تابعنا على فيسبوك وتويتر

hussein 7يبقى الوردي ضمن إطار الموضوعة المركزية لهذا الفصل : ( علي بن أبي طالب ) حيث يرى أن كل هذه التحولات العنيفة جاءت بعد أن تأسست مفارقة شديدة الغرابة وهي أن عليا ( أراد الخير للعرب في حياته ، لكن اسمه صار بعد وفاته شعارا للنكاية بهم والانتقام منهم ) (94) . والمشكلة الأكثر إثارة للألم هو تحوّل الصراع في العهد العباسي إلى صراع حول أيهما أولى بوراثة النبي في خلافته : أولاد بنته أم أولاد عمّه ؟ .
( ويُستدل من هذا أن المسألة أصبحت نزاع بين ( أهل البيت ) على إرث أبيهم . كل فريق يدّعي أنه أقرب إلى المرحوم من غيره ، وهو إذن أولى بوراثته . ومن ينظر في هذا الأمر نظرة سطحية يخيل إليه بأن محمدا كان يجاهد في سبيل إقامة ملك لأولاده وأهل بيته ، وبذا تنازع أهل البيت على هذا الملك الذي تركه لهم أبوهم المرحوم ) (95)  .
ويتنقل الوردي سريعا ، بعد أن أوصل مضمون رسالته الأساسي ، إلى تقييم انفجاري لما كان عليه حال الفاطميين الذين جاءوا إلى الحكم يحملون راية أن معاوية هو ” خال الأمويين ” باعتبار أن أخته كانت من أزواج رسول الله . وبدأ المعزّ الفاطمي بعمل الحرير الأزرق المنسوج بالذهب وقد رُسمت عليه صورة مكة والمدينة ، فيعلّق على ذلك بالقول :
( فهذا الظالم العاتي – يقصد المعزّ الفاطمي – ينهب أموال الناس فيصنع منها صورة لمكة والمدينة شوقا إلى الله ورسوله . وبهذا صار محمد بن عبد الله رمزا للترف والطغيان . أصبح دين محمد ألعوبة بيد السلاطين ونسي الناس أن محمدا كان من أعداء السلاطين ) (96) .
ولعل ما قلناه عن تسرّع المرجعيات الدينية في تكفير الوردي وهدر دمه ، يجد تبريره الحقيقي في الفصل العاشر : ( طبيعة الشهيد ) – ويقصد بالشهيد الإمام علي بن أبي طالب – والذي يراجع فيه شخصية الإمام علي بصورة موضوعية ، فيشير أولا إلى الحقيقة التي ألّبت عليه – أي على الوردي – العقول التقليدية ( الأرسطوطاليسية كما يسمّيها ويقصد بها العقول المتأثرة بالمنطق الأرسطي – الصوري ) ، فيؤكّد أنّ من يحاولون المقارنة بين علي ومعاوية على أساس الظفر في الصراع يغفلون حقيقة أن التفاضل بين الأشخاص لا يقوم على أساس تفضيلي واحد ؛ غلبة معاوية على عليّ :
( فكل رجل فاضل حسب قياس معين ، وهو مفضول حسب مقياس آخر . وقد يصح أن نقول : بأن جدل الباحثين هو جدل في المقاييس والقيم أكثر مما هو جدل في الحقائق والفضائل ) (97) . ويشير أولا إلى حقيقة صادمة كبيرة يواصل بها إدانة الكيفية التي تتم بها المقارنة بين علي ومعاوية ، فإذا اعتبرنا علي غير محترفٍ في مجال السياسة – كما يقول – ، فهو أمر منطقي في نظر أولئك الذين يحترفون السياسة ولا يرون في التاريخ سواها . فالوردي يرى أن هذه المقاييس في المفاضلة بين الشخصيات التاريخية – مهما كانت طبيعتها – يجب أن لا تُقام على أساس أرسطي استنتاجي مفرد ، فلا توجد حقيقة ثابتة ولا يوجد قياس مطلق ، وإذا اتبعنا هذا السبيل فلن نصل إلى نتيجة حاسمة في المفاضلة ، لأن كل أطروحة ستقابلها أطروحة أخرى مكافئة ومناقضة ، والاختلاف لا يوصل أبدا إلى تركيب (هيجلي) نهائي ، لأن التعصب الفكري القائم على أساس المنازعة الطائفية المقيتة سيوصل ، وقد أوصل حتما ، إلى مناقضة فشل علي أمام فوز معاوية ، فإن من أفظع الاستنتاجات القول أن معاوية قد تغلب على علي . فقريش لم تبايع عليّاً وبايعه الثوار الذين قاتلوا معه :
ali alwardi 5( إن مختلف الأعمال التي قام بها [= علي بن ابي طالب] أثناء خلافته تشير إلى أنه كان رجلا لا يفهم السياسة ولا تفهمه ، لشدّة ما يرون فيها من قصر نظر، ولو أنصفوا لقاسوا تلك الأعمال بمقياس الثورة ، وبذلك يتجلّي في أعينهم كنه علي وحقيقة مقاصده) (98) .
لقد عزل علي جميع العمال والولاة من عهد عثمان :
( ومن ينظر في هذا الفعل الذي قام به علي لا يستطيع إلا أن يصف عليا بقصر الباع في أمور السياسة . فكيف يجوز لحاكم جديد أن يهدم دفعة واحدة ما بناه سلفه . إن التدرج في مثل هذه الحالة ضروري . هذا ولكن عليا لا يعرف هذه الضرورة . فالمساومة الأولى تجر وراءها مساومات . والترضية الواحدة تؤدي إلى سلسلة متتابعة من الترضيات والمراوغات ) (99) .
لم يوافق علي على أن يقسم المال بين الناس حسب منازلهم الاجتماعية وأنسابهم ليتألف قلوبهم . وحين أزاح معاوية عن الفرات لم يمنع الماء عنه مثلما منعه معاوية عنه . ولم يكن يبالي بالأشراف ولا الشعراء ولا يستميلهم إلى جانبه . لقد كان علي حازما صارما في دينه ولم يستمع إلى نصائح من نصحه من الصحابة باستمالة الزعماء والأشراف والشعراء الذين صاروا من حصة معاوية . لقد هجر عليا حتى أخوه عقيل الذي التحق بمعاوية (100) .
ويعلق الوردي على هذه المواقف بالقول :
( إن هذه الأعمال لا يقوم بها من يريد أن يحكم الناس ويستفيد منهم . إنها بالأحرى أعمال من يريد أن يموت ، لتبقى بعده نماذج تقتدي بها الأجيال التالية . إن الذي يريد أن ينجح في هذه الحياة يجب عليه أن يداري الرؤساء وأولي الجاه وأرباب القلم وذلاقة اللسان . ولهذا وجدنا الداهية من رجال السياسة يغدق الأموال على الشعراء من ناحية ، وعلى الرؤساء من الناحية الأخرى . فيلهج هؤلاء وأولئك بأماديحه وينشرون فضائله بين الناس . ولو درسنا الأدب العربي لوجدناه مملوءا بأماديح السفلة والسفاكين والطغاة . ذلك لأن هؤلاء قد وزعوا جزءا كبيرا مما ينهبون من أموال الناس على الذين ينفعون ويضرون . أما المساكين الذين لا يستطيعون أن ينفعوا أحدا أو يضروه فقد خسروا دنياهم وآخرتهم معا ) (101) .
وفي التفاتة مهمة يبين الوردي أن ما يؤكد طلب علي للشهادة ، هو الجملة الأخيرة التي قالها عندما أحس بضربة سيف ابن ملجم على رأسه ، حيث قال :
( فزت وربّ الكعبة )
وكأنه كان ينتظر ضربة الخلاص الغادرة هذه . فالوردي يرى أن الكلمة الأخيرة التي ينطق بها الإنسان في ساعة موته تدل على ما يكمن في عقله الباطن من هم وانشغال بال .
ثم يخصص الوردي ما تبقى من هذا الفصل لتناول معاني ثورة الحسين بن علي الذي تسلم راية الثورة من أبيه ( وسار سيرة من يريد أن يموت كما سار أبوه من قبل ) (102) .
فالحسين أيضا لم يستمع إلى نصائح ابن عباس وابن جعفر وابن الحنفية وابن عمر وغيرهم ولا لوصف الفرزدق البليغ : ( أهل الكوفة قلوبهم معك وسيوفهم عليك ) .. وأصرّ على الذهاب إلى الموت :
( والظاهر أن الحسين كان يريد أن ينتحر . فهو يعرف بأن بني أمية أقوى من أن يستطيع القضاء عليهم بهذا الخروج ، وهو لابد هالك في السبيل الذي سار فيه . ولعله أراد أن يُقتل لكي يكون مقتله صرخة مدوية تقض مضاجع بني أمية .. كان مقتل الحسين من أقوى العوامل التي قوّضت دعائم الدولة الأموية في المشرق ) (103) .
ثم يناقش الوردي آراء القاضي الأندلسي أبو بكر بن العربي وابن خلدون اللذين يشجبان ثورة الحسين ، والشيخ محمد الخضري الذي يشجبها في القرن العشرين . ويختم الفصل بقوله :
( لو أن الناس جميعا اتبعوا نظرية الخضري وابن خلدون لوقف التاريخ ، ولما رأينا شيئا اسمه ديمقراطية . فالديمقراطية قامت على أكتاف الشهداء الذين ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة على توالي الأجيال . ينهض الثائر ثم يموت … فيثير بموته ثوارا آخرين . وبهذا تتلاحق قافلة الثائرين جيلا بعد جيل . وهم في كل مرة يضيفون إلى شعلة النور لهيبا جديدا . ليس غريبا أن يشجب الثورات رجل عاش في القرون الوسطى – يقصد ابن خلدون – ، إنما الغريب كل الغرابة أن يشجبها رجل يعيش في القرن العشرين ( يقصد الشيخ الخضري في كتابه تاريخ الأمم الإسلامية ) .
أما في الفصل الحادي عشر : ( قضية السنة والشيعة ) فإن الوردي يفتتحه بهجمة عاتية منذ السطر الأول :
( إن قضية السنة والشيعة قضية شائكة إلى أقصى حدّ ، سيما في العراق ؛ هذا البلد الذي يصح أن يُسمى ( بلاد الجلاوزة ) (104) .
وهو يحيلنا إلى مسألة مهمة ترتبط بتناوله هذه القضية الحساسة المدمرة التي يحاول كل منا تفادي النظر إليها حسب سلوك ( النعامة ) المتفشي في المجتمعات العربية . فهو يعلن أنه لم يكتب هذا الفصل الذي يترتب على معطيات الفصول السابقة ؛ خلافة الرسول ومقتل عثمان والصراع بين علي ومعاوية واستشهاد الإمام الحسين ، لمخاطبة الجيل القديم من أبناء العراق ، فهؤلاء لن يفهموا منه شيئا ولن يقتنعوا بأطروحاته لأن الموقف الطائفي والمذهبي قد ترسخ في عقلهم الباطن فأصبح من الصعب تغييره ، بل كتبه لأبناء الجيل الجديد الذي سئم من هاتيك التقاليد البالية ، وأدرك بأنها مصدر بلائه وأساس ضعفه . ثم يشير إلى أن من الغريب أن رجال الدين من السنة والشيعة ينسون أو يتناسون أن كلتا الطائفتين كانت في الأصل من حزب واحد ، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في القسم الخاص بنظرة الوردي إلى الصراع الطائفي في العراق


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"