د. حسين سرمك حسن : من أدب الشدائد الفاجعة : نوبة شبق مرعبة (تحليل قصة نوبة شبق لناطق خلوصي) (2/1)

hussein 5تحدثتُ ، كثيراً ، عن تقصير المبدعين العراقيين – في شتّى المجالات الإبداعية – في ملاحقة وإثراء ما أسميته بـ “أدب الشدائد الفاجعة” ، “أدب عصر المحنة” ، الذي يجسّد المحن المدمّرة والأهوال الساحقة العاصفة التي مزّقت جسد ووجدان الإنسان العراقي وشخصيّته ، وقوّضت ركائز وطنه ومجتمعه بصورة مرعبة ، وبلا رحمة ، وإلى الأبد . ويبدو لي أن هناك معادلة إبداعية تمسّ صلب عملية الخلق قد انقلبت على رأسها في الواقع العراقي الجحيمي الدموي “الجديد” ، وهي المعادلة التي تتصل بعلاقة المبدع بالمادة الواقعية التي تقدّمها الحياة الإجتماعية المحيطة به بكل متغيّراتها . ففي أي وقت ، وفي أي مكان ، يلتفت الكاتب لوقائع منتقاة من المحيط الذي حوله ، ويتأملها ، ويختزنها ، لتختمر ، ثم تعمل مخيّلته على تشكيلها في صور ومضامين خلّاقة جديدة ، يحاول مستميتاً ، وبكل طاقاته ، على أن “تسبق” الواقع ، وتجعله يلهث خلفها . أي أن قاعدة الفعل الإبداعي المتفرّد هي : إن مخيّلة المبدع تحاول أن تسبق الواقع .
سمعنا كثيرا عن امرأة ممتحنة ومُحبطة تبغي الإنتحار بفعل خيبات حياتها العاطفية وإجهاض أحلامها الشفيفة ، ولكننا لم نشاهد في حياتنا امرأة تريد أن تلقي بنفسها من الشرفة إلى الرصيف ، لتموت قرفا من حياتها وتخفّفاً من آثامها ، فيرتفع إليها الرصيف !! وقسْ على هذا المثال المأخوذ من رائعة “فلوبير” : “مدام بوفاري” . أي أن عظمة أي مبدع ، ودرجة اقتداره ، تُقاس ببعد الشوط الذي يحقّقه بين نتاجه الإبداعي الخلّاق والحالة الواقعية .. الإعجاز التصويري الهائل الذي يخلق واقعا جديدا باهرا .. أو “ما فوق واقع” إذا جاز الوصف . لكن في عراق ما بعد احتلال خنازير الولايات المتحدة الأمريكية لترابه المقدّس بعد عام 2003 ، حصلت مفارقة خطيرة شكّلت مأزقاً مُربكاً للمبدع العراقي وهي : إن الواقع العراقي صار يسبق مخيّلة المبدع . ولهذا صارت الكثير من النصوص التي يبذل فيها الكاتب والشاعر جهداً هائلاً ، لا تحقّق التأثير النفسي المطلوب لأن ما تصوّره – نثراً أو شعراً – صار يلهث وراء ما يقدّمه الواقع الرهيب من حوادث ووقائع جعلت الولدان شيبا . المخيّلة صارت تلهث خلف الواقع ، ويتسع الشوط بينها وبينه كل يوم .. بل كل لحظة .
لم يصوّر اي كاتب في العالم ما يسمّى بـ “طشت الخرده” أو “طست الخرده” . والطشت أو الطست – لمن لا يعلم – هو إناء كبير مستدير من نُحاس أو نحوه يستعمل للغسيل . أمّا الخردة ، وجمعها خردوات ، فهي قِطَع المعادن الصغيرة ، أدَوات معدنيّة مختلفة كالأقفال وأدوات المائدة ، أشياء قديمة فقدت صلاحيَتها ، ويمكن استعمالها من جديد في شكل ما ، كقطع الحديد أو الزّجاج ، أو الورق العتيق . هذه معاني طشت الخردة في أي مكان من العالم .. أمّا في العراق ؛ عراق ما بعد الإحتلال الذي وعده الأمريكان المسعورون بالديمقراطية والتحضّر والرفاه ، فإن معنى طشت الخردة هو التالي :
nateq  2بعد أن تحصل تفجيرات السيارات المفخّخة وسط التجمعات البشرية الكبيرة ، تتمزّق أوصال أجساد الضحايا شرّ ممزق .. وتتطاير الأرجل والرؤوس والعيون والأحشاء والأصابع والأنوف … فيتم جمعها في طشت يوضع في المستشفى ثم تقوم الناس بإكمال أجسام ابنائهم الممزقة . وقد تتم عملية “التركيب” بعد عدّة محاولات ، مثلما قد لا تجد الأم المثكولة العضو المطلوب لإكمال جسم ولدها الحبيب !! في أي كابوس .. وفي أي نص .. شاهدتَ – سيّدي القارىء – مثل هذا الطشت ؟!
يأتي نص ناطق خلوصي : “نوبة شبق” (1) الذي كتبه في عام 2008 ، ليؤكّد أن المبدع الأصيل لن يعزّ عليه ، أبداً ، أن يغالب الواقع الجهنّمي .. ويغلبه ، وأنّ مخيّلته الباشطة قادرة على ابتكار ما يعجز الواقع نفسه عن ابتكاره ، بالرغم من أن “المادة الأولية” – وكما هو معروف – لأي نتاج إبداعي يتكفّل الواقع بتقديم عجينتها . صار التُنور العراقي بحجم الكون ، وطشت عجينته بقدر الأرض . فأين الأنامل الحديدية الماهرة المبدعة التي تستطيع إنضاج أرغفة الإبداع وسط ألسنة لهيب المحنة ؟!
في “نوبة شبق” ، يأتي العنوان مفارقاً يحمل دلالات جنسية واضحة ، قد تجعل القارىء المتعصّب لأطروحة أن “العنوان ثريّا النص” يقع في مصيدة صادمة ، وهو يقف على عتبة النص ، حيث قد يتصوّر أن هذه القصة القصيرة تدور حول موضوعة جنسية بشكل خاص ، أو حسّية ملتهبة بصورة عامة . لكن بعد أن ينهي قراءة القصّة ، سوف يجد دلالات وإيحاءات مغايرة كثيرا لما انغرس في ذهنه من إيحاءات أثارتها طبيعة العنوان المباشر . يتحقق دور العنوان هذا ، في كلّ نصّ ، بعد أن تتشكّل لدى القارىء ، والناقد  ، “الصورة الكلّية – الجشطلت” للنص المطروح ، ويضع – بوعي نقدي حاد – دلالات العنوان وإيحاءاته في موضعها التفاعلي المناسب ، مرتبطاً بباقي مكونات النص التي تعود عليه بإثراءات مقابلة .
ويستهل القاص نصّه بالقول :
(تساقطتْ شظايا من بصرها على وجهه ، وهو يقف وسط الحشد الذي يكتظّ به الرصيفُ المقابل)
وقد يكون اختيار القاص لمفردة “شظايا” معبّرا عن تلك الومضات السريعة التي تنطلق من قزحيّة عيني الشخص ، وهو يقف تحت أشعة شمس ساطعة ، أو ضياء باهر . لكن لم تقترن بهذه المفردة إشارات مضافة تشير إلى هذا المتغيّر ، بل جاء الوصف اللاحق “مُحايداً” من ناحية الطبيعة الفيزيائية :
(فرفعتْ رؤوس أصابع يدها اليمنى ، ولوّحتْ له بها ، بحذرٍ ، خشية أن لا يلتقط بصرُه تلويحتها ، فيقتنصها بصرٌ آخر متطفل . لكنّ بصرَه  ، التقط تلك التلويحة الحذرة ، فشقّ طريقه بين الزحام قادماً باتجاهها) .
وعليه ، فإن ما هو أقرب للتأويل المستتر ، هو أن اختيار الكاتب لهذه المفردة قد جاء محكوماً بأحد عاملين : أمّا أن الحروب الثلاث المهولة التي عاشها الكاتب في وطنه ، وانعكست أهوالها على كل مناحي الحياة فيه ، وخصوصا اللغة وشكل ومضمون الكتابة ، قد شحنت ذاكرته اللاواعية بمفرداتها القتالية . فقد صار النص الأدبي الذي يُكتب في العراق مُتخماً بالتعبيرات والكلمات الحربيّة (رصاصة ، قذيفة ، أسلاك شائكة ، خنادق ، أرض حرام ، سواتر ، سرّ الليل ، البسطال ، القصعة ، كلاب الميدان ، البارود ، المدافع ، الجنرالات ، القنابل ، الإجازة الدورية ، الألغام … وغيرها الكثير) . وحتى الآن لم يتخلّص النص الأدبي العراقي ، ومبدعه ، من ذيول الحرب النفسية واللغوية الجارحة . فوق ذلك فإن نصوص الحرب الكبيرة صارت تظهر الآن على اساس قاعدة “إن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب” . وأمّا أن الراوي ، والنص يُحكى بضمير الغائب – ومن ورائه مبدع النص طبعاً – يعيش حالة من الإحتدام النفسي انعكست – ومنذ خطوة الإستهلال – على الزخم النفسي الذي حفزه لالتقاط مفردة جارحة وممزّقة تناسب طبيعة الواقعة التي صمّمها مسبقاً ، والتي ستدور رحاها بين الرجل والمرأة في هذه الحكاية .
عبر الرجل الكهل – كما يصفه الراوي – الشارع مسرعاً ، و :
(بلغ الرصيف الذي تقف عليه ، دسّ جسده بين الحشد ، وشقّ طريقه بصعوبة إلى أن صار قريباً منها ، فنشرتْ على وجهها ابتسامةً عريضةً ، والتقطت إصبعين من كفّه اليمنى ، وصارت تضغط عليهما . همس لها :
” لكأنّ هاجساً أنبأني أنني سأراك هنا هذا اليوم . أين بقيّة العائلة ؟ ” ردّت متضاحكة :
” لا أدري والله . فقد خرج كلّ منّا بصورة منفردة . هكذا تسير الأمورُ بيننا كما تعلم “.
أشارت عليه بأن يقف خلفها لتتخلّص من محاولات مراهقٍ نزقٍ الاحتكاك بجسدها ، فامتثل ، وتلك اللحظة شعرتْ بالراحة تغمرها . بإمكانها الآن أن تتحرك كما يحلو لها ، ما دامت في ظلّ حماية جسده ، وقد بدأتْ تتحرّك فعلاً . إذ شعر بأعلى ظهرها يلتصق بصدره وبمؤخّرتها تضغط على أسفل بطنه ، وصارت تحتكّ به . ضايقه ذلك ، وكان يمْكن لغيره أن يسيء تفسيرَ حركتها ، لكنه يعرفها جيّداً ويعرف الظروف التي مرّت بها ، فتركها تتصرّف كما تشاء) .
أي أن خيوط نوبة الشبق الحمراء يبدأ نسجها منذ أول لحظات اللقاء بين الإثنين ، بفعل جوع الجسد الأنثوي الذي لم يعرف تعطيلا ، ولم تردعه الظروف المحيطة حيث حشد الناس الخانق ، ووجود المراهق النزق المتحفّز .
ولكن في الغالب لا تُنتسج خيوط شبكة الإغواء إلّا بتواطؤ الطرف المقابل لتكتمل دائرته . وفي كثير من الأحوال يستخدم اللاشعور القدرة التبريرية للشعور كغطاء وكاسحة ألغام تنظّف الطريق أمامها من النواهي ، أو تخلخلها ، وترقّق دفاعاتها على الأقل . فلو نظر أي مراقب محايد إلى حركات جسد المرأة لفسّرها بصورة مستقيمة كحركات جنسية تحرّشية صارخة لا تتناسب والموقف الاجتماعي الراهن ابداً ، ولكن الرجل يوفّر لهذا السلوك الأنثوي الجامح غطاء “منطقيا” يعقلنه بفعل “الظروف” التي مرّت بها هذه المرأة ، والتي لم نعرفها حتى الآن ، فالراوي هنا يعرف كل شيء مما هو في الحاضر ، وفي المستقبل على محور زمان الحوادث السردي .
وتمتد خيوط هذا “التواطؤ” الهاديء تدريجياً ، وتزداد طولاً ، و”احمراراً” ، حين ينقاد الرجل بسهولة لإرادة المرأة التي تمسك بيده وتسحبه باتجاه الخارج وسط دهشته واحتجاجه ، فيطاوعها مضطراً ! كما يقول الراوي .
وتأتي هذه اللمحات من علاقة الرجل بالمرأة ، وهما حتى الآن بلا إسمين – وسط أجواء احتفاء كرنفالية انهوست فيها الناس منتظرة مقدم موكب راعي المهرجان الذي سيأتي ممتطيا سنام بعير ، وسوف ينثر صرر النقود على رؤوس مريديه ، كما يقول الرجل ساخرا ، فترد عليه المرأة مسفّهة ما يقوله ، داعية إياه إلى أن يذهب معها إلى البيت . هذه الإستطالات السردية ليست منبتة عن المناخ العام الذي تصمّمه الحفزات اللاشعورية اللائبة في أعماق الكاتب ، والتي تنسرب على لسان الراوي الذي – إذا أردنا توصيفاً نفسيا لدوره – لقلنا برهاوة أنّه وكالة دفاعية نفسيّة يلقي الكاتب على أعبائها مكبوتاته ؛ مشغل تخليقي تنسرب من خلاله الصراعات والرؤى والمواقف التي لا يبغي الكاتب طرحها بصورة مباشرة ، لتتمظهر عبر سلوكيات الشخصيات الرئيسية في القصّة .
وتخدم هذه الفُسح السردية ، الوصفية والحوارية ، غاية أخرى تتمثل في الإيهام وتشتيت انتباه القارىء عن الإمساك المُحكم بـ “العقدة” أو “العقد” الدفينة التي تقدّم مُقسّطة عبر مشاهد تتناوب بين تلك الفُسح . يُقدّم ناطق خلوصي العقدة الرئيسية عبر ممهدات وفي صورة جُرع تطعيمية . تأتي جرعة مهمة وأكثر تقدّما الآن . فالرجل ينظر إلى المرأة ، فتبدو – وهي تمشي بقامة منتصبة – وكأنها في عمر صُغرى بناته ، ولا أحد يستطيع الحكم عليها بأنها تجاوزت الأربعين ولديها ولد بكر تجاوز سن المراهقة ، وبنت على عتبة المراهقة .  يسألها مناكداً :
(أراكِ لم تلتزمي بتعليمات ألجهات المختصّة !
تساءلت باستنكار :
” وماذا تقول هذه التعليمات ؟ ! ”
ردّ متضاحكاً :
” لقد طلبوا الينا أن نظهر بأزهى ما لدينا من ثياب ، وها أنت تلبسين هذه الجبّة السوداء الخفيفة فوق ثيابك ، وكأننا في مأتم ، وليس في مهرجان للفرح ! ”
سألت :
” ولماذا يطلبون إلينا ذلك ؟ ”
ردّ على عجل :
” لكي لا نجد من يقول اننا محضُ حفنةٍ من جياع  حفاةٍ وعراة  . كان عليك أن تظهري بما يوحي انك في حالة فرح . ”
احتدّ صوتُها :
” لم يطرق الفرحُ باب قلبي منذ تلك الليلة المشؤومة . ”
إن لاشعورنا قادر على تمرير أكثر الأفكار والحفزات استعصاء عبر منطقه التصويري الذي لا يعرف المحدّدات المنطقيّة التي يسير على جادتها الشعور ، وعبر الإستدراج اللغوي الماكر الذي يلوي الدلالات الإستعمالية والتوصيلية للمفردة . فإشارة المرأة إلى “تلك الليلة المشؤومة” رفعت من درجة ترقّبنا لما سيأتي ؛ ترقّب عزّزه الراوي من خلال وصف ردّة فعل الرجل بالقول إنه :
(وجم وخشي من أن تستعيد صورا من تلك الأيام فتنتابها نوبةٌ مخيفة)
ليجعلنا نستعيد – عبر تكرار مفردة “نوبة” – الطبيعة الشبقية لنوبة العنوان ، هذه الطبيعة التي ستكون من طبيعة “مخيفة” . ويبدو أن الكاتب ممثلا بالراوي في الخط الأول من المسار السردي يصوّر مشاعر أبطاله – سلوكا ولغة ـ أفعالا وحوارات – مزحوما بطاقة الإحتدام الغريزي التي انسربت منذ لحظة الإستهلال ، وهذا الإحتدام يتصاعد عبر نقلات تسوقها الحركة الرئيسية في النص نحو الذروة المرسومة التي لا يعرفها سوى المؤلف الذي دعت بعض التيارات الحداثية إلى موته !! وهذا الإحتدام يجعل المشاعر المكتومة – التي لا يشعر بها سوى الرجل – وكأنها حلقة من حوار “تشعر” بها المرأة عبر حسّ استقبالي غريب ، وكأنها تتسمّع لغته الداخلية الصامتة ، فتردّ عليه في حلقة متّصلة تتكفل بها اللغة . فعبارة :
(وجم وخشي من أن تستعيد  صورا  منً تلك الأيام ، فتنتابها نوبةٌ مخيفة)
كانت انفعالا مستترا في أعماق الرجل ، لكن الحركة السلوكية المُعلنة التالية من قبل المرأة تأتي ، وكأنها ردّ متصّل على تلك الحركة الإنفعالية المكتومة لدى الرجل :
(ولكنها أشاحت بوجهها عنه ، ثم التفتتْ إليه ، وهمست ضاحكة)
ويُستكمل المشهد في تساؤلها عن سرّ وسامته وهو الكهل ، لتوازي تساؤله عن سرّ أن تبدو هي بعمر صغرى بناته ، وقد تجاوزت الأربعين :
(… وهمست ضاحكة :
” من أين جئت بكل هذه الوسامة ؟ ”
انفجر مقهقهاً :
” وسامة ، وأنا في وشالة العمر ؟!” )
فتردّ على تعجّبه بعد أن تلوي رغبة الكاتب عنق دلالة اللغة ، من خلال الإستخدام المضلل لمفردة “ملهوج” :
(ردّت ملهوجةً :
” بل  ما زلت في ذروة شبابك . “)
فالمُلهوِج لعمله – كما تشير معاني الجذر “لهوَجَ” – هو من أهمله ، وفعله على عجل وبلا إحكام ، لم يتقنه ولم يحكمه : “ذاكر دروسه بلهوجة” . ولكن السياق الذي تأتي ضمنه هذه المفردة الآن يحمل معاني مبطنة من معاني المفردة العامية العراقية خصوصا ؛ معاني الحرقة والتعجّل والتوق الملتهب ، وهذه الإيحاءات تتفق مع الغاية المتخفّية التي تُسخّر كل التفصيلات السلوكية في خدمتها ، وتتجمّع في حركة شعاعية عند بؤرتها أدق الأفعال التي تتضمنها كل حركة مشهدية . وفي ختام هذه الحركة ، يتحوّل الرجل إلى المبادرة ، بعد أن كان متوجّسا ساخطا من محاولة المرأة استدراجه إلى البيت :
(قال وهو يمسك بيدها ، ويستعجلها السير :
” دعينا من المزاح الآن . لنصل البيت أولاً”) .
قادها بدوره الآن ، بعد أن سحبته في الحركة السابقة فطاوعها مضطرّاً .
إننا نقف – في الواقع – أمام حركة تناوبية متذبذبة ، تعبّر عن الحيرة والقلق اللذين يستوليان على الرجل ، وهو يحاول رسم حدود استجابته لسلوك المرأة ، الذي أثار في أعماقه الإرتباك والتشوّش اللذين صرنا نتشارك بهما معه جزئياً من خلال التوجّس الذي زرعه في نفوسنا من احتمالات أن تعود إليها “النوبة” العنيفة التي لا نعلم حتى الآن ما هي . هذا الإرتباك والتشوّش أوصله شيئا فشيئا إلى موقع التبرير أمام المتلقي ، وكأنه يدفع تهمة بالغة عنه ، وهو يسير في الشارع ، ويمسك يد هذه المرأة التي اتضح الآن أنها زوجة ابن أخيه المحبّب إلى قلبه . صار عليه الآن أن يبرّر لنا أموراً لم نسأله عنها ، ولكن بفعل ضغوط الشعور بالذنب المبيّت من ناحية ، ولإعدادنا للمقبل من الحوادث التي سوف تجري في موضع الآثام – في البيت – الذي يتجهان نحوه :
(كان الشارع خالياً من السابلة ، لذلك لن يراهما أحد وهما يسيران يداً بيد ، ويتحدّثان بصوت مرتفع . ولو وقع بصرُ أحدهم عليهما فلن يساوره الشكُ ، في أنه واحدٌ من أفراد العائلة . فمنذ أن غيّب الموت أخاه ، وجد نفسه مسؤولاً عن رعاية أسرته ، فرعى الأبناء مثلما يرعى أولاده . فقد كان يولي زوج هذه السائرة إلى جواره رعاية متميّزة . وكان يحمله على صدره وهو صغير ولا يردّ له طلباً . لم يكن غريباً إذنْ أن يدخل البيت ويخرج دون استئذان ، بل كان في ميسوره أن يدخل غرف النوم ، ويستلقي على أيّ سريرٍ يشاء عندما يريد أن ينام القيلولة . أما هي فليست من العائلة . انها من خارجها ، وقد استحوذ عليها ابنُ أخيه بعد أن انتزعها من مقاعد الدراسة ، وهي في سنتها الجامعية الاولى) .
وحتى هذه اللحظة ، لم يتوفّر لدينا – ناقدا وقرّاء – أيّ دليل صارم حول طبيعة هذه النوبة المخيفة التي يخشى الرجل أن تستولي على المرأة . وبخلاف الدور المنوط بثريا العنوان ، فإن طبيعة هذه النوبة صارت غائمة ، فنوبة الشبق (اشتداد الشهوة الجنسية والرغبة القوية في الجماع) مصدر للمتعة العارمة في التصوّر المعتاد ، ولا تصبح مثيرة للهواجس والتخوّف إلّا إذا ارتبطت بظروف غير مناسبة ، أوّلها الطبيعة المحارمية ، وثانيها أن يترتب عليها أذى لسمعة الفرد – المرأة خصوصا في مجتمعاتنا – من خلال اختيار المكان والزمان غير المناسبين .
يتداعى الرجل الآن إلى أيام محنة المرأة السوداء ، فقد تحمّل مسؤوليتها الجسيمة وحده ، بعد أن هاجر زوجها إلى بلد آخر بعد أن تعرّض إلى ظرف صعب . لخّص الطبيب النفسي محنة المرأة للرجل / عمّ زوجها الغائب ، بالقول :
(“لا أخفيك أنّ حالة ابنتك لا تخلو من خطورة . إنها تعاني جوعاً جسدياً بسبب غياب زوجها عنها ، وقد يقودها ذلك أما إلى الانحراف أو الى معاناتها من نوبات شبقٍ جنونيّ فتصبح خطراً على مَنْ معها  . لابدّ من أن تكون حذراً معها ، وتحاول إشغالها عن التفكير بزوجها . سأكتب لها بعض العلاج ، ولامناص من جلسات أخرى”) .
وقد يتساءل مختص بالطب النفسي عن سرّ هذا المرض الذي يجعل امرأة ما تهجم على رجل بقصد مواقعته ، علناً وبلا تردّد ، من دون أن تكون تلك المرأة مصابة بالتصدّع العقلي الشديد أو الجنون . بل حتى لو كانت مُصابة بهذا التصدّع العقلي فإن الأمر لن يتم وفق الصورة التي طرحها الطبيب النفسي . لكن خيارات المُبدع تبقى ضمن عالمها الشعري الإبداعي . والحقيقة الشعرية تختلف تماما عن الحقيقة الموضوعية ، بل قد تناقضها أحياناً ، ولكن ليس معنى هذا أنها “كاذبة” .. بل هي صادقة تماما في إطار واقعها النفسي اللاشعوري خصوصاً . أمّا قوّتها الإقناعية فتعتمد على قدرة المبدع على تقديمها في صورة محكمة تأتي ضمن سياق أكثر إحكاماً يمثّل لها “الأرضية” الواقعية التي تتحرّك عليها الشخوص والوقائع . لقد اعترض الجاهليون على التصوير القرآني لطلع شجرة الزقّوم وتشبيهه برؤوس الشياطين (سورة الصافّأت – الآيتان 61 و65) ، فهم لم يروا شجرة الزقوم ولا طلعها ولا رؤوس الشياطين .. فكيف سيقتنعون بعمليّة تشبيه طرفاها مجهولان ؟! لكنّ قدرة المبدع – والمبدع من أسماء الله الحسنى – الخالق الخارقة ، والسياق القرآني التصويري والفكري (الترهيبي خصوصاً) الذي جاءت في إطاره ، جعلت النفوس الرافضة تخنع وتخشع وتقتنع .
ومن الصعب على المتلقي أن يتساءل ، الآن ، وقد رقّق ناطق خلوصي دفاعاته كثيرا بصورة استدراجية مدروسة ، عن “المرجع” الموضوعي الذي يصلح لمقارنة حالة المرأة المُمتحنة ، به ، في اضطرابها النفسي الشديد . وهو اضطراب صمّمه الكاتب بصورة تثير التوجّس والقلق في نفس أي قارىء تتأسس روابط التعاطف بينه وبين هذه المرأة ، بالرغم من “الخفّة” والمرح الظاهر الذي تتعامل بهما مع الرجل من جانب ، ومع المتغيرات التي حولها في الإحتفال الكرنفالي من جانب آخر ، على العكس من الرجل الذي يسير بجوارها متحسّب مهموماً ، وهو يستعيد كلام الطبيب المُرعب في داخله :
(انتبه الى انه انشغل عنها قليلاً ، فالتفت اليها معتذراً :
“آسف .. لقد انشغلت عنك ”
قالت ضاحكة ، وهي تنوس برأسها :
” أين سرحتَ ؟ ”
ردّ قائلاً :
“في مكانٍ قريب”
قالت :
“ربما في المهرجان وصُرر النقود !”
شعر كأنها مدّت إليه حبل نجاة :
” بالضبط . كيف عرفت ذلك ؟ لكأنك تقرأين ما يدور في رأسي !”  تضاحكتْ :
“لقد حدستُ ذلك” .. )
إن حالة المرح هذه ، التي امتدت من الإستهلال حتى الآن ، تخالف محنتها السوداء التي طرحها الرجل أمامنا قبل قليل ، والتي جعلت الرجل يوصى مَن في البيت أن يحسنوا التعامل معها ، وأن يتوخّوا الحذر منها في الوقت نفسه ، ويُجهد نفسه في توفير كلّ  ما يمكن أن يشغلها به ، ولا يغمضْ عين رعايته وعين حذره عنها . ولعل تصميم خلوصي لهذه الحالة العاطفيّة المتضادة ، جاء موّفقاً في تصعيد حالة الترقّب والتأرجح في التوقّعات لدى القارىء تحت مظلّة ذهنيّة مؤجلة عن نوبة الشبق ، التي لا يعرف أين ومتى تحصل .. وقد لا تحصل أبداً . وهذه الحالة من التضاد الوجداني لم يفلت منها خلوصي نفسه ، وانعكست على “إدارته” لسلوكيات شخصيتيه الرئيسيتين ، وعلى “توقيت” الوقائع وتقييم مقدار دورها الوظيفي ، وصلتها بنصوصه الإبداعية الأخرى . فالرجل يسأل المرأة ، وهو يسير بجوارها ، عن حال ولدها وبنتها المراهقين :
(… تساءل :
” كيف حال الولد والبنت معك ؟ ”
ردّت ضجرةً :
” في أسوأ حال ! إنني لا أنام الليل ربعه بسببهما .. كانا معتادين أن يناما في فراش واحد في طفولتهما ، وأخشى أن يستبدّ بهما الحنينُ الى تلك العادة الآن  . إنّ عين مراقبتي تظل يقظة عليهما في الليل مع أنّ البنت تنام الى جواري على السرير . ”
قال محاولاً التخفيفَ من غلواء شكوكها :
” لا أرى ما يدعو الى مثل هذه الشكوك . فأنتِ تعبتِ عليهما ، وأحسنتِ تربيتهما ، فلا مدعاة للمخاوف . ”
سألتْ بصوت منكسر :
” هل تظن أنني أحسنتُ تربيتهما حقاً؟ ”
قال :
” بل أنا متأكدٌ مما أقول . وهذا رأي الجميع أيضاً. ”
ابتسمت عن رضا ، ودمعت عيناها من الفرح) .
يعكس سؤال الرجل وجواب المرأة عليه ، أولاً ، الهاجس المحارمي الذي جعل يستولي على نصوص ناطق خلوصي السردية : قصة ورواية ، في السنوات الأخيرة من مسيرته الإبداعية المديدة ، في مرحلة تطوّرية سمّيتها بـ “مرحلة التفجّر السردي الجنسي” ، التي دارت الغالبية المطلقة من نصوصه فيها حول الدافع الجنسي عموما ، والحفزات المحارمية بشكل خاص . وسنجد في روايته “أبواب الفردوس” حكاية مرتكزها أخ وأخت مراهقين كانا في ، طفولتهما ، ينامان في فراش واحد ، الأمر الذي زرع في نفس البنت بذرة تعلّق محارميّ أربك حياة الإبن والعائلة لاحقاً . كما يكشف ثانيا قلق المرأة من أن ينفلت النزوع المحارمي الآثم ويهتاج بين ولديها المراهقين ، فيعودان للنوم سويّة . وقد يكون تفسير قلقها كامناً في تاريخ شخصي للولدين لا يسرّ ولا يدفع إلى الثقة بإرادتهما وتمسكّهما بالعلاقات الصحيحة اجتماعياً ، أو إلى عامل آخر علينا أن نُمسك به لاحقاً يتعلّق بصراعات الأم نفسها وبحبكة النص كما سنرى . وقد هزّ الرجل مقوّمات العامل الأول نسبيّاً حين أكّد لها أنها قد تعبت على ولديها وربّتهما في أحسن صورة ، وأنّ هذا ليس رأيه حسب بل رأي الجميع . ومن المؤكّد أن ابتسامة الرضا التي ارتسمت على وجهها وبريق دموع الفرح في عينيها الناجمة عن إطرائه لها سيثير قدراً من التعاطف في نفس القاريء معها ، مترافقاً مع الإشارات السابقة إلى خساراتها الجسيمة ، ممثلة بمحنتها السوداء التي سوف تربك الإستقبال المسترخي لدى المتلّقين لمفهوم “نوبة الشبق” مادامت نتاجاً لتجربة مدمّرة مزّقت وجود هذه المرأة . هل مازال العنوان ثريا للنص ؟
(فجأةً . وجدا نفسيهما أمام باب البيت . أخرجتْ المفتاح من حقيبتها اليدوية ، ودسّتْ به في ثقب القفل ، وما لبثتْ أن دفعت الظلفة وهمستْ :
” تفضل ! ”
قال :
” أنتِ أولاً . ”
ردّت بعناد طفوليّ :
” بل أنتَ أولاً . أنسيتَ إنك ضيفي ؟ ”
نظر اليها معاتباً ، وما لبث أن انحشر من خلال الفُرجة التي أحدثتها حركةُ يدها وهي تدفع الظلفة ، ووجد نفسه في المدخل . رآها تدخل وتغلق الباب بالمفتاح . تساءل مستنكراً :
” لماذا بالمفتاح ؟! ”
قالت ضاحكة :
” ذلك أفضل ! ”
عاد يسأل :
” واذا جاء أحدُهم ؟ ”
ردّت وهي تجتازه :
” لا تقلقْ . كلّ واحد له نسختُه من المفتاح” )
تأتي الكثير من تبريرات الأفعال وتفسيرات الدوافع في هذا النصّ ، مجتزئة ، أو مقطوعة ، أو غير متناسبة مع التصرّف المعني ، ولا يُبحث سبب هذا الإجتزاء ، أو الإنقطاع ، أو عدم التناسب ، من قبل الطرفين : الرجل والمرأة ، الأمر الذي يشي بوجود دوافع تواطؤ خفيّة تشتغل تحت مظلة مباركة الكاتب . فمعنى أن لكلّ من الولدين مفتاحه الخاص مقلق وينبغي أن يثير مخاوف الرجل وتحسّباته بدرجة أقوى ، لأن من الممكن أن يفاجئهما أي من الولدين . ملعونة الغريزة ، فهي قادرة على أن تمتطي – وبدهاء – أي وسيلة وأداة للتوصيل . وضع “هيدغر” العقل في سجن اللغة ، ثم جاء فوكو وجعله سجينا في زنزانة الكلمة المفردة . لكن اللغة مطيّة اللاشعور . يقول معلّم فيينا :
(لسنا نستطيع الإلمام بمشكلات الشعور في كلّ تعدّدها إلّا بتحليل العمليّات الفكرية في الهستيريا .. فهذه تشعرنا بأن الإنتقال من استثمار قبل شعوري إلى آخر شعوري يتسم برقابة تماثل تلك القائمة بين النظامين اللاشعوري وقبل الشعوري ، ولا تأخذ هذه الرقابة أيضاً في العمل إلّا بعد حدّ كمّي معيّن بحيث تفلت منها العمليّات الفكريّة ذات الشدّة المنحفضة …وفي مجال الظواهر العصابية النفسية أمثلة من كل نوع تبيّن كيف تنفصل فكرة من الشعور أو تنفذ إليه تحت قيود معينة ، وكل هذه الأمثلة تلمح إلى العلاقات الباطنية المتبادلة بين الرقابة والشعور)
ثم يطرح مثالاً يثبت استنتاجاته الفكرية الإنقلابية وقتها فيقول :
(دُعيت في العام الماضي إلى زيارة فتاة كان مظهرها ينم عن الذكاء والبعد عن الكلفة ، وكان ملبسها يبعث على الإستغراب ؛ فبينما ينم هندام المرأة عادة عن عناية تتناول أدقّ التفاصيل ، كانت هذه تحمل جورباً متدلّياً وصداراً انفكّ منه زرّان . وشكت الفتاة ألماً في ساقها وعرّت ركبتها دون أن يُطلب منها ذلك . ولكن شكاتها الأولى كانت شعوراً يخالجها في جسمها كأن شيئا ما (قد غُرس فيه) ؛ شيئا كان (يتحرك إلى الأمام وإلى الحلف) ، وكان هذا الشيء (يهزّها) من قمّة راسها حتى أخمص قدمها ، وكان في بعض الأحيان يجعلها تشعر بجسمها (متصلّبا) . ونظر إليّ زميلي الحاضر معي في أثناء الفحص ، فلم يفته أن يرى ما تعنيه هذه الشكاة . ولكن الذي لاح لكلينا أمراً عجباً هو أن أمّ المريضة لم تحدّث نفسها بشيء ، مع أنها لا بدّ قد وجدت نفسها مراراً في الموقف الذي تصفه ابنتها . وأمّا الفتاة فلم تكن تفطن البتة إلى ما ترمي إليه أقوالها ، وإلّا ما فاهت قطّ بلفظ منها . فهذه الحالة أمكنت فيها مداورة الرقابة بحيث ترى تخييلاً يبقى عادة طي ما قبل الشعور وقد أُذن له الإنبعاث في الشعور تحت ستار بريء من التشكّي) (2) .
هكذا تمتطي الرغبة اللغة ، بكل مكرٍ ، لتمرّر إشباعاتها حتى لو كانت جزئية ، فتورّط مستخدم اللغة في الوقوع في مصيدة الإحساس النرجسي الخادع بالسيطرة والقوّة .
وكان على ذاكرة الرجل أن تشتعل يقظتها ، بصورة أشدّ ، حين يقع تصرّف المرأة الغريب التالي بعد أن دخلا البيت :
(سارت ، فوجد نفسه مضطرّاً للحاق بها . رآها تتجه صوب غرفة نومها ، فوقف متردداً . التفتتْ إليه ، وتساءلت مستنكرة :
”  ما هذا ؟! هل هذه أول مرة تدخل فيها هذه الغرفة ؟ ”
هزّ رأسه بالنفي ، فعادت تسأل :
” ألم تنم القيلولة فيها أكثر من مرة ؟ ”
(- طبعاً ، أعدّنا الكاتب نفسيّاً – قبل قليل – حين عرض علينا تداعيات الرجل السابقة عن كونه جزءاً من عائلة المرأة ، وكيف كان يقضي القيلولة في أي غرفة نوم في بيتها !! )
… هزّ رأسه مؤيداً هذه المرة . سمعها تقول بنبرة احتجاج :
” لماذا تتردّد إذن . تعال . انها في الأقل أبردُ مكان في البيت . ”
رآها تفتح الباب ، وتدخل ، فحسم تردّده . دخل ، وكانت تقف وراء الباب ، وإذ اجتازها ، رآها تردّ الظلفة ، وتدير المفتاح ، بل وضعتْ قفلاً صغيراً في مزلاج الباب ، وقفلته . سَرَتْ في جسده هِزّة خوف حقيقيّ . انفجر محتجّاً :
” لماذا كلّ هذا ؟ ”
ردّتْ متضاحكة ، وهي تسير صوب وسط الغرفة :
” لكي نكون أكثر أماناً .”
لاحقها صوتُه المحتج :
” ولكنكِ تضعيننا في موقف محرج . ماذا سيقول مَنْ يأتي ، ويجدني مختلياً بك وراء باب مغلق ؟! ”
قالت دون أن تلتفت اليه :
” لا تحملْ همّاً .  لن يجيء أحدٌ منهم قبل أول المساء . تعال ولا تظلّ واقفاً هناك . ” )
لقد غلّقت الأبواب كلّها ، بصورة محكمة ، ولم تعد هناك فُسحة لدى الرجل لاصطناع براءة التساؤل ، ولكنه كان ماضٍ في لعبة يديرها لاشعوره عن بعد ، لعبة في غاية الخطورة ليست مسؤولة عن أشد سلوكياتنا خطورة في السياسة والإجتماع والحياة اليومية على حدّ سواء حسب ، بل في عملية الإبداع أيضاً . فمثلما نقف – ناقداً وقرّاء – راصدين خطى الرجل ، وهو يسير – مخيّراً في الظاهر – لمداراة حالة المرأة المُحبطة تحت ضغط امتزاج ملتبس بين الإدراكات الشعورية المحكومة بالنوايا الإنسانية المُعلنة ، والرغبات اللاشعورية المسمومة ، فإن المبدع يكون – لحظة الكتابة  – واقعاً تحت نفس الضغوط التي لولا امتزاجها – وكونه مسيّراً بها في الباطن – (3) ما كان لجذوة الخلق المشوّشة باستدراجاتها المغوية نحو نهايات غير محدّدة ، تعيد فلسفة السرّ الذي يجب أن يُفشى ليكون سرّاً ، والإنجذاب نحو محاولة ملء “فراغ المعنى المؤقّت” الذي يجب أن يُملأ ، ولعنة “الغرفة المغلقة” التي يجب فتح بابها ، وكلّها اختبارات لا يمكن أن يتحمّلها اللاشعور ، ويعمل على فكّ خيوط عُقَدها مهما كان الثمن مدمّراً ، مشفوعا بمبدأ عمله الوحيد : مبدأ اللذة . أقول ، من دون هذه الإشتراطات ، ما كان ممكناً للكاتب إنتاج نصٍّ بهذا المستوى من الحكمة في خلط أوراق الشعور البيض بأوراق اللاشعور الحمر والسود أولا ، وتأمين حسّ مرهف مصوّر بفنّية عالية في عرض محنة المرأة أساساً ثانياً ، وشدّ القارىء عبر “طعم” ذاك المزيج “المميت” ليسير – ثالثاً – بلا تساؤلات معطّلة مع الرجل والمرأة حتى غرفة نوم الأخيرة كما يحصل الآن :
(سار صوب وسط الغرفة ، هو الآخر ، ووقف على بعد خطوتين أو ثلاث خطوات وراءها . سمعها تقول :
” هذا جيّد . ليبقَ كلٌ منا في مكانه ، ونتحدّث ، وأحدنا يرى الآخر من خلال المرآة . ”
هزّ رأسه حائراً : إنّ تصرفاتها لا تبدو سليمة هذا اليوم . رآها تفتح أزرار جبّتها السوداء ، وتنضوها عنها ، وترمي بها على السريرالقريب ، فانكشفت ذراعان رائعتان عاريتان ، وعنقٌ طويل . قال ممازحاً ، ومناكداً ، وقد رأى إنّ الثوب الذي ترتديه تحت الجبّة أسود هو الآخر :
” ما هذا ؟ إنكِ سوادٌ في سواد الى قطع النفس ! ”
تضاحكتْ :
” لا . ليس الى هذا الحدّ ، فتحت ثالثَ سوادٍ ثمّة بياض . ”
فكّت الربطة من رأسها ، ونشرتْ شعرها ، فبان لامعاً متوهّجاً تزينه شعراتٌ بيضاء قليلة متناثرة . قالت :
” كيف تراني الآن ؟ ”
ردّ مجاملاً :
” على أروع ما تكونين . “..)
إنّني حينما نقلتُ المقتبس السابق الطويل نسبيّاً من معلّم التحليل النفسي ، فليس لأبيّن كيف تنفصل فكرة من الشعور أو تنفذ إليه تحت قيود معينة ، بفعل العلاقات الباطنية المتبادلة بين الرقابة والشعور ، ولا لأظهر إمكانية أن تقوم الرقابة بمداورة بحيث نرى تخييلاً يبقى عادة طي ما قبل الشعور وقد أُذن له الإنبعاث في الشعور تحت ستار بريء من التشكّي – وكلا الظاهرتين حصلتا في سلوك رجل وامرأة القصّة هذه – فقط ، بل لأوضح ، أيضاً ، المقدار الذي يمكن أن ننفّذ به سلوكاً شعوريّاً “سليماً” بكل المعاني العقلانية ، في حين أنّه يحمل كل الحفزات المنهي عنها ، والتي اتُخذ هذا السلوك أصلاً كإجراء وقائي للخلاص منها . تواصل المرأة حديثها مع الرجل :
(عادت تسأل :
“هل تراني جميلة ؟ “

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *