د. حسين سرمك حسن : علي الوردي : (15) الجملة الأخيرة لعليّ قبل استشهاده تعكس ما كان يدور في عقله الباطن

hussein 7يبقى الوردي ضمن إطار الموضوعة المركزية لهذا الفصل : ( علي بن أبي طالب ) حيث يرى أن كل هذه التحولات العنيفة جاءت بعد أن تأسست مفارقة شديدة الغرابة وهي أن عليا ( أراد الخير للعرب في حياته ، لكن اسمه صار بعد وفاته شعارا للنكاية بهم والانتقام منهم ) (94) . والمشكلة الأكثر إثارة للألم هو تحوّل الصراع في العهد العباسي إلى صراع حول أيهما أولى بوراثة النبي في خلافته : أولاد بنته أم أولاد عمّه ؟ .
( ويُستدل من هذا أن المسألة أصبحت نزاع بين ( أهل البيت ) على إرث أبيهم . كل فريق يدّعي أنه أقرب إلى المرحوم من غيره ، وهو إذن أولى بوراثته . ومن ينظر في هذا الأمر نظرة سطحية يخيل إليه بأن محمدا كان يجاهد في سبيل إقامة ملك لأولاده وأهل بيته ، وبذا تنازع أهل البيت على هذا الملك الذي تركه لهم أبوهم المرحوم ) (95)  .
ويتنقل الوردي سريعا ، بعد أن أوصل مضمون رسالته الأساسي ، إلى تقييم انفجاري لما كان عليه حال الفاطميين الذين جاءوا إلى الحكم يحملون راية أن معاوية هو ” خال الأمويين ” باعتبار أن أخته كانت من أزواج رسول الله . وبدأ المعزّ الفاطمي بعمل الحرير الأزرق المنسوج بالذهب وقد رُسمت عليه صورة مكة والمدينة ، فيعلّق على ذلك بالقول :
( فهذا الظالم العاتي – يقصد المعزّ الفاطمي – ينهب أموال الناس فيصنع منها صورة لمكة والمدينة شوقا إلى الله ورسوله . وبهذا صار محمد بن عبد الله رمزا للترف والطغيان . أصبح دين محمد ألعوبة بيد السلاطين ونسي الناس أن محمدا كان من أعداء السلاطين ) (96) .
ولعل ما قلناه عن تسرّع المرجعيات الدينية في تكفير الوردي وهدر دمه ، يجد تبريره الحقيقي في الفصل العاشر : ( طبيعة الشهيد ) – ويقصد بالشهيد الإمام علي بن أبي طالب – والذي يراجع فيه شخصية الإمام علي بصورة موضوعية ، فيشير أولا إلى الحقيقة التي ألّبت عليه – أي على الوردي – العقول التقليدية ( الأرسطوطاليسية كما يسمّيها ويقصد بها العقول المتأثرة بالمنطق الأرسطي – الصوري ) ، فيؤكّد أنّ من يحاولون المقارنة بين علي ومعاوية على أساس الظفر في الصراع يغفلون حقيقة أن التفاضل بين الأشخاص لا يقوم على أساس تفضيلي واحد ؛ غلبة معاوية على عليّ :
( فكل رجل فاضل حسب قياس معين ، وهو مفضول حسب مقياس آخر . وقد يصح أن نقول : بأن جدل الباحثين هو جدل في المقاييس والقيم أكثر مما هو جدل في الحقائق والفضائل ) (97) . ويشير أولا إلى حقيقة صادمة كبيرة يواصل بها إدانة الكيفية التي تتم بها المقارنة بين علي ومعاوية ، فإذا اعتبرنا علي غير محترفٍ في مجال السياسة – كما يقول – ، فهو أمر منطقي في نظر أولئك الذين يحترفون السياسة ولا يرون في التاريخ سواها . فالوردي يرى أن هذه المقاييس في المفاضلة بين الشخصيات التاريخية – مهما كانت طبيعتها – يجب أن لا تُقام على أساس أرسطي استنتاجي مفرد ، فلا توجد حقيقة ثابتة ولا يوجد قياس مطلق ، وإذا اتبعنا هذا السبيل فلن نصل إلى نتيجة حاسمة في المفاضلة ، لأن كل أطروحة ستقابلها أطروحة أخرى مكافئة ومناقضة ، والاختلاف لا يوصل أبدا إلى تركيب (هيجلي) نهائي ، لأن التعصب الفكري القائم على أساس المنازعة الطائفية المقيتة سيوصل ، وقد أوصل حتما ، إلى مناقضة فشل علي أمام فوز معاوية ، فإن من أفظع الاستنتاجات القول أن معاوية قد تغلب على علي . فقريش لم تبايع عليّاً وبايعه الثوار الذين قاتلوا معه :
ali alwardi 5( إن مختلف الأعمال التي قام بها [= علي بن ابي طالب] أثناء خلافته تشير إلى أنه كان رجلا لا يفهم السياسة ولا تفهمه ، لشدّة ما يرون فيها من قصر نظر، ولو أنصفوا لقاسوا تلك الأعمال بمقياس الثورة ، وبذلك يتجلّي في أعينهم كنه علي وحقيقة مقاصده) (98) .
لقد عزل علي جميع العمال والولاة من عهد عثمان :
( ومن ينظر في هذا الفعل الذي قام به علي لا يستطيع إلا أن يصف عليا بقصر الباع في أمور السياسة . فكيف يجوز لحاكم جديد أن يهدم دفعة واحدة ما بناه سلفه . إن التدرج في مثل هذه الحالة ضروري . هذا ولكن عليا لا يعرف هذه الضرورة . فالمساومة الأولى تجر وراءها مساومات . والترضية الواحدة تؤدي إلى سلسلة متتابعة من الترضيات والمراوغات ) (99) .
لم يوافق علي على أن يقسم المال بين الناس حسب منازلهم الاجتماعية وأنسابهم ليتألف قلوبهم . وحين أزاح معاوية عن الفرات لم يمنع الماء عنه مثلما منعه معاوية عنه . ولم يكن يبالي بالأشراف ولا الشعراء ولا يستميلهم إلى جانبه . لقد كان علي حازما صارما في دينه ولم يستمع إلى نصائح من نصحه من الصحابة باستمالة الزعماء والأشراف والشعراء الذين صاروا من حصة معاوية . لقد هجر عليا حتى أخوه عقيل الذي التحق بمعاوية (100) .
ويعلق الوردي على هذه المواقف بالقول :
( إن هذه الأعمال لا يقوم بها من يريد أن يحكم الناس ويستفيد منهم . إنها بالأحرى أعمال من يريد أن يموت ، لتبقى بعده نماذج تقتدي بها الأجيال التالية . إن الذي يريد أن ينجح في هذه الحياة يجب عليه أن يداري الرؤساء وأولي الجاه وأرباب القلم وذلاقة اللسان . ولهذا وجدنا الداهية من رجال السياسة يغدق الأموال على الشعراء من ناحية ، وعلى الرؤساء من الناحية الأخرى . فيلهج هؤلاء وأولئك بأماديحه وينشرون فضائله بين الناس . ولو درسنا الأدب العربي لوجدناه مملوءا بأماديح السفلة والسفاكين والطغاة . ذلك لأن هؤلاء قد وزعوا جزءا كبيرا مما ينهبون من أموال الناس على الذين ينفعون ويضرون . أما المساكين الذين لا يستطيعون أن ينفعوا أحدا أو يضروه فقد خسروا دنياهم وآخرتهم معا ) (101) .
وفي التفاتة مهمة يبين الوردي أن ما يؤكد طلب علي للشهادة ، هو الجملة الأخيرة التي قالها عندما أحس بضربة سيف ابن ملجم على رأسه ، حيث قال :
( فزت وربّ الكعبة )
وكأنه كان ينتظر ضربة الخلاص الغادرة هذه . فالوردي يرى أن الكلمة الأخيرة التي ينطق بها الإنسان في ساعة موته تدل على ما يكمن في عقله الباطن من هم وانشغال بال .
ثم يخصص الوردي ما تبقى من هذا الفصل لتناول معاني ثورة الحسين بن علي الذي تسلم راية الثورة من أبيه ( وسار سيرة من يريد أن يموت كما سار أبوه من قبل ) (102) .
فالحسين أيضا لم يستمع إلى نصائح ابن عباس وابن جعفر وابن الحنفية وابن عمر وغيرهم ولا لوصف الفرزدق البليغ : ( أهل الكوفة قلوبهم معك وسيوفهم عليك ) .. وأصرّ على الذهاب إلى الموت :
( والظاهر أن الحسين كان يريد أن ينتحر . فهو يعرف بأن بني أمية أقوى من أن يستطيع القضاء عليهم بهذا الخروج ، وهو لابد هالك في السبيل الذي سار فيه . ولعله أراد أن يُقتل لكي يكون مقتله صرخة مدوية تقض مضاجع بني أمية .. كان مقتل الحسين من أقوى العوامل التي قوّضت دعائم الدولة الأموية في المشرق ) (103) .
ثم يناقش الوردي آراء القاضي الأندلسي أبو بكر بن العربي وابن خلدون اللذين يشجبان ثورة الحسين ، والشيخ محمد الخضري الذي يشجبها في القرن العشرين . ويختم الفصل بقوله :
( لو أن الناس جميعا اتبعوا نظرية الخضري وابن خلدون لوقف التاريخ ، ولما رأينا شيئا اسمه ديمقراطية . فالديمقراطية قامت على أكتاف الشهداء الذين ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة على توالي الأجيال . ينهض الثائر ثم يموت … فيثير بموته ثوارا آخرين . وبهذا تتلاحق قافلة الثائرين جيلا بعد جيل . وهم في كل مرة يضيفون إلى شعلة النور لهيبا جديدا . ليس غريبا أن يشجب الثورات رجل عاش في القرون الوسطى – يقصد ابن خلدون – ، إنما الغريب كل الغرابة أن يشجبها رجل يعيش في القرن العشرين ( يقصد الشيخ الخضري في كتابه تاريخ الأمم الإسلامية ) .
أما في الفصل الحادي عشر : ( قضية السنة والشيعة ) فإن الوردي يفتتحه بهجمة عاتية منذ السطر الأول :
( إن قضية السنة والشيعة قضية شائكة إلى أقصى حدّ ، سيما في العراق ؛ هذا البلد الذي يصح أن يُسمى ( بلاد الجلاوزة ) (104) .
وهو يحيلنا إلى مسألة مهمة ترتبط بتناوله هذه القضية الحساسة المدمرة التي يحاول كل منا تفادي النظر إليها حسب سلوك ( النعامة ) المتفشي في المجتمعات العربية . فهو يعلن أنه لم يكتب هذا الفصل الذي يترتب على معطيات الفصول السابقة ؛ خلافة الرسول ومقتل عثمان والصراع بين علي ومعاوية واستشهاد الإمام الحسين ، لمخاطبة الجيل القديم من أبناء العراق ، فهؤلاء لن يفهموا منه شيئا ولن يقتنعوا بأطروحاته لأن الموقف الطائفي والمذهبي قد ترسخ في عقلهم الباطن فأصبح من الصعب تغييره ، بل كتبه لأبناء الجيل الجديد الذي سئم من هاتيك التقاليد البالية ، وأدرك بأنها مصدر بلائه وأساس ضعفه . ثم يشير إلى أن من الغريب أن رجال الدين من السنة والشيعة ينسون أو يتناسون أن كلتا الطائفتين كانت في الأصل من حزب واحد ، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في القسم الخاص بنظرة الوردي إلى الصراع الطائفي في العراق

شاهد أيضاً

مظلتان لشخص واحد
دار الكلمة وتوفيق الحكيم
مقداد مسعود

منذ نعومة احزاني أغوتني الكتب فصيرتها أجنحتي والهواء.للكتب امتناني ولمكتبات البصرة منذ السبعينات حتى الآن …

نايف عبوش: جماجم شهداء تحرير الجزائر ليست للفرجة

قبل أكثر من اسبوع.. رجعت إلى الجزائر.. جماجم رموز شهداء ثوار المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال …

فلنصمد وحدنا لنخرج وحدنا
(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان)
مادونا عسكر/ لبنان

(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان) كتب جبران خليل جبران قبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *