يطير في الهواء وبدون رأس . أهي جثة هائمة تبحث عن قبرها . أم جثة مسروقة ويتنازع عليها فريقان من الملائكة والشياطين مثلما تنازع الملائكة حول جثة موسى عندما مات وكان النزاع حول مكان قبر موسى . الا تقول التوراة بأن موسى صعد الجبل ولم ينزل منه ؟. لقد ضاع فيه . دحبور لا يدري كذلك هل قطع هذه الجبال سيرا على الاقدام أم وصلّها بخطوته . الجبال تتبع خطى دحبور . الآن هو الملك . الا ان صوت النادل أزعجه وأعاده الى ذلك البار الصغير ذو المقاعد والمناضد القديمة والكؤوس القذرة التي يحتسي بها جميع المتسولين .
– هل تحب الجن بالليمون أم تفضل الوسكي ؟”
يا لهذا النادل المزعج . لقد أزعج الملك بهذا السؤال الذي يسمعه كل ليلة ..
– أنت تعرف يا هذا .. ان الجن لا يمكن احتسائه بدون الليمون !! . وأنا لا استطيع تناول الوسكي لأني لا املك ثمنه ..
لكن صوت آخر باغته .. انه صوت صاعد من أنفاس دحبور الآتي من مخيم الهوان حاملا معه بندقيته وله أسرار وهموم مع رفاقه . ها هو ذلك الصوت يقول :-
– ” ستحكي للضيوف ، الآن عن عشق الفدائيين –
كانت تجمع العشاق ، والطوابع النادرة ، التجار ، والقادة ،
كنتُ طابعا ، . . .
وعندها أعادني البريد
هل أخطأ المرسل أم فقدتُ سعري ؟
هل أرجع الآن وقد أنفقت في الطريق نصف عمري ؟
أم أبدأ العنوان من جديد ؟
( الديوان ، ص 423- 424 )
*************************
صار دحبور الآن زبونا دائميا لهذا البار الوضيع وقد اعتاد صوت نادله المزعج هذا الذي يكرر السؤال عينه كل ليلة :-
هل تحب الجن بالليمون أم  تفضل الوسكي
هجر الجبال وترك الهواء وكذب المذياع وعاد الى فصيل الفدائيين الذي ينتمي إليه . أليس هو شاعر .إذن سوف يروي للضيوف قصص عشق رفاقه . في النص إشارة الى امرأة مجهولة  تجمع بين ذراعيها … العشاق والطوابع النادرة والتجار والقادة . هذه المرأة مهووسة بجنون التملك تريد ان تملك كل شيئ . والنادر منها على وجه الخصوص . ومن حسن حظ دحبور انه كان الطابع الأندر بين هذه الطوابع المركونة في خزانتها . لكن دحبور دائما سيئ الحظ . أنه نحس اينما يمضي . تغلق الأبواب بوجهه . ويطرد بعيدا .. شاردا .. وبدلا من أن يكون الطابع المطلوب والرائج . ذلك الطابع الذي يلصق على كل المستمسكات التي يجب على اي فرد ان يقدمها لكونه منتميا للدولة التي أصدرت هذا الطابع . انه طابع الدولة .. شعارها .. هويتها .. رايتها .. علمها الذي يرفرف على مؤسساتها . البريد أعاد الطابع . لقد زالت أهميته . لم يعد متداولا ولم يعد يعول عليه كدالة للهوية . عاد دحبور الى حيرته من جديد . حيرته إزاء هويته ورسالته التي هوي من اجلها من سنام الجمل الشيخ . لقد في اخذ الطرق نصف عمره . هل كان مخطئا . لم يحسب لخطوات هذا الطرق اي حساب . هل يغير مسار طريقه بعنوان جديد . هنا يتناص دحبور بعبارة المسيح ” ليس لنبي كرامة في وطنه ” . لقد اخطأ القدر مرة أخرى اختيار دحبور في غير زمانه . يترك القدر ويمضي يواجه محنته من جديد . السؤال الذي يلاحقه اينما مضى : لماذا جئت َ ؟ لماذا هويت من سنام الجمل الشيخ ؟ يستطرد دحبور تلك المحنة وهو لا يزال يحمل بندقيته على كتفه .. لقد جاء من مخيم الهوان و لا احد يعرف متاعبه .. حتى ضباطه في المعسكر أو مخيم التدريب . يقول دحبور :-
بغير هذا جئتُ ،
خط ينحني علي َّ  ــــ
من ملازم الدورة ،
حتى شاعر المساء والسهرة ،
خط ينحني على النهار ،
– هل حفظت جدول التقسيم ؟
– لم أدع إلى الدرس ،
– لعبت َ بالتراب ؟
– ليس لي طفولة تراب ،
فوقي هرم الغبار :
(الديوان ، ص 424 – 425 )
***********************
الآن هو فدائي منتمي .. مؤدلج .. مثل البقية .. يحمل بندقية وله قضية . جاء من مخيم مثلما جاء الجميع . ومع ذلك فالشعور بأنه غير مفهوم .. لغز .. أحجية  ما زال يرافقه ويعيش معه . ألم يقل  في مطلع نصه هذا ان خلايا جسده لا تفوح بالبرتقال ؟ ولازالت لا تفوح بتلك الرائحة .. بل برائحة الشؤم والنبذ والغربة والرفض . ودحبور ، الآن يعيش ليس فقط مأساة المخيم .. بل مأساة التشرد والضياع لكونه رجل صار صاحب قضية . طفولته .. طفولة جرداء .. مملوءة بالشوك .. ليست طفولته بل ما يزال هذا التصحر يغزو حياته كلها .
فوقه هرم الغبار
أنه لا يجد أحد يشكو له همومه . متى سوف يتخلص من ذلك الهرم . انه وحيد يدور حول ذاته . خطه ينحني عليه بدلا من ان يمتد إلى الأمام .. الجميع لا يرون الأضواء التي تسطع من دحبور . لماذا لم يحفظ جدول التقسيم وليس جدول الضرب ؟ نميل إلى الظن ان هذه إشارة إلى انه واقعه .. حياته .. أرضه .. وطنه لا يعرف غير التقسيم والتجزئة والتمزق  وليس الضرب . حياته كلها خنوع وخضوع وتبعية . القدر يلاحقه اينما سار ومضى . مهما فعل لا يحرك ساكن من حوله . يتجلى هذا الهم في قوله :-
إن غنيتُ هل تسمع أمي ؟
إن أذعتُ الضوء هل أنجو من التعتيم ؟
إن كشفت سر الورد هل يدمي يدي َّ الشوك ؟
( لا تصفق اليد الواحدة : اليدان تفعلان )
(الديوان ، ص 425)
********************
إذن مهما فعل . فلن يغير من الأمر شيئا . كان في نيته تغيير العالم .. كما حلم ماركس في بيانه الشيوعي . لاهوته لم يتجلى في ناسوته . بقي لاهوته محجوبا عن الأنظار . فقط تجلى ذلك اللاهوت في الحلاج فقط . دحبور بقي مدفونا في داخله . أضوائه لا يمكن لها ان تهزم التعتيم . تراتيله لا تصل إلى مسامع أمه . حتى لا تصل الى أذنه اليسرى !! . حتى لو اكتشف سر الورد فالشوك سوف يبقى هو الأقوى وسوف يدمي يداه . انه معطل .. ملفوف حول نفسه .. لا يعرف الانتشار . انه يد واحدة . واليد الواحد لا يمكنها التصفيق !! . مهما فعل فالقدر يبقى له بالمرصاد يمنعه من كشف لاهوته !! . جاره يعاتبه .. يلومه .. يراه يعيش في بحر من الوهم .. يشفق عليه يخاطبه فيقول :-
قال جاري . . . ورآني ساهما ً فغير الموضع :
أن تجوع في بلاد الوهم والغربة . . . مفهوم ٌ ،
وأن تهاب أهل الحكم والهيبة . . . مفهوم ،
ولكن أن تجوع تحت سقف النار ؟ …
أن تهاب مرآتك َ ؟
(الديوان ، ص 425)
**********************
انها بمثابة صعقة كهرباء .. أعادته إلى صحوه . انك تخاف مرآتك .. تلك هي المحصلة . فلماذا التشبث والإصرار .. لماذا العناد والمكابرة .. لماذا الكبرياء والعجرفة . أنك َ مجرد دعي َّ لا غير . يستمر الجار في العتاب ودحبور لم يصحو الصحو الكامل بعد ، وإذا شئنا الدقة .. دحبور يمارس حيلة انكار الواقع واللامبالاة . انه مثل النعامة عندما يداهمها خطر فتضع رأسها في الأرض وجسمها يبقى مكشوفا في العراء .. ما الفائدة من دفن الرأس يا نعامتنا الجميلة . يقول :-
جاري يسكب الشاي ،
وعيناي على الجدار ،
صاح فجأة : لمن يفور النبع والشلال ؟
للشجر المنفي أم عصا المرشال ؟
(الديوان ، ص 425 – 426)
**********************
الجار يصب له الشاي . ما زال ودودا معا .. تؤنسه مجالسته .. أليس جاره ؟ والله أوصى بالجار السابع . يعزيه لأنه يراه مهموما .. منكسرا .. مشغول البال دائما .. . الا ان الشفقة لها حدود .. لها أسوار .. لا يمكن تجاوزها والغض عنها . إلى متى يبقى يجامله ؟ إلى متى يبقى يسايره .. إلى متى يبقى يبحر معه في بحر أوهامه . سوف يبرد الشاي ودحبور يتأمل الجدار . انه محاط بجدران سميكة تفصله عن العالم . بينه وبين العالم هوة بلا نهاية . يا هذا :  صاح الجار .. منفجرا .. كالبركان حينما يقذف حممه .. الا ترى ما يحدث من حولك . وأنت … أنت منشغل بأوهامك .. غارق بها .. النبع والشلال يفوران وما مصير الشجر البعيد عنك .. هل لعصا هذا المارشال اللعين ..؟؟ . يتركه ويترك الشاي ويمضي ليصرخ بوجه العالم :-
بغير هذا جئت ُ ،
جوعي كامل ٌ ،
ولم أذق بيروت قبل هذه المرة ،
ـــ هل رأيت َ وجهيها ؟
ـــ رأتني بوجوهي ،
دخت َ في الحضرة ؟
ــ جوعي كامل ٌ ،
وكنت أصحو كلما شبعتُ منها ،
ـــ لم تكن تصحو إذن ،
(الديوان ، ص 426)
**********************
شاعرنا دخل في عالم الوجد الصوفي . بل قل العكس لقد تجلت أقداسه وانكشفت حضرته . حتى أن العالم البيروتي كله داخ أمام حضرته .. بيروت بلد الأرز .. حاضنة الشعراء والفنانين والمفكرين والسائحين . مثلما كانت موسكو الحمراء حلمهم الاكبر . ها هي بيروت لدى شاعرنا صارت معكوسة الدلالة .. فبدلا من ان يضيع في عوالمها .. ضاعت هي في عوالمه . لقد رأى وجهين من وجوهها فقط بينما هي رأت دحبور بكل وجوهه . وينبغي ان لا يفوتنا أمر مهم الا وهو ان دحبور لم يحدد عدد الوجوه التي رأته بها بيروت .. بل ذكر وجوها غير محددة وهذا يعني ان لدحبور وجوها لا تحصى .. وبالتالي فانه قادر على ارتداء اي وجه يريد . دخلا كليهما في وجد وتوله احدهما بالآخر .. هو وبيروت . ولكن ثمة امتياز كان به يتفوق عليها .. هو يصحو من ذلك الوجد كلما شبع منها بينما تبقى هي غارقة في وجدها حتى الثمالة .. بل لم تصحَ على الإطلاق . والنتيجة انها صارت سما للسائح المشبوه . سواح بيروت كثيرون . ونواياهم بكثرتهم . ليس نقيا كل سائح يأتي إليها . هناك سواح يأتون إليها ولهم مآرب أخرى . فقط دحبور من كان السائح الوحيد الذي دوخ بيروت بحضرته . حتى الورد في بيروت صار ضحية لسمها . استاء دحبور من غضب جاره عليه . وضع حوله أعدادا من علامات الاستفهام . غادره وقرر بان لا يشرب الشاي عنده ابدا . التفت إلى جاره الآخر .. لنرى كيف يصف لنا دحبور هذا الجار الذي قرر ان يجرب شرب الشاي عنده من الآن فصاعدا . يقول عنه :-
وجاري َ العامل بين عائش وميت ،
يقول هذا : أول الهوة ،
كانت طفلتي تلعب حين ابتسم القناص ،
ـــ لا ،
ـــ يجن في الليل والرصاص ،
ـــ أخرسنا كمينا ،
ـــ ربنا الساتر ،
ـــ يا محمد الإسلام ، يا عذراء ، كونا معنا ،
أما أنا ،
فلم يكن صوتي معي ،
كنت حزينا ،
(الديوان ، ص 427)
************************
جاران يعيش بينهما دحبور في حيه أو مخيمه ، إن شئت ، يمثلان نموذجين إنسانين متباينين . الاول له الوقت لصب الشاي لضيفه والحديث بأمور تجري في العالم . والثاني بين الموت والحياة . كان مهموما بطفلته وهي تسقط أمامه  برصاص القناص المبتسم . والمفروض ان يكون القناص في حالة تأهب وحيطة وحذر حتى يتمكن من التصويب نحو ضحيته على النحو الصحيح . لكن دحبور يصفه لنا بأنه كان مبتسما . فلماذا .. في تقديرنا ان الابتسام هنا دالة السخرية من الضحية . انه يتمكن منها وهو معصوب العينين . انها فريسة سهلة المنال  لا تحتاج إلى بذل جهد ما . بين سخرية القناص وشكوى جاره الثاني .. انفجر كمين منصوب . أخرسهما .. في الحقيقة .. اخرس الجار وحده . الا ان الله وأوليائه هم الساترين . دحبور إلف صوت الكمائن ومعتاد عليه منذ ان كان طفلا يتمرغ ويلعب في التراب . فمن البديهي إذن أن يكون بارد الانفعال إزاء صوتها . بل ان دحبور كان فاقد الصوت أصلا . ألم يسمع تقريعات وملامات جاره الأول وظل مع ذلك لائذا بالصمت . وها هو في حضرة جاره الذي بين الموت والحياة وهو يروي له قصته عن طفلته مع قناصها المبتسم . فسمعا دوي صوت الكمين ومع ذلك كان بارد الانفعال . كان دحبور جالسا هناك .. لم يك دحبور جالسا هناك . ** . فقط كان مغمورا بالحزن . ينتقل دحبور مثل نبي ثائر .. مغتاظ من واقعه .. غيور على شعبه .. مشفق عليه فخرج من صمته وعاد الصوت إليه من جديد ليقول :-
أيها الهم الفلسطيني لو عربك الجياع ،
لو صرفك ” البقاع ” ،
لو جئت على هوى يدي ،
أيها الهم الفلسطيني ،
نام الشجر الحزين في يد العدو ،
فاستفقتُ ــ
(الديوان ، ص 427 – 428)
********************
يبدو انه كان لا يزال تحت تأثير الوجد أو الجن الممزوج بالليمون الذي احتساه بالأمس .. فما رآه وما سمعه كان أضغاث احلام وكوابيس مزعجة .. وان هياجه وصراخه راثيا شعبه كأن تنفسيا وتخريجا للحزن الذي يشتعل بداخله فخرج الصوت بما يسمى بلغة الطب النفسي الكلام اثناء النوم  somniloquy. مثل السرنمة somanmbulism  وغيرها من أعراض الهستريا الانفصالية أو التفككية . انه انفجار نفسي داخلي . الصوفية ايضا تسمي  أو تربط الوجد بالسكر . الواجد سكران يقول شطحات ويتمتم بعبارات لا يفهمها غير السالكين في الطريق .. يا جاري .. لقد برد شايك ولن تفهمني . لست بحاجة إليه . انا الآن أفيض .. لدي ينابيع ماء .. شلالات من ماء تجري من جنباي . لكنك لا تستحق ان تشرب قطرة واحدة منها . انها ليست لك .. انها لشعبي .. لفقرائي الجائعين .. لأطفالي اليتامى والمشردين .. لأرامل شعبي اللواتي يخزلن الصوف على ضوء شمعة .
لو جئت على هوى يدي
لسقيتك مياه شلالاتي وينابيعي ومضيت بك بشمعتي الى الضفة الأخرى من النهر . سوف تعبر .. سوف تعبر .
لقد استيقظ دحبور أو استفاق ، على حد تعبيره ، من وجده .. من مكبوتاته .. الأحلام هي صديقه الوحيد .. ملجئه الأكبر .. ينام ليحلم .. فلينام إلى الأبد وليحلم الى الأبد . لكن المذياع كان له بالمرصاد . أزعجه من حلمه الجميل . من أمنياته . من بطولاته .. من خيالاته .. يقول :-
ها هو المذياع يعوي ،
وأنا أهمس بالخلية الأولى ،
وبين القصف والمذياع يلقطون صورتين :
تبقى هذه شخصية ،
وهذه للصفحة الأولى من الجريدة
(الديوان ، ص 428)
***********************
دحبور الآن في عملية فدائية . وعلى الرغم من أن المقاطع السابقة كانت تحتمل وجود هذا المشهد . الفدائي الذي يعيش خبرة المجابهة مع العدو ، وهو مؤمن ومتيقن من قضيته ، ستكون القضية محور تفكيره .. وبالتالي ستفاجئه في الأحلام والكوابيس ممزوجة برغباته اللا مشبعة الأخرى . الحلم ، كما نعلم ، هو تحقيق لرغبة غير مشبعة في الواقع . فإذا كانت القضية التي يعيش من اجلها مصيره ستزوره خيالاتها في منامه شاء ذلك أم أبى . الفدائي معرض ، في لحظة ، لأن يقتل أو يقع في الأسر . انه ماضي نحو الموت اختيارا *** . ولذلك فهو مرصود دائما . وقد يكون مرصودا من رفاقه الآخرين بفعل وشاية ما أو خيانة ومكيدة تدبر له . الخلية التي ينتمي إليها دحبور ليست مثل دحبور في غيرته لقضيته .. هو الأكثر غيرة منهم . هو الأكثر حماسا منهم .. هو الأكثر اندفاعا منهم .. هو قائد زمرته . العدو ، عادة يبحث عن قائد المجموعة .. عن محركها … عن عقلها المدبر ..  عن منّظرها .. وشاعرها .. مشاعر الوقوع في دائرة التربص لا تغادر دحبور ابدا . أنه مطلوب دائما . تاريخه مسجل في سجلات العدو ووثائقه . بقي شيئ واحد لا يعرف العدو عنه .. انه وجهه . ألم يقل قبل قليل .. ان كل بيروت لم تعرف وراء أي وجه يقف . لديه ملايين الوجوه .. بل ” نون ” من الوجوه . لا احد يستطيع التعرف على معالم وجه دحبور الحقيقية إذن . لكن الآن وبعد أن دوى المذياع ُألتقطتت له صوره خاطفة .. صورة بسرعة البرق . استغلوا الوقت . ما بين القصف والمذياع تم الالتقاط . صار الآن في دائرة المعروفين . تمكنوا منه أخيرا . سوف ينشرون صورته في الصفحة الأولى من الجريدة الرسمية التي يقرأها الجميع . تدخل كل البيوت .. كل المستشفيات .. كل السجون .. كل المقاهي .. يحملها معهم حتى اصحاب الحانات . ترمى في الشوارع لكثرتها وتوزع بالمجان . الآن صار معروفا .. مشهورا .. هذا هو وهذا وجهه . لقد دخل في دائرة المطلوبين . دحبور يتناسى كل هذه التفاصيل . لا يهمه شيئ واحد منها قط . لكنه وعى أمورا جديدة وعرف السر الكبير .. السر الذي لم يمنحه له الهواء عندما كان يسيران معا . لقد وثق بالهواء . وها هو الهواء يسخر منه ويمضي في سبيله . ولكنه مؤمن بقضيته ومتيقن من شرعيتها . إذن هو لا يسير في درب الوهم كما اعتقد  الجار الاول صاحب الشاي .. لنرى ما تلك الحقيقة التي تعرت أمام دحبور وجها لوجه . وسوف يصير هو القاضي وهو الديّان هو الذي يسدل الستار في نهاية اللعبة . يقول :-
وهكذا وعيتُ كيف يخْرب الأطفال
وعيت كيف ُيخرج الفقير من ثيابه الجديدة
لكنه يلبسها في الحال
ذبابة في الكأس ،
وردتان في الغبار ،
فجأة هتفت ُ : إن جاري لم يمت ،
وها أنا أجهر بالخلية الأولى ،
وأستكمل بالفأس حواري ،
(الديوان ، ص 428- 429)
****************************
لقد وضع يده على الحقيقة .. الأطفال عندما يخربون .. يريدون تأكيد ذواتهم وإثارة الانتباه إليهم . لماذا يرفض الفقير ملابسه الجديدة ؟ لأن تلك الملابس تغير من هيئته وشكله ويصير غريبا على نفسه . ولكنه يلبسها في الحال لأنها تعيده إلى إنسانيته ومكانته في عالم الآخرين . الفقير لم يعتد الأشياء الجديدة هو صديق القديم .. رفيق الممزق … الرث .. المهلهل .. ومتكيف مع القذارة .. ذبابة في الكأس لأن شاربها لا يستطيع  يخرجها بعد ان شرب ما بها وتورط بها  . وردتان في الغبار .. سيختلط عبيرهما برائحته وسوف تضيع به . سوف يغير الواقع .. سوف يحمل الفأس . الفأس هنا دالة القطع من الجذور .. الجذور الميتة وإلقاءها في النار . انها البداية وليست النهاية . وسوف يجهر ويهتف ان جاره لم يمت . وسوف يكمل الحوار . لنرى طبيعة الحوار الذي سوف يبدأ به دحبور مع العالم . أنه يقول :-
ـــ هل حفظت جدول التقسيم ؟
ويرد دحبور :-
أصل الجدول الضرب ُ ،
ولا أحب أن أموت ،
أني حافظ درسي ،
ودوري لم يفت ،
واجهت قصر ” البهبهاني ”
واختبرتُ السم في ورد الأماني ،
كان لحمي ضاريا ،
والسم يسري
صرت نهرا جاريا ،
أطفح السم بالورد ،
(الديوان ، ص 429-430)
***********************
أنها الصورة التي أخفاها دحبور عن الآخر عندما كان في فترة الإعداد للرسالة إن صح التعبير . دحبور يكشف عن وجهه الحقيقي . انه النذير … ليس فقط بشيرا .. أنه العاصفة .. انه الطوفان . العالم لا يستحق سوى الامتلاء بالحرائق .. هذا الوجه الذي يستحقه هذا العالم . أنه عالم التافهين .. الخاملين .. المنافقين .. الامعات .. الخانعين .. التابعين .. المنقادين .. انهم لا يستحقون الحياة .. هو الآن حية كبيرة .. تنين يلتهم العالم بألسنته النارية الحارقة . يرش عليها سمه الأزلي .. ليس دحبور كما يتوهم الآخر – أيا كان – ويعتقد .. أنه فقط كان ينتظر ساعته حتى تجيء . ها هي ساعته قد حانت . وبدأ المشوار .. وبدأ الطريق .. وبدأت أعباء الرسالة .. ليس جدول القسمة .. بل هو جدول الضرب . هو لم يتمرغ في التراب بل حفظ دروسه .. كان طفلا منذورا لهذه الساعة . وها هي ساعته قد جاءت وحان ميعادها .. ترى ما هي معالم تلك الرسالة :-
بما تتركه الطريق عندي ــ
جسدي أدركني فلم أمت ْ،
لكن َّ لي أن ُأنضِج الثمار
لي شجر محترق ولي يد في النار
وقامتي مديدة
بكل هذا جئتُ ،
عندي شبع يكمن للجياع ِ
أقول : حزني وافرٌ ايضا ً ،
سنشهر المحاكمات ذات يوم ،
ونقاضي باعة الماء ولحم الناس ،
ــ حين أرسم الوجه الفدائي على قياس جمرة ،
تكون لليدين خبرة النار ،
ــ وقودي عصب التجار والعدو ،
ــ أن دورتي أكيدة
من تعبي أمضي إلى النهار
من حطب اليأس إلى ضراوة الشرار
ومن سنام الجمل الشيخ إلى طفولتي الجديدة
(الديوان ، ص 430-431)
***********************
أنها ليست مجرد ثقة عابرة عمياء .. أنية . انه الطفل الذي كان منقوش الاسم في خزائن الأزل .. كان سره مدفونا في أدراج الزمان القديم . انه المفتاح لباب العالم الجديد . هل ترى قامته ؟؟ . كيف انه ممدودة ويستطيع ان يمددها كما يشاء .. لكي يحيط العالم بذراعيه . ألم يخطف الأرض من قرن الثور وأوقفها وجعلها لا تدور . انه جاء لإنضاج الثمر وهو بعد زهرة صغيرة بل نبتة في الارض  .. كل أشجار العالم تعمل بإمرته .. العالم يسير كما يريد . أترى كيف ان جسده أدركه وأنقذه من الموت ؟؟. أليست هذه مفارقة عجيبة . الجسد يحي الروح .. له جسد خالد … ممجد .. سيعلن الساعة الأخيرة في موعدها .. حينها سيكون .. الحاكم .. الديان .. القاضي .. يعطي لكل ذي حق حقه . سوف ينصف الجياع .. هو الخبز النازل من السماء . من يأكله لا يجوع ابدا . سوف يقاضي باعة الماء ولحوم الناس .. مثلما سوف تحاكم البروليتاريا يوما اصحاب رؤوس الأموال وتضع الأمور في نصابها الصحيح . التاريخ يسير بشكل خاطئ . دحبور سوف يعدل تلك المسيرة ويغير من وجهتها . أنه ورفاقه .. بل هو وحده من  سوف يعيد التاريخ إلى الوراء ويغير دفة الزمن وسوف يولد ثانية عمود من نار ولا يهوي من سنام الجمل الشيخ بل سيولد مثل طفل المغارة …!!! .

الهوامش : –
* نص من نصوص الحلاج العظيمة .
1- أ- د . خليل ، احمد خليل ، 1995 ، معجم الرموز ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 43 .
ب- سيرنج ، فيليب ، 1992، الرموز في الفن – الأديان – الحياة ، ترجمة : عبد الهادي عباس ، دار دمشق ، دمشق ، سورية ، ط1 ، ص 80 -81 . ومن جملة رموز بحسب هذا الباحث انه يرمز الى الطاعة .
** إشارة إلى الصورة التي رسمتها بطلة ” نزار قباني ” للرجل المهموم الذي كان يقرأ الجريدة وسحب السكر من أمامها ولم يلاحظ الشوق الذي اعترى البطلة وهو يسحب السكر في قصيدة ” مع جريدة ” .
*** عنوان كتاب للطبيب النفسي العراقي الراحل فخري الدباغ وهو يتحدث عن مشكلة الانتحار .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *