د. حسين سرمك حسن : نبيل سليمان في “مجاز العشق” : الرواية التي رأت كلّ شيء (11/الأخيرة)

hussein sarmak 5# عودة :
          الرواية كالماء لا يأتي قبل شكله ولا بعده :
—————————————–
وطوال مسار الحكاية المركّب بحركته القلقة ، كنا نلاحق ما يشبه الوعود بالكتابة فقط ؛ وعود من صبا وفؤاد .. وضع مخططات .. الإتفاق على بدايات .. ومضامين ، وطرق للبداية . لكننا لم نشهد التنفيذ الفعلي ولا الخطوات الإجرائية العملية التي تعلن البدء بالكتابة . كان نبيل سليمان يكتب الرواية على لسان راويه ، الذي كان يكتب الرواية من خلال فؤاد وصبا أولاً ، ومقتربات الشخصيات الأخرى ثانياً ، ومن خلالنا ثالثاً ، وهذا هو الأهم فنحن نوضع بتصميم مقصود في موقع الراصد المشارك و”المؤلّف” . وهذه ميزة كبرى في اللعبة الماوراءنصيّة . ولعل هذا هو أصل الدافع إليها . ففي كلّ حركة ماوراءنصيّة يضعنا المؤلف أمام موقف “تعطيل” ووجهة نظر تأمّلية تتطلب منّا “التدخّل” الفاعل لتأمّل ما يمكن أن يُضاف أو يُحذف مستهدين بآراء الطرفين “المؤلّفين” الأساسيين : صبا وفؤاد . فعلى سبيل المثال ليس من الممكن أن لا يشتغل عقل القاريء بفاعلية حين يسمع صبا تحدّث فؤاد بمداخلة مهمة من فاتن عن أهمية ترجيح الروائي للمستقبل على الذاكرة / الماضي : (قالت صبا بجدّية :
-أنتَ تضيّع وقتك وجهدك على الماضي : الذاكرة ضرورية : لا أنكر : لكن المستقبل أولى : أقدّر أنّك تحسب المستقبل هو الماء والماء هو المستقبل : ولكن انتبه : في العالم كلّه وليس في بلادنا وحدها : تعال إلى المستقبل : (…)
-أليست ملفات المكتب مثل أوراقي : ذاكرة أيضاً
-على الأقل هي ذاكرة جديدة : الأدق أن تقول : ذاكرة مؤسساتية : مشروع بنك معلومات : أوراقك ذاكرة شخصية وعتيقة : لا أظن أن لها مكاناً في رواية : لا بداية ولا نهاية ولا :
قالت صبا مستعيدة جدّيتها فقاطعتها فاتن مخاطبة فؤاد :
-صبا على حق : الرواية حكاية :
-ذوق عتيق وبطِلْ كمان : ) (ص 104) .
nabel solaiman 10.. أو حين يستمر الحوار حول فهم كل طرف لمفهوم الرواية ، وهل هي أسطورة أم بحث أم الإثنين معاً ؟ وإذا كانت الإثنين معاً فكيف يتركّبان وما هي طريقة مزجهما ونسبهما :
(صبا :
-الرواية أسطورة : لا أذكر أين قرأتُ هذا : يمكن سمعته في ندوة : بعضهم يقول الرواية أسطورة زماننا : بعضهم يقول الرواية بحث : وغير هذا كثير : فما رأيك ؟
-صدّقيني : لا أعرف : مرّة قلت لفاتن أنا أصب الأساطير فوق البحث لأصل إلى رواية : ) (ص 105) .
وفي هذا الحوار أيضاً ، نسمع من فؤاد أنه سوف يحذف الصفحات التي لم تعجب صبا ، وصبا ليست ناقدة متخصّصة لكنها اعتمدت على حدسها ، ومن وجهة نظري فإن الكاتب يراهن في أكثر من موضع على “حدس” القاريء سواء أكان صبا أم غيرها من الشخصيات أو منّا . والرواية ، حقيقةً ، يجب أن يُكتب جانب أساسي منها اعتمادا على قدرات الكاتب الحدسيّة ، وقد عبّر فؤاد عن هذا وهو يفسّر لصبا الدوافع التي جعلته يتخذ الماء موضوعاً ، فالماء هو المكون الوحيد الذي لا يستطيع أن يأتي قبل شكله ، ولا بعده :
(-الماء دائماً هو الذي لا يستطيع أن يأتي قبل الشكل ولا بعده لأنه مرتبط به : عرفتُ من فاتن أنكِ قرأتِ باشلار : ما يرغبه القلب يا صبا كثير : يهفو إلى المستقبل ويخاف : يضيق بالماضي وينفجر بالحاضر : هل يمكن أن يكون الماء علامة هذا كلّه ؟ الماء خارج الكتابة هو الآن هذه العلامة بالنسبة لي : أظنه صار كذلك تماماً في حياتنا جميعاً : بقيت الكتابة : لا تنسي أنني في تجربة جديدة : سأمزّق الأوراق التي لم تعجبك كما مزّقتُ غيرها : أنا الآن فعلاً كمن لم يكتب حرفاً : طفل يتعلّم بنفسه ومما حوله ومما سبقه : ) (ص 106 و107) .
وفي أكثر من موضع ، أيضاً ، يضعنا الكاتب أمام معضلة أساسية من معضلات كتابة الرواية ، والتي يُثار الكثير من الخلاف حولها ، وهي معضلة صلة الرواية بالتجرية الشخصية ، ودرجة هذه الصلة ، وطريقة تمثّلها ،  وما يتبع ذلك من صراع بين الذاتي والموضوعي على مسرح الرواية ، والمقدار الذي يُسمح به لظهور المؤلّف على هذا المسرح مباشرة أو عن طريق شخوصه مشفوعا بحرارة التجربة الشخصية هذه ؟
حاولت صبا في البداية – في الحوار السابق نفسه – أن تطرح لنا تبريراً مُخاتلاً عن سبب اختيارها موضوعة “الماء” حيث قالت :
(-قد تكون طفولتي : أنا من الرقّة وعشت بجيرة الفرات : قد تكون الحرب واسرائيل واستشهاد زوجي : ) (ص 106) .
ولكن هذا التبرير يُكشف على حقيقته ليصل إلى مستوى “الكشف” بالمعاني الصوفية قبيل ختام الرواية في قسم : “معرض” ، حين تخلخل الصور الفوتوغرافية : صور الفرات والسدود والرمل وخواء المستقبل ، وامتزاجها بذكريات طفولة صبا البعيدة الضائعة وانجراحاتها الحاضرة كما بيّنا ذلك .

# يهوه : إله للربيع أم صورة للشيطان ؟ الروائي يجب أن يكون باحثاً :
———————————————————–
kh nabil solaiman 2وتعيدنا أطروحة فؤاد عن أنه يصب الأسطورة فوق البحث ليصل إلى الرواية ، إلى تناقضات هذا الأنموذج ، وإلى “خفّته” تحديداً . ويتجلى هذا بصورة صادمة في مؤتمر عمّان حين دخل في نقاش حسّاس ، ولكن مضلّل وكاذب – كعادة الصهاينة – ، لكن الشيء المروّع هو أن يقرّ العربي الذي يتشدّق بالبحث وأهميته وعمقه أطروحات الصهيونيين : ملكا ونمرود المضلّلة التي كانا يطرحانها بكل صفاقة في مؤتمر علمي يتطلب الأمانة والمصداقية كأبسط شرطين ، وأن يخاتل في الردّ هو ومن معه من المؤتمرين . لنستمع لجانب من حوارهم :
(.. تابعت ملكا :
-ويهوه مثل مطر الربيع والندى : الندى عندنا يحيي العظام والماء يسكن في قلب الحكيم : الحكيم كالنبع : وقلب المحروم من الحككة مثل وعاء مشعور تتسرّب منه ماء الحكمة :
-لكن يهوه ليس كما ذكرتِ فقط : هذا على الاقل : أنتِ تعرفين التوراة أفضل منّي :
قال فؤاد .. وعاد إلى الوجه الساجي : ناجت عيناه : ماء الحكمة : حكمة الماء : صبا : إذا كتبنا رواية سنذكر فيها الماء العبري وملكا : ) (ص 228) .
طبعاً كان ردّ صبا – كما رأينا – “عنيفاً” ، حيث اتهمت فؤاد بأنه يجامل ملكا مثل نجيب محفوظ وسليم بركات كي تترجم له للعبري ويصير كاتباً عالمياً .. مادامت واحدة من أهم معابر العالمية في زمننا الرديء هذا هو : مباركة اليهودية الصهيونية لنتاجات الكتّاب .
لكن الأهم هو أن نبقى في إطار “البحث” ، ودعوني أسألكم : ما هو أهم مصدر يخبرنا بصفات “يهوه” إله اليهود والصهاينة ؟ ويحسم الخلاف بيننا : هل هو إله للمطر والربيع أم إله للموت والخراب ؟
الجواب طبعاً أيها السادة القرّاء هو كتاب يهوه نفسه أي التوراة .. أليس كذلك ؟
إذن دعونا نراجع ونتأمل ما يقوله التوراة نفسه عن الإله يهوه هذا :
(نكتفي هنا بكلمة موجزة عن إله إسرائيل وحقيقته ومهمته كما هو في الديانة اليهودية ، لأن فلسفتها وجميع تعاليمها ترتكز على طبيعة هذا الإله وصفاته .
ومجمل القول فيه – كما هو عند اسرائيل – أنه أعجب من أن يتصوره عقل ، إنه صهيوني يعادي الإنسانية فيأمر بالدمار وحرق القرى والمدن بمن فيها حتى الأطفال .. فيما عدا الذهب والفضة والنحاس والحديد ، لأن هذه الأموال للإله الرأسمالي الأكبر ، وأيضاً هذا الإله عنصري قَبَلِي على غرار أصنام بعض القبائل في الجاهلية ، ولا يعنيه من أمر الخلق إلا حلّ مشكلات اليهود ، ومن اجل ذلك سخّر لهم الكون بمن فيه من إنسان غير يهودي وما فيه من كائنات وأنعام .
وتورد التوراة فيما تورد عن هذا الإمتياز في سفر يشوع الإصحاح 6 فقرة 24 ، خطاباً مع بني اسرائيل : (احرقوا المدينة مع كل ما بها .. إنما الفضة وآنية الذهب والنحاس والحديد اجعلوها في خزانة بيت الرب) . وفي سفر التثنية الإصحاح 14 : (لقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق الشعوب على وجه الأرض) . وفي سفر العدد الإصحاح 31 فقرة 12 : (خذوا كلّ الغنيمة وكلّ النهب من الناس والبهائم) .
وفوق ذلك فإن الله تصارع مع يعقوب الليل بطوله فعجز عنه ، بل عجز عن التخلّص والفرار منه ، وبالتالي لم يجد الرب بداً من الرجاء والتوسّل إلى يعقوب كي يمنّ عليه بالإطلاق ، فقال له مستعطفاً : (أطلقني لقد طلع الفجر ، فقال له يعقوب : لا أطلقك إن لم تباركني .. فباركه الربّ ، وسمّاه اسرائيل (التوراة : سفر التكوين : الإصحاح 32 : فقرة 22 – 29) ، ومعنى اسرائيل في العبرية ضد الله ، كما نقل العارفون بهذه اللغة .
وتشير هذه الفلسفة أو هذه الخرافة أن اليهودي لا غالب له حتى الله يعجز عنه ) (12) .

هوامش :
———–
1-    مجاز العشق – رواية – نبيل سليمان – دار الحوار – سوريا – اللاذقية – الطبعة الرابعة – 2010 .
2-    Wikipedia – the free encyclopedia
#lyricsfreaks
#songmeaning
3-    حصار الثقافة بين القنوات الثقافية والدعوات الأصولية – مصطفى حجازي – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء / بيروت – 2000 – الطبعة الثانية .
4-    أخبار الأدب المصرية يوم 8 – 3 – 2009 ، وموقع الحوار المتمدن .
5-    المرايا المحدبة – د. عبد العزيز حمودة – سلسلة عالم المعرفة .
6-    Wikipedia, the free encyclopedia
#oxford dictionary
# About.com – Grammar & Composition
# http://thewritepractice.com/intertextuality-as-a-literary-device/
#http://www.merriam-webster.com/dictionary/intertextuality
7-العبقرية والموت – د. عبد الرحمن بدوي –  دار القلم – بيروت – بلا تاريخ .
(8)Wikipedia – the free encyclopedia
9- الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان – عبد الوهاب المسيري- دار الفكر – بيروت – الطبعة الرابعة – 2010.
10-أفكار لأزمنة الحرب والموت – سجموند فرويد – ترجمة سمير كرم – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة – 1986 .
11- الإبداع الروائي اليوم – أعمال ومناقشات لقاء الروائيين العرب والفرنسيين – آذار – 1988 – دار الحوار – اللاذقية – 1994 .
12- مذاهب فلسفية – محمد جواد مغنية – دار مكتبة الهلال – بيروت – بلا تاريخ.

شاهد أيضاً

روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان …

شوقي كريم حسن: د. سلمان كاصد… قرءات التحول المعرفي.

*قد تنحرف الرغباتْ، دون تخطيط او دراية، ثمة ما يشير الى طريق غير ذاك الذي، …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *