رماد الغائب وخراب الامكنه..قراءه في ملحمة البمبرة للشاعر ماجد مطرود (الحلقة الثانية)
زهير الجبوري– بروكسل

————-3————–

سردية الاسى واكتمال الكسوف
ضمير الغائب  في موقع الفاعل

تململ َ السّائقُ البدويِّ بترددِه  ِ
مُراهق ٍ، يُلملم ُ المفرداتَ بخجل ٍخنثيّ
المسيحُ تنازلَ،قالَ عن محبتِهِ .. لمْ يثرني
طالتْ لحيتي احتجاجا ً
ضنَّتِ الحدودُ، إنّني أمارة ً لأثني عشر إماما ً
وكالذي يدرك ُ علّتهُ مارستُ حذلقة َ الأختفاءِ ,  خبرة َ الأنزلاق ِ
مزّقتُ آخرَ برهان ٍلأعتقالي .. لمْ يثرني
لكنَّ كينونتي انزلقت , كلّها في مثانة المرحاض
قبل أن أدخل َ إسطوانة الفراغ تذكّرتُ كلَّ شيء
كنْتُ ملحدا ً, حَذِرا ً, مُسافِرا ً، جبانا
ينظّفُ أضلاعَهُ منْ بقايا سياط
منْ أجل ِ قلبي نَفختُ الرأتين
نفختها..
حتى تجمَّع التاريخُ ذبابة ً في فمي .
فرأيت ُ، ذلكَ الولدَ المغرور بنجماته
من اقصى زواياه , رأيته ُ ملكاً من عِرق البداوة كبيرا ً
علينا يغني :
( بيضٌ صحائفنا , سود ٌ وقائعنا )
ويرددُ أزيز َ(طارق عزيز)  كأنه يتبولُ في صفيحة ٍ فارغة
في نفسي،قلت ُ..
للرنين , إيقاعهُ المفترض , للكلمات خرافتها
سأفترضُ  للصوت ِ،كثافة ٌبلونين  ,
للخيال ِ،خندق ٌببعدين

————————————

السائق مستمر في قيادة الانا المستسلمة الى الهاويه انها الصحراء بكل تجلياتها المغيّبة/ بكسر الياء/ لذات الشاعر وقد احال الشاعر للسائق البدوي الفاعل في حضوره وغيابه ايضا لان حضوره واقعي وغيابه رغبة لم تتحقق في مقام النص فقد جاء فاعلا مسنودا لخمسة افعال وجاء مجرورا ثلاث مرات  وجاء فاعلا مستترا  لافعال اخرى  اما/تاءالفاعل/ جاءت مسنودة لخمسة افعال ماضية مما يرصد لنا ان السائق البدوي يحتفظ بحق الحضور في الفعل المضارع وهو امر واقعيّ  بينما يتكأ المغيب/بفتح الياء/ على الماضي لذا فان حالة الغياب مستمرة رغم مقاومة الذات لهذا الغياب كما ان استخدام حروف التأكيد/انّ/لكنّ/ دلت على وضوح الرؤية والكشف كما يؤكّد هذا استخدامه للفعل الماضي /رأى/ مسنودا الى تاء الفاعل باسلوب التكرار وفي هذا المقطع ايضا يعتمد ماجد مطرود تقنية السرد  من خلال العدد الكبير من الافعال الماضية التي استخدمها لجعل المتواليات في حركة سريعة/تململ/طالت/ظنّت/مارس/مزّق/انزلق/تذكّر/كان/نفخ/ رأى ثلاث مرات/قال / افترض /وكلها مسنوده الى ضمير الفاعل ( تاء الفاعل) محاولا تعيين الفضاء البصري الذي من خلاله سوف يتنازل عن دورقه والتبرأ من كل تجاربه فقد فقد سلّم امره للسائق البدوي وللصحراء ان تقوده للتيه وهنا يبرز المكان بشكله الصحراوي كذات بديلة عن الذات الغائبة محاولة لشطب الوجع وبناء الشخصية المتبرئه من الماضي والتسليم للبداوة والصحراء ان تقو د دورقه ولابدّ من الاشارة هنا الى تحقق السرديّ في النصّ من خلال عناصر كثيرة اهمها المكان والزمان وقد ارتبط هذان العنصران بجوهر النصّ من زاوية نزوعه السرديّ غير ان المكان هنا رغم واقعيته فهو يجنح الى انزياحه وتحقيق رمزيته وطاقات الانزياح التي يمنحها  فضاء النص بكليتّه  له.. كما ان ادوات الوصل واسماء الاشارة قد ساهمت بالحفاظ على انسيابية السرد و الاسى كان المعنى الاكبر في هذا المقطع : تنازل المسيح عن محبته /هذا مايقوله السائق البدوي وهي اشاره للعزلة عن الاخر والاعتداد بالانتماء الذي تمثله عقيدة الصحراء بانعزالها عن عقيدة الاخر الغير حاضر  وكما ان الصحراء لها قوانينها الاخلاقية التي تتصف بالقسوة والخشونة والغزو والعداءات الكثيره ظنّت الحدود انّي امارة لاثني عشر اماما / وهو ليس انا بالتاكيد غير اني ساكون هو وهو اشاره دينيه للامام الغائب في العقيدة الشيعية هل يريد ان يقول انه شيعيّ بالظاهر ولكنه ليس كذالك كما ظنت الحدود التي انوي تخطيها والوصول الى الطرف الاخر من الصحراء لاستعادة الذات واستبدالها بمكان اخر بديل مزّقت اخر برهان لاعتقالي/ شطب للماضي وكانه يرمي تاريخه كله ويلغيه وحينها / كينونتي انزلقت كلّها  في مثانة المرحاض/الغياب الكامل / تجمّع التاريخ ذبابة في فمي/ التاريخ كل تاريخ هو  تدوين للاسى والاوساخ وهو صفحة لدرامية الاحداث ادخل اسطوانة الفراغ /التنازل عن المعنى لصالح الظاهر الذي لاروح فيه لقد تضخمت الانا في هذا المقطع بشكل يرصد ولادة جديدة لانا فتيّه غير انّها مزيفّه خارج التاريخ وخارج المعنى  بالرغم من حضور هاجس المقاومه والصراع من اجل عدم الانزلاق في الهاويه حيث يبدأ بطرح الافتراضات التي هي محاولة  لفضّ اشتباك الرؤيا وطرح حلول للخروج من الازمه الروحيه والماديه لذات الشاعر وهي نفسها ذات المكان
———-4————-
العنقاء/الذات الخارجه من الرماد
الكينونة الناقصة المسنودة للفاعل
وتشريح صورة الامكنه

أ يها الدورق..دورقي، ماذا دهاك ؟
ما كنت ُ أعرفُ إنَّ المخبرينَ الصغار هم كبارٌ، في الصحراء
عرفت ُ.. إن الهروب َبقدم ٍ واحد ٍ , لايؤدي ، إلى طرق ٍ كثيرة
النجمُ الوحيد الذي كان يشيرُ إليَ أوصلني منطفئا ً
الصحراء سجنٌ ضيِّقٌ ثقب ٌ ضيّق ٌ وأنا  واسعٌ كالطير
شممتُ رائحتي , لمْ تدهشني
قرأتُ ،مسيلمة َ الكذابِ كان هنا، لمْ يدهشني
كلنا كذّابون بلا حلم.
تحركتُ بواقعيةٍ , نسيتُ فيالقي
كنتُ البياض،الذي دنَّسَ سمعتهُ
كنتُ كالمفخَّخِ بلذته، حين إستردَّ ليلاه
وحدهن الحالمات يحرسنَ ليلي
العاشقات قطّعن أصابعهن
رغم إنّي كنتُ بلا ماء ٍ بلا أنثى
بلا خيارٍ، تسلّقتُ جواداً يشبه العنقاء
غيّبتُ روحي بشرفٍ
أنا الغائب،الذي إبتكر الأنتظار
الغيبتان، أم الترتيلُ،
بنغمة ِالواقف على قبر أبيه
في الحالتينِ، سأرى مدينةً خارقة التذمر
بلا ضجّةٍ  , كهدوءِ الشجعان سأمسكُ المقامات َبوجهين
أصلي على مدى فراتين ونيّف
أصلّي،بإتجاه قبلتين، مشتعلتين
في فمِ إلَهٍ كبير مدَّ بوزهُ بإتجاه اللازم من الكلام
هنا.. ماركسياتٌ، بفقهِ الولايه
هناك.. على الساحل الغربي
غراميات.. أنس بن مالك
بين هنا، وهناك ..
في مدرسةِ الرأيِّ ,
على حائطِ المبكى تحديداً
رأيٌ , لمعلم ٍ عاص ٍصادرني
وحدها الأميبا بخيوطِ عناكبٍ قديمة
كانت متدليةً من رأسي ,  حتى سجادة أ ُمي
ترددُّ بقوّة الخيلِ , بحكمة الفرسان
الرافضي .. بالأنشطارِ، ليسَ مهما ً.

—————————-

يلعب الفعل الماضي الناقص/كان/ المسنود الى تاء الفاعل دورا مهما في تاكيد البنية السرديه للمتواليات الشعرية في هذا المقطع امتداد للمقطع السابق في اتخاذ تقنية السرد كشكل للتعبير عن خطابه  وكان لادوات الوصل الفضل الكبير في الحفاظ على انسابية  السرد الشعري وكذالك/ ياء المتكلم /  وعلى مستوى المعنى يؤكّد انشغال الذات في نفس الوقت بكشف الاخطاء امام مرآته الكبيرة ماكنت اعرف/كنت واسعا كالطير/كان هنا/كنت البياض /كنت المفخخ/ /كنت بلا انثى/كانت متدلية/ ان الذات تحاول الاستعانة بالماضي والاتكاء عليه من اجل اجتراح الوسائل التي من شأنها ترميم الحال كما ان اسم الاشارة/هنا/ كان مؤكدا لحضور الفعل التسلطي الذي مارسه المكان على ذات الشاعرالتي غيّبت/بضم الغين/ يقابله اسم الاشارة /هناك/ وهو اشاره للبعيد لخلق معادل موضوعي للتوازن والمقارنه محاولة لخلخلة مقام الثبات وحالة الاستسلام كما اشتمل هذا المقطع على اسلوبية الثنائيات للفصل بين صورتين الغياب/الحضور المخبرين الصغار/كبار النجم/منطفئا الصحراء/سجن ضيق/واسع  ماركسيات/فقه الولايه غراميات/انس بن مالك مدرسة الرأي/حائط المبكى قوة الخيل /حكمة الفرسان كما ان المقطع اكتظّ بالتناصات المتنوعة على الميثولوجي والتاريخي  والنص الديني الصحراء سجن ضيّق وانا واسع كالطير وهو تناص مع النفري في /كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العباره فالصحراء فضاء لايتسع لاحلامه فهي صغيرة كسجن بل هي سجن لاحلامه المتّسعه ومسيلمة الكذاب هو الخارج على المقدّس لقد رأه وكانه رأى الزيف الذي تمارسه الصحراء على الثابت من النص المقدس وتاويله وتفسيره بشكل كاذب يخدم مصلحة المكان على حساب المقدس وكانت ذات الشاعر جزءا من هذا الزيف حين كانت في مقام الغياب فهو لم يندهش لاننا/كلنا كذّابون/كمايقول وقد كان ابيضا وقد دنس بياضه بيديه العاشقات قطعن اصابعهن وهي اشاره للقص القرآني قصة عاشقات يوسف النبي والاشاره هنا طبعا هي الى مغامره وجدانية في هذه الصحراء فقد بدا رغم غيابه ذاتا اخرى محبوبه تجمعت حولها العاشقات انا الغائب الذ ي ابتكر الانتظار/وهذا التناص مع فكرة المنتظر الغائب في العقيدة الشيعية فالشاعر ابتكر الانتظار لكي يستمر في الحلم من اجل الخروج من مكمن المأساة وهو غياب الذات تسلقت جوادا يشبه  لعنقاء/وهي اشاره ميثولوجيه الى طائر العنقاء الاسطوري الذي يخرج كل مرة من تحت الرماد ليبدأ حياة جديده فهو خالد ابدا وكانه يريد ان يقول اني لن اموت في هذه الصحراء سانفض رمادها واطير ولكن على جواد ربمّالانّه الوسيلة الاكثر واقعية وحضورا في الصحراء اضافة للثنائيات الكثيره التي تشير الى حشد الرؤى المتوزعة بين الايدلوجي والفلسفي والديني وفي هذا المقطع ايضا يكشف الدورق عن العلل واحدة بعد اخرى تمهيدا للطيران على جناح الحلم لان الصحراء ثقب ضيق والعنقاء واسعة الجناح  فالشاعر واسع وهذه الصحراء لاتحتمل بضيقها اجنحته التي تنزع للتحليق والرغبة بالخروج من ضيق الصحراء لانها لاتمثله فأذا هو يرفض المكان وعلاقته باتت شبه عدائيه  وكأن في لحظة الكشف والتجلّي يحدد العلل قرأت مسلمة الكذاب ولم يدهشني/يقابلها كلنا كذابون فهو ذات كاذبه / وهوانقلاب على صفحة الاخطاءوالدنس الذي اصاب بياضه في  صحراء ضيّقه لا تصلح فضاء للطيران وهو ليس الغائب الحاضر الابدي وهي اشاره الى الامام الغائب في العقيدة الشيعية لانّه لايرضى الا بالحضور وسامسك المقامات بوجهين/واصلي باتجاه قبلتين/ وهو القادر على تحديد اتجاهه وهوالاوسع في الرؤيا من غيره والقادر على اتخاذ الجهات كلها حلما له وعقيدة  ويستمر في حشد كل المتناقضات في رؤياه ليكون كونيا  وغير منتميا لحضوره الخلاق فهو ماركسي ّ ولكن بفقه الولاية وهو على مدرسة الرأي وهو على مذهب مالك ايضا وهو الرافضيّ بانتماءه لسجادة امّه لقد استعاد الشاعر كينونته واكتشف ان مرآته مجلوة لقد رصدنا في هذا المقطع حضور الفاعل بضميره المرتبط بفعل ناقص وحضور الكينونة كما ان حضور سوف على الفعل المضارع اكّد اصرار الشاعر على تحقيق ذاته المغيّبة والخروج من الرماد الى فضاء العنقاء.

————5———–

 

تجلّي الذات /فضاء الحريه

 

فجأةً، بلا عناء
تقبّلَ الله عقلي
الأخرون إنتظروا موتي وماتوا
كنت أقوى
كنت أحلى
أسمى من عقارب الصحراءِ
أسوأ َمن وطني
قد أكون أنا أوّل مَنْ عرف الأضداد
أول من خالط , التشابه الحاد , في التنافر المزمن
أوّل مَنْ قتل َ تروتسكي مثلاً
أنا أوّل مَنْ رأى، في عيون الملحدين مدينةً بحذاءٍ ضيّق
أوّل مَنْ رأى، في قلوب المحبين، إلكترونات ٍ عاطلة
قد أكونُ أنا مَنْ سمّمَ العقاربَ، برؤوس الناس
بعمامةٍ لسانها أطول مِن لحيةٍ مطليةٍ , بالاحمر الغامق

في المقطع الخامس ومن خلال الافعال الماضية يستذكر الخارج من الصحراء الى مساحة التحقق الفعلي للحلم تجربة الدورق التي شهدت اول فعل ناجح بعد الاحباطات المتكرره. / فجأة تقبل الله عقلي/
هنا تناص مع القص القرأني حين تقبل الله قربان هابيل ولن يتقبل قربان اخيه لقد خرج اخيرا من الامتحان وهاهو مزهوا بعقله الذي تصالح مع محيط الحلم
انّه اختيار الزمن للحظة الطيران واختيار الحرية لجناح واسع والاخرون كلهم انتظروا أن استمرّ في ممارسة احباطاتي / الاخرون كل عناصر الرحلة التي رافقتني بالعداوة  ولاني كنت اقوى لم افشل وقد مات الاخرون  وتعلو لهجة الاعتداد بالنفس ذات الرؤية الثاقبة فهو/ اولّ من رأى/ وهو اول من بشر بموت  تروتسكي وهو اول من رأى للملحدين مدينة لكنها كانت غير صالحة ومهددة بالفناء لانها ضيقة على مجال الرؤيا والوجدان ايضا وهي اشاره الى انتماءات ايدلوجية سابقه رفضها ايضا فهو الرافضيّ ايضا بمعنى رفض السائد من الافكار والايدلوجيات والعقائد وهو اول من سمم العقارب في الصحراء لانه عصي على الجفاف ولم يستثي حتى فكرة العمامة التي لاتمثل غير لسان فارغ عن المعنى لاينتج غير لحية مصبوغة بالاحمر الغامق وهو قلب للمعنى الذي استطاع من خلاله التاثير حتى على العقارب التي سممها وقلب المعادلة
ولاحظنا على هذا المقطع حضور هائل للاسم الموصول /منّ/ الذي جاء بصيغة الفاعل مؤثرا في بناء النص  شكلا ومعنى كما رصدنا ايضا خلوّ هذا  المقطع من اساليب الانزياح الاسلوبيه مثل اختلال الرتبة  بالمكونات النحويه /التقديم والتاخير/ مثلا  لكنّ مااسعف النص بتحقيق شعريته هو وجود التنافر الاسنادي بين الوحدات الدلالية والخروج من معيارية التعالق بين الالفاظ مما اعطى للنص فرصة الانزياح والذي اغنى النص بقدرته على التاويل فهو يقول/قد اكون اول من رأى في عيون الملحدين مدينة
او /بعمامة لسانها اطول من لحية
و/تقبل الله عقلي/ وهو تناص مع القص القرآني

————6——–

حضور الذات وافول الغائب

سقوطُ المدينةِ بكلِّ هياكلها، لم يكُ صدفة ًعابرة
لمْ يكُ حظّا ًعاثرا ً إدّعتهُ تفاصيلُ الشاحنة وإستنكرهُ سائقها، بخصرهِ الخنثيّ
سائقها الذي ظل يتململُ..حتى أدركتْ شرطةُ الحدود تسامحي البليد فقلّمت أظافرَ الرشوةِ بمنجلٍ من عناد
أنت الذكي الوحيد قالوا..
لو دخلتَ المدينةَ بعينيك الهاربتينِ لهلك أبناؤها
قفْ إذا ً لا تتحركْ، أيّها الشاقول الزئبقي
وقفت ُمنتصبا ً كعلامة ٍ، نستْ مكانَها
كانت بغدادَ  ذاكرتي
كانت زماني , الذي نسي شراعَهُ، في ساحلٍ منسيّ
وكنتُ الطير،
رغم إني كنتُ رمادا ً

مثل عنكبوتٍ أتعبهُ نسيجهُ لملمتْ رحلتي أرجلَها
لملمتْ الصحراءُ عيني وأهدابَها
لمْ يتركني نهيقي , لم نهيقُ الجملةِ الفعليه

—————————–

لقد سقطت المدينة بكل هياكلها انّه سقوط الغياب وصعود الذات الحاضره ويتجلى ذلك بعدد من الالفاظ التي يمكن تصنيفها ضمن حقلين هو
الصعود :
الطير / شراع /ساحل /منتصبا / الشاقول الزئبقي /المنجل /
وحقل الهبوط  :
الذي يمثل المكان / الصحراء/سقوط / حظ عاثر/هلك / رماد / لملمت
كانت الكينونة حاضرة في هذا المقطع من خلال الفعل
اكون  لحضور الذات بقوة وقد استعادت عافيتها بعدد من التحركات  سفرطويل في مناطق مجهولة  كما ان الوقت حان للحصول على انتصار بعد ما تقبل الله عقلي  الذي كان الوسيلة التي جعلت مني قادرا على تجاوز الغياب ويستمر اسلوب السرد بنفس المستوى في هذا  المقطع  وقد استخدم الشاعر عددا لابأس به من ادوات الوصل وادوات ا لمقارنة واسماء الاشارة التي جعلت النص منسجما ومترابطا ومحافظا على سرديته كما استخدم الشاعر عنصرالاستبدال  واستخدم التكرير كاسلوب لشدّ الانتباه كما ان الاحالات الخارجية ايضا كانت  عناصر لفتح النص على مستويات من التأويل وبلاحظ في هذا المقطع غياب ضمائر الغيبة تماما وحضور خطاب الانا بقوة وبموقع الفاعل كما ان علامته كغائب
قد نست المكان واخذت ترضع من الذاكرة التي هي بغداد كذات مساعدة لانقاذه فالاحالة المقامية الوحيدة في النص كانت / واو الجماعه/ وقد احالت على مرجع خارجي هو اهل المدينة الخائفين منه من دخوله لمدينتهم التي سوف يهلك اهلها بدخوله  وهذه اشارة مقلوبة واستهجان لهذا الخوف الغير حقيقيّ فالشاعر لاينوي غير تخطيّ الحدود والخروج من غربته ولا علاقة له بالمدينة واهلها
كما ان / تاء الفاعل/ بصيغة المخاطب هو خروج الشاعر من ضمير الغائب المتّصل  والمتبوع الى الصحراء الى ضمير الحاضر المنفصل عن المكان وكذالك فأن الشاعر يؤكّد على ولادته كطير  وهو فضاء الحرية بالرغم من كونه رماد بمعنى ان جسده قد استهلك تماما في هذه الرحلة ولكن روحه حرّه طائره هذا المقطع هو امتداد لتقنية السرد في المقاطع القبلية غير انّه يحمل في بناءه الدلالي تحوّل من تحولات الرحلة .

———-7———-

بردا وسلاما على ابراهيم

تناص الذات مع النص القرآني

سلمتُ يدي للسماء , قدمي للرمل , قلبي للشاحنات
صرختُ  ..
سندخلُ المدينةَ،التي إستطالتْ ،بها الشوارع
إتسعتْ فيها الوجوه
سنتيقنَ بأختصارِ المرايا
إنّنا مشوّهونَ بلا ترددْ
و السماءَ سوداءَ ببابِها ظلٌّ خارجٌ من يأسنا
سلّةٌ مليئةٌ بالتوسلات
أيّها الربّ ،
تقبّلْ دُعاءنا الالف
إنّنا مخصيون
بأدوات الجرِّ ,
والاستفهام
في كفِّ إبراهيمَ ، قرأتُ إفتراضاً
للسلالاتِ تأويلها
وقطعانها  تبحثُ عن دليلِها الهاربِ، خلف النجوم
في كفِّ إبراهيمَ رأيتُ إفتراضاً
للفأسِ عشيقٌ يتكررُ بأنصياعاته
يصغي لأصنامٍ نحرتْ، أبناءَها بزياداتِها الحالمة
أنا النار، برمادِها اللذيذ
تبّا ً، للبردِ والسلام ، حينَ لا يصغي
مقبرة القصول حمّالة العروق
مقبرتي باردة كشتاء ٍ عانس
كيسارٍ قلقٍ كان يحملني خيمةً بلا فنجانْ
قهوتها الليلُ , أوتادُها عزاءْ
قبيلة ٌمن ناطحاتِ السحاب
فرعُها سديم  الغصون , أرضُها ثكلى

يشتمل هذا المقطع على شكل  من اشكال التناص المباشر وقد استفاد الشاعر من القص القرآني لتوكيد خروجه من هذه التجربة سالم وحضور التناص فكك لنا شفرة المتواليات الجملية كلها   ولقد قرأ الشاعر كفّ ابراهيم  لاستشراف نهاية الرحلة محاولا ان ينسج لذاته ذاتا تتماهى مع ذات ابراهيم  مستبشرا بالخروج من الصحراء  التي هي نار ابراهيم التي كانت بردا وسلاما كما ستكون الصحراء بكل وجعها سلاما لذاته المقهوره وكانت معظم الالفاظ تحيل الى التناص القرأني مثل/المدينه/السماء/التوسلات/ الربّ/دعاؤنا/كفّ ابراهيم / دليلها/الفأس/اصنام/ نحرت/النار/ رمادها/البرد والسلام/ كما اشتمل المقطع على عدد كبير من الاحالات التي جعلت من النص متماسكا ومتسّقا فقد استخدم ضمائر الغائب وضمير المتكلم وادوات الوصل وحروف الجرّ/ كما ان الشاعر حاول ان يعبّر عن مأساته من خلال مأساة المكان الذي يقتل ابناءه كما حاول قوم ابراهيم قتله فهي /خيمة بلافنجان/ قهوتها ليل اوتادها عزاء شتاء عانس / قطعانها تبحث عن دليلها / السماء سوداء  ان هذا المقطع هو النظرة الثاقبة  للخارج من المأساة مبتعدا في ال/ هناك/ يرسم صور الخراب التي آ ل اليه مقام المكان.

———8———

خراب المدن

الذات المفعول بها

أنا المنسي الوحيد ..  لا حلم لي
ناقةٌ بموجتين دوَّنتني بكتابين
نستني، أذوبُ في الدربِ وحدي
لاحلم لي .. سوى صبيّةٍ من الزنّْجِ
فمها السلسبيل , نهدها كأس المسيح
راودتني، وماتتْ بحذائِها الضيّق
لا حلم لي .. قدمٌ على دربين شدّني بنجمتين
نسيني أذوبُ في الليلِِ وحدي
لا حلم لي .. سوى صبيَّةٍ من الاعرابِ
قلعتْ ضفائرَها , طوتْ في الحربِ يديّها
أظافرُها أنيابٌ تلوكُ القادمين / الراحلين
لا مقام لي .. غير نجمة طارقية طرقتها أحذيةُ الايام
داستها خرائط ُ الشعاب
شوّ َهتها أطالسُ الكديةِ في الصحراء
أكلتها نيّئةً ، مخالبُ الذئاب
تيمبكتو فريسةٌ طريّةٌ لأولاد الذُباب
راودتني .. وكنتُ ضمآناً فأستجابَ الفؤاد .
نهودٌ فراتيةٌ يونٌ , شبقيّةُ الثمارِ
عذراواتٌ من صيفِ الجحيم
مهرةٌ جامحةٌ , تلاحقني , برياح بني بغداد
راودتني .. صبيّةٌ من بني العبّاس
غزالٌ أضاءَ سِفرَ شنقيط
واحةٌ من نبعِ الرماد
لها براري القبور وعليها , رمالُ الضادِ تئنّ ُبنارِها
راودتني , وماتتْ بإلكتروناتها العاطلة
الصورةُ واضحةٌ , ليستْ مشوّهةً
إلى الحدِّ الذي يجعلُ المعنى بسبعةِ رؤوسٍ مبهمة
واضحةً  رغم سواد الماءِ في العينين
رغم الصحراء , وغبارها المخصّصِ للهاربين
من معوَلِ البمبرة ,  الحالمين بالمدلول
يدي في السماء , فمي في الرمل , قلبي في الشاحنات
دعّني .. أفتحُ السماءَ
دعّني .. أدّعي نهايةً جميلةً
دعّني .. أتركُ الصحراءَ , السّؤالَ، الحسرةَ المرّة
دعّني .. أهجرُ الشاحنات , السجونَ , الموقوفين،
المتشرّطين , المتورطين , المرتشين
السائحين , الطامعين
المؤمنين , الكافرين
النائمين، الحالمين
الذاهبين .العائدين
الخالدين الزائلين
أهجرهم  جميعاً
حتى ..  تكشفُ الصحراءُ عن نهدينِ عذراوين لصبيّتين
شقيّتين
ويتّسعُ سريريَ الطائر الحلمان
لمكانينِ بكرين : تيمبكتو*وبغداد
حينها أ ُصلّي بطريقةٍ لائقةٍ  , أصلي أكثرَ مما ينبغي
فتعالَ لكي نركع
لعلّهُ يهدينا مدينةً برّيةً ً
لمْ يمسسها بشرٌ ولمْ تكُ بغيّا
صدق
الله
العظيم

يعود النص في هذا المقطع الى التأكيد على الصحراء هي الفاعل المستمر في ممارساته القسرية على التغييب ومحاصرة المكان الذي لاانفكاك منه  يقابلها دعوة الذات الى البحث عن مكان بديل مكان لم يمسسه بشرولم يك بغيا وهو تناص مباشر مع القص القرآني يتمثل موقع الذات المفعول بها في عدد كبير من الالفاظ التي سوف نرصدها وكلها احالات نصيّه للمكان الذي هو العنوان والتي ساهمت في الحفاظ على ترابط متواليات الانساق التركيبيه :
ناقة / دونتني
صبية من الزنج / راودتني
قدم/ شدتني
تمبكتو/ راودتني
رياح بني بغداد / راودتني
رمال الضاد/ راودتني
دعني/ وردت اربع  مرات
كما يلاحظ في هذا المقطع النزوع الى السماء باعتبارها الباب الذي يمكن ان ينقذ الذات من سوء المقام ويتاكد ذالك من عدد كبير من الالفاظ التي تنتمي الى الحقل الديني   وبعد ما أ كّد الشاعر في اول المقطع ان لاحلم له فهو ضائع تماما والرماد قد اطبق على سمائه والضوء غائب تماما عن المستقبل :
السلسبيل/ كاس المسيح / صيف الجحيم / نارها / افتح السماء/ المؤمنين الكافرين/ الخالدين الزائلين/ اصلي/ نركع/ مدينة لم يمسسها بشر
كما ان الا لفاظ التي تؤكد على عزلة الذات في هذا المقطع كثيره وتكرارها هو محاولة الشاعر ان يلفت انتباهنا  للتاكيد على عزلته
فهو يقول :
لاحلم لي/ اربع مرات
لامقام لي / مره واحده
وحدي / ثلاث مرات
اذوب/ مره واحده
نسيني/ مره واحده
سواد الماء في العينين/ وهي اشاره الى القص القرآني يعقوب النبي
وبياض عينيه على يوسف الغائب فهو ايضا غائب بفعل من غيّبه
وهي مدينته
فمي في الرمل / مره واحده
الحسره/ مره واحده
ونرصد ايضا الاحالات المقامية لخارج النص والتي تتمثل بحضور الافعال المضارعة المقرونة بضمير المتكلمين وبجمع المذكر السالم
المتمثلة ب :
الموقوفين المتورطين/المرتشين / السائحين/الطامعين / الكافرين/ المؤمنين/ النائمين / الذاهبين/ القادمين/ الحالمين/ الخالدين /الزائلين .
وهي عملية محاكمة قاسية لكل الصور التي انتجتها الرحلة في هذا المكان المتسلط الخشن المزيّف ونرصد ايضا الضمأ العاطفي والجنسي في دوال يمكن تصنيفها ضمن حقل العاطفة والجسد كجزء من حالة
العزلة الوجدانيه :
صبية / ثلاث مرات / فمها /نهدها / ظفائرها /اظافرها / راودتني خمس مرات/ نهود فراتيه / شبقية / عذراوات / غزال / تئن بنارها / نهدين عذراوين/ سريري /  بكرين ..

كمان الملاحظ في هذا المقطع خلّوه من اسماء الاشارة وبنى التشبيه التي من شأنها ان تزيد في تماسك النص رغم هذا في ان المقطع متماسك لوجود ضمائر الغيبة وياء المتكلم التي كانت عناصر ساعدت في ترابط الوحدات الدلالية للنص وكذالك فان هذا المقطع قد حقق سرديته من خلال تتابع مطرّد للجمل الاسمية والفعلية وحضور ياء المتكلم بشكل فاعل جعل الجمل ترتبط ببعضها بشكل كبيروتحقق سرديتها كما ان ادوات الربط وخاصه / و/ كان لها ايضا دورا كبيرا بالحفاظ على الوحده الدلاليه الكبرى لمتواليات المقاطع التركيبيه وقد كان للجملة الاسمية الاخبارية دورا في تمكين الشاعر من تحقيق مستوى بصريّ للمكان وتشريح لتفاصيله كا نرصد ايضا عودة النص واحالته الى عتبته وهو عنوان النص وبا لتحديد عودته الى بغداد من خلال مجموعة من الالفاظ التي ارتبطت احالته للعنوان يجعلنا  نؤكد على حضور جامع النص او الوحده الدلاليه الكبرى لهذا النص مما يجعله نصا مقروءا ومفتوحا على مستويات عده للتفاعل ومن هذه الالفاظ  فراتيه / بني بغداد/ بني العباس/ بغداد وعلى اسم العلم الثاني وهو تمبكتو/ الاعراب/ اطالس الكديه /
الصحراء  ثلاث مرات / مكانين بكرين/ فريسه  / البمبره / الرمل/
ان هذا النص هو تدوين وتوثيق لرحلة يختلط فيها الواقعي بالحلم والميثولوجي بالتاريخي حاولت ان تطرح اسئلة بالغة الصعوبة
للبحث عن اجابات اصعب  تتعّلق بالذات التي تورطت بدخول المختبر
وبالفيزياء التي لم تنصف وجع الدورق .

تقنيّة السرد في الخطاب الشعري

ان جنوح التجربة الشعرية الى دائرة التداول السرديّ ظاهرة يمكن  رصدها في قصيدة النثر التي تسعى الى السردي ّ الذي يختلط بالشعريّ المكثّف ليجعل من القصيدة بنى سردية متماسكة مستفيدة من عناصر المعجم واساليب التركيب للحفاظ على انسيابية النص وتأثيره في المتلقي رغم الفوضى  التي يحدثها الانزياح الشعري  في كثير من التجارب الشعرية السردية وقد تجلّى النمط السرديّ في هذا النصّ الذي قدّمنا له هذه القراءة  وقد حققت سرديته جريانها  بشكل متواتر بين السرعة
والبطء حسب ماتقتضيه الحالة الوجدانية للشاعر وتاثير البنى التركيبية على جسد النصّ بحيث شهدنا نموّ حميما  وتعاطفا في عرض  صورة الوجع داخل روح  المتواليات الجملية ولم يقّدّ م الشاعر سرديته على اساس  مفهوم القصّ بمعنى الحادثة التي تستدعي المكان بشكله الواقعي والذي يترك اثره من خلال واقعيته وليس من خلال رمزيته وليس بمعنى استدعاء الشخوص على اساس تشريحها بل من اجل انتاج علامات جديدة تسهم في تكوين مشاركة واعية  للعودة الى الداخل وفضّ اشتباك الانا امام المرايا لقد ساعد اسلوب السرد في هذا النص الشاعر على  بناء رؤاه  واعادة بناء رؤى اخرى مرتبطة بالاسطوري والديني والثقافي بشكل عام ولولا هذا الاسلوب لكان النص نصّا مفككا دلاليا  كما ان استخدامه الواعي  لعناصر الاتسّاق بشكل متوازن في كثير من الاحيان حقق للسرد تاثيره  الفنيّ شكلا والوجداني دلاليا. ومن خلال كيفيات التناص المختلفة  تشرّب النص من عدد كبير من النصوص تذويبا ووصفا وتناصا كاملا  في احيان اخرى مستنفذا خزين معرفته الخلفية التي تحفزّ القاريء على استنزال معلوماته من خانة الذاكرة وتوظيفها في فكّ شفرة النص  بمعنى انّه اي النص حقق تفاعله في التداول الانتاجيبين الناصّ  والقاريء وتواصلية اعتمدت على الثقافي المشترك الذي انجزه خطاب ماجد مطرود الشعري وعلى مستوى النصّ الموازي وفق النصّ ليجعل من عنوانه نصا مكثّفا ساهم في اتباع الوحدات الدلالية داخل فضاء النص  الى قصديته محتفظا بقدرته على الخروج من الثبات المعياري الى الانزياح المفتوح الذي مكّن القراءة من الولوج الى مناطق تاويل واسعه

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.