هيثم بهنام بردى : الأقاصي

haitham bahnam 4شيوخ القرية المحنكون المعجونون بالحياة كانوا يجزمون جنونه ويلهجون وهم يهجعون أبدانهم الوسنانة في فيء البيوت القديمة لقريتنا المعزولة والغارقة في مستنقع النسيان .
– انه مجنون بالتأكيد … ولكنه مسالم.
ويأخذهم الصمت لفترة لا تسمع فيها إلاّ أنفاسهم وهي تتموسق مع حبات السبح الكهرب المتهاطلة من الخط الضيق المتشكل بين الإبهام والسبابة وأناملهم الحبلية تمسد عثانينهم المدببة وعيونهم اللائطة تحت الحواجب الكثة المشعرة، تتأسف على هذه الفتوة وهي تتسربل بالجنون.



نساء القرية المتزوجات، اليافعات منهن والعجائز، في غدوهن ورواحهن إلى شاطئ النهر كن يقذفن من وراء سواعدهن المحّزمة بالأساور والمتشابكة مع الجرار الفارغة أو المليئة بالماء، نظراتهن الشفوقة على فتى القرية الغريب الصموت وهو يقتعد أبداً دكته الطينية الأزلية على يمين باب بيته الخشبي المتقوض والمرّتق وهو يضم بين جوانحه حوشاً وحديقة وغرفاً يعشّش فيها الصمت والغموض المتموسق مع همس الأشجار وشدو الأطيار.
كن يمصمصن شفاههن ويتهامسن بأسى وتعاطف حقيقي.
– كيف لا يجّن هذا المسكين وهو وحيد منذ سنين.
وتتذكر العجائز منهن ذلك الصباح البعيد، حين عبرت إلى قريتهم امرأة آتية من أصقاع مجهولة وفي أطراف عبائتها يتمسك صبي غاية في الجمال، ولكنه لا يتكلم، بل ينظر إلى الآخرين بنظرة تجعلهم يغضون أهدابهم مرغمين أمام هذا الجمال الباذح لتينك العينين.


صبايا القرية، الجميلات والقبيحات على حد سواء كن يرمقن وسامته الساحرة ويتملين منجذبات فاغرات الأفواه هذا الدفق الباذخ من فتوة رجولية مبكرة، وهذا الألق البارق من وسامة لا تحدها أية وسامة في سائر شباب القرية… وخصوصاً سحر عينيه، وبشرته البيضاء، وشعره الأشقر، ويهمسن لأنفسهن بنبرة لا تستشفها إلاّ الخوادر حسب.
–    آه… لو لم يكن به مّس من الجنون.



وكنا نحن الأولاد الذين وطئوا مرحلة المراهقة أم على أعتابها، نألفه ويألفنا، وكنا نرتاح له وهو يراقبنا بحب وحميمية ونحن نلعب الكرة في الساحة التي تنتهي بفم النهر المتمثل بالناعور وهو يرسل شجوه الحزين الذي يترجم شكواه بقصاصه الشبيه بقصاص ذلك العفريت الذي حاول أن يسرق النار من كبير العفاريت ليعطيه لإنسان مقرور ليتدفأ ويطهو طعامه ليطعم آلاف الأفواه الجائعة والذي حكم عليه بحمل صخرة ليصعد بها على ظهره لقمة جبل شاهق وعند الفشل كان يعاود الكرة…. هكذا كان يحكي حكواتي القرية للرجال الملتمين في المقهي ليستقبل بالاستخفاف منهم وكنا نحن اللائذين في دفيء عباءاتهم نستلّذ بالحكايا… هكذا كان حال ناعورنا…. الشكوى والأنين.
وكنا أحيانا نقنع فتي القرية الصموت أن يلعب معنا فكان يلبي طلبنا ويلعب بأقدام ماهرة مصطخبة تتعاكس مع فمه المطبق أبدا. وعندما يصافح الغروب كفة الليل القادم كان يشّيعنا بعينيه الجميلتين ونحن نلملم شقوتنا ونزقنا وعراكنا البريء المؤجل ونصطحبها إلى بيوتنا، وعيناه تعوضان ما يعجز عن قوله فمه المطبق. كان فتى القرية المجنون، الأخرس، الوحيد، الفاتن،والصديق الوفي لنا يحرص أن يصل كل إلى بيته، ومن ثم ألاحظه، لكون بيتنا لصق بيته، يمشى بتثاقل ويلّج داره ليتماهى مع صمت الغرف والحديقة والأطيار.



والشفق يتهيأ للمغادرة ليّسلم أمره ليوم صاح كنت أقف على سطح دارنا أتأمل قرص الشمس الناهض من مضجعه في الأفق الشرقي المفروش بالرباب، وروحي الغضة المحلقة نحو ربيعها الخامس عشر تتنسم الإشراقات الأولى لليوم القادم بكل ما يختزنة من دفيء نابض من السماء العالية ومن سماء جديدة تشرق في جسدي وتجعله يصطلي برمضاء الرجولة المبكرة التي تقدد أيامي بأسياخ الترقب والقلق،… تناهى إلى مسامعي أصوات متواشجة تعطي للنبرة الأخيرة نغمة يتداخل فيها الشدو والزقزقة والهديل والنعيب والنواح في احتفال فريد لم أسمع مثيلاً له من قبل، والذي سمعته من خلال فواصل الصمت القصير نبرةً آدمية جلية تلقي كلمات متسارعة تتخللها فواصل من أنغام الطيور المختلفة….، تلفت حولي، لاشيء استثنائي، فالحساسين في الخلاء المترامي لحديقة دارنا ملتمة تتقافز بحبور فوق العشب أو في الطوار تلتقط بقايا الخبز، أو على حافة الحوض تروي ظمأ هجوع ليلة طويلة، والنواعير تبكي تعب ليلة أخرى، والأشجار تتمطى نافضة عنها الكرى، والفلاحون يحملون مساحيهم وفؤوسهم وعيونهم وأقدامهم شاخصة نحو الحقول،…  تقّمصت دور الفأر وقّومت أذنّي، وصار جسدي كله لاقطة كبيرة حساسة، أو كلب سلوقي يتشمم الأثر بالأذنين، لم أخطيء الإشارة التي التقطتها مجساتي حين اكتشفت مذهولاً أن الأصوات تأتي من خلف الحائط، وتحديدا من دار الأخرس. جثوت على الأرض ومشيت على أربعة وألصقت عيني أبحث في السياج الفاصل بيننا عن ثقب أرى فيه عجائب ما أسمع، وحين اهتديت انفتح أمامي على حين غرة عالم ساحر غريب وغير معقول…
حديقة غّناء واسعة تتوزعها أشجار الخوخ والتين والرمان والزيتون تسبح في شلالٍٍٍ من أشعة الشمس الفتية، وصديقي… المجنون، الأخرس يقف في الفناء المفروش بالحصى المطل على حزام من الآس يفصل الحديقة عن الفناء، وقد أفرد ذراعية ووجهه يرتديه السنا وتنتشر من هامته أسياخ من الضياء البارق لتصطدم بالجدران الطينية لترتد مخيمة فوق كراديس الأطيار الموزعة حوله كخلايا النحل وبنسق لا يفهمه إلاّ مجمع الطير فقط، فالحساسين في الصف الأول يتبعهم الحمام الأليف منه والبري، ثم البط البري المهاجر وخلفه الدّراج والوّز والسمان وفوق قمم الأشجار تجثم أصناف الجوارح وكأنها في ترتيبها المرسوم بدقة متناهية كرّست نفسها سقفا يحمي الطير من …ممن…؟؟! ومخبول القرية الأخرس يطفر من عينية الرائعتين فرح لا محدود ويمد ذراعيه بخط مستقيم ثم يرسم بهما حلقة دائرية حول الكردوس المتراص أمامه فيلف الجمع صمت آسر، فتخرج الكلمات من فم أخرس قريتنا كشلال جبلي هادر يغسل أدران الوهم الذي تغلغل في عقولنا ويقيننا كل هذه الفترة الطويلة، فقد كان الفتي يتحدث بلغة بني آدم تارة وبلغة الطير تارة أخرى، والعيون الوجلة والمتهيبة تنظر إليه بتوقير واحترام وكان حين ينتهي من لازمة معينة تختلط أصواتها ببعض في نغمة نبهتني إليها قبل هنيهة والتي جعلتني أكتشف هذه القارة البكر التي يدرج فيها الألفة والوئام والحب، الحب المستحيل.



كنت جنب الناعور أجلس وأفكر فيما رأيت هذا الفجر حين سمعت خطوات رياضية تقترب مني، حسبته في البداية أحد أقراني فلم أعر له أهمية. سمعت صوتا اكتشفت نبراته هذا الصباح ولا يمكن أن أنساه.
– أتمانع لو جلست؟
حاولت أن أتصنع الدهشة والذهول ولكنه حسم الأمر مباشرة عندما قال.
– أنت تعرف سري.
حاولت أن أتغابى فسألته.
– أي سر..؟
– لغة التخاطب بيني وبين الطير.
– أنا…أنا …!!!
– أرجوك لا تنكر.
ثم قال بودٍ دافق.
– أنا لا ألومك مطلقا… لو كنت مكانك لفعلت نفس الأمر.
وبعد فترة صمت أكمل.
– الفضول… أو حب الاستطلاع .
ثم بنبرة غاضبة.
– الأنا الدونية.
– أنا جد آسف، لم أكن متعمدا… صّدقني.
لانت ملامحه وارتسمت على محياه طيف ابتسامة ثم تكلم بنبرة هادئة ودودة.
– أنت شاب طيب.
شجعتني إشارته اللطيفة لكي أسأله.
– لم هربت من الواقع؟
– أنا لم أهرب منه، بل هو الذي فعل.
– وتمترست بقيود الصمت؟
– لكي أحّصن نفسي ضد الأنانية.
– وهربت نحو عالم الطير؟
– أنه عالم نقي ونظيف، على النقيض من عالم البشر.
وقبل أن أتكلم قال بصوت خفيض كمن يكّلم نفسه.
– الناس في القرية حسموا أمري وحكموا بجنوني، خصوصا حين كانوا يرونني أرفع رأسي إلى أفاريز البيوت أو حبال الغسيل في الأسطح وأهمهم مع الطيور، جاهلين أنني أتكلم لغة الطير.
– كيف تعلمت هذه اللغة؟
تجاهل سؤالي واستطرد.
– لذا قررت أن أذهب إلى الأقاصي، إلى ممالك الطير.
رفعت رأسي، كان الليل حسب يسامرني ولا أثر لأحد. هتفت
– أين ذهبت ؟
سمعت صوته وهو ينأى بعيدا به رنة عجيبة وكأنه يأتي من الغيب.
_ إلى الأقاصي.
ليل ونهر ونواعير وريح خفيفة وقرية ساهرة هو كل ما احتوته ذاكرتي المشوشة وهي تسعى صاعدة نحو فم الزقاق.



في الإصباحات القادمة لم ير أناس القرية أي أثر لمجنونها وابتعدت التوقعات بمقتله من قبل لصوص، سيما عندما فتشوا بيته غرفة غرفة فلم يجدوا أي أثر لسرقة أو قتل، فأقتنع الناس أن المجنون قد هجر القرية … إلاّ أنا فقد تيقنت أنه ذهب هناك، إلى الأقاصي.

شاهد أيضاً

بـــَقاء …
ابتسام ابراهيم الاسدي

بقيتْ رصاصةٌ واحدة معتـقلة داخِل مخزن تـنوي الانطلاق لتـُنهي مهمة احدهما الاول …. قمة رأسي …

سامية البحري: هل جربت أن تخلع قلبك ؟؟

أيها المبعوث في هذا التجلي عن هوى أضنى الفؤاد لا تسلني بدد الروح فهامت في …

عدنان أبو أندلس: صرختي الأولى  في الضباب

 على عهدة الذين سمعوا صرخة ولادتي ، وبالأخص أمي التي قالت  : كانت ولادتك حين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *