شوقي يوسف بهنام : من ابن زيدون الى احمد دحبور؛ قراءة نفسية لقصيدة “مع ابن زيدون وليلته الأولى في السجن”

shawki  5الشاعر والسجن . صديقان حميمان . وإذا كان الشاعر صديق الملك  كان على يمينه بينما إذا كان عدوه فصديقه الحميم والوحيد هو السجن . فما بالك بالشاعر الذي يعيش في كنف الأعداء وبين أيديهم ؟  والشعر العربي الحديث فيه الكثير من النصوص التي تعالج خبرة السجن أو الوجود بين جدران السجن وزنزاناته . الا ان دحبور يخدعنا في هذا النص الذي نتناوله هنا . لأنه يخاطب شخصا آخر غير شخصه وهو مودع في السجن . انه الشاعر الاندلسي المعروف ” ابن زيدون ” صاحب القصة الرومانسية مع ولادة . لا يهمنا كثيرا التفاصيل حول أسباب إيداعه في السجن وهي خلافه مع الخليفة .. الا ان ما يهمنا هو خبرته في السجن وعلى وجه الخصوص ليليته الأولى فيه . لنقرأ نص دحبور هذا ونرى كيف يعالج سايكولوجية الشاعر وهو يدخل عتبة السجن في ليليته تلك . يقول النص :-
بدأت ليلتك َ الأولى مع الليل ،
فهل أعددت أحلامك َ ؟
هل عددت آلامك َ ؟
أم أطبقت َ عينيك َ على وقع السكون
وحدك َ الآن ،
فقل ما شئت ، وأكتم ما تشاء
لن تقاضيك هنا  الظلمة ،
(الديوان ، ص 415)
*********************
دحبور يدعو ابن زيدون الى التكيف مع السجن والتوافق مع ظروفه . وفي الحقيقة ان هناك توحدا بينه وبين ” ابن زيدون ” هذا . السجن أصبح تحصيل حاصل . واقعة لا يمكن إلغائها من حساباته أو من الواقع . فكان أمرا مقضيا . عليه ان يعرف كيف يعيش هذه الظلمة . فهذه الظلمة ليست قاضيا عليه . هي مثله أسيرة هذه الزنزانة اللعينة . معنى هذا ان دحبور يخاطب نفسه من خلال خبرة ” ابن زيدون ” . لقد أصبح مثله .. لا بل نظيره . الا انه وعلى الرغم من محدودية المكان الذي يعيش به كل منهما . الا انهما أحرار من الداخل . ان دحبور يتحدث عن الحرية الذاتية والنفسية . مقيدان في السجن لكنهما أحرار فيه . أليست هذه مفارقة نفسية . فبدلا من  الشعور بالعبودية .. ثمة شعور بالحرية . والحرية في أنقى صورها وأسمى أشكالها . فهو حر في ان يحلم وهو حر في ان يتألم وهو حر في ان يتكلم ويصرخ ويفعل ما يشاء . هل يستطيع الانسان الحر في الشارع ان يفعل ما يشاء . إذن أين هي حريته وهو خارج جدران السجن .. بينما هو حر داخل تلك القضبان وتلك هي الحرية في معناه الصحيح . وهي ان يفعل المرء ما يشاء . ومن يستطيع ان يفعل ما يشاء ؟؟ . أليس في مقدور الحيوان ان يفعل ما يشاء ؟؟ . من يضعه تحت طائلة القانون والمحاسبة والمسائلة . والجواب هو لا احد . المجنون هو الآخر يفعل  ما يشاء . أقصى عقوبة له هي الإيداع في المصح . وهناك يفعل ما يحلو له وكما يشاء .. ولا أريد تعداد أو إحصاء كل الذين يفعلون ما يشاءون !!!. دحبور وضع يده على هذه المعضلة في منظوره عن خبرة السجن . السجن قبل كل شيئ مكان . والمكان لا ahmad dahbor 3يتحدث . تتحدث معه فلا يجيب . لا يسمع . يكمل دحبور وصفه للزنزانة :-
والزنزانة الخرساء لا تشمت ُ ،
فاشرح لب أسرارك َ
وافتح كل أسفارك َ
لكن لا تبع قرطبة الثورة بالدمعة ــ
لا تشك ُ . . .
وحاذر أن تهون
لك َ ان تضحك َ أو تغضب َ ،
أن تطرب َ أو تبكي ،
لك َ الغبطة والحزن ُ ،
لك السجن ،
وعصفور يخوض الأفق لا يتبعه الغاوون والواشون ــــ
(الديوان ، ص 416)
************************
أيعقل هذا ؟ اعني ان يلغي دحبور الزمن الذي يفصله عن ” ابن زيدون ” ؟؟ بينه وبين شاعرنا الاندلسي والمولود في قرطبة في 463 هـ  مئات السنين . أيعقل ان يكون دحبور واقفا أمام  زنزانة ابن زيدون مودعا وناصحا إياه كيف يقضي فترته العصيبة في السجن . وعلى وجه الخصوص ان لا يبيع قرطبة بدمعه ندما عليها . هناك علاقة جدلية بين البيع والندم . لماذا أبيع ، وهنا ملء الحرية ، ولماذا اندم .  الندم دالة من دالات الخسارة .. الخسارة بالحرية .. أليست هذه دعوة لمعاصري دحبور اكثر منها لشاعر قرطبة ؟؟ . سؤال نتركه لدحبور نفسه . لقد سجن ” ابن جهور ” لأتهامه الشاعر بميله الى المعتمد ابن عباد . لقد سجن على أساس من الظن لا غير . من هنا دعوة دحبور له لأن لا يشك في قضيته وعدالتها البتة . وفي الحقيقة فأن هذه الدعوة هي الى دحبور نفسه بعدم الشك بعدالة قضيته . المودع في الزنزانة حر في ان يفعل ما يشاء .. يضحك .. يغني .. يبكي .. يصرخ .. فجدران الزنزانة صماء خرساء لا تشمت !! . ايضا يدعوه للمكاشفة معه . وفي الحقيقة هي دعوة لمكاشفة الذات ومراجعة حساباتها ومواقفها وأحلامها … ووعودها التي قطعتها على نفسها . دحبور صادق مع الذات .. مفتوح معها .. منكشف عليها  . لا شيئ لديه يخفيه سوى حبه لقضيته وعصفوره الذي جعله الجسر بينه وبين العالم الذي يقع خارج زنزانته .. لا احد يتمكن من اللحاق بالعصفور .  لا احد يتمكن من إغوائه والوشي به . انه حر في السماء مثلما ان  ” ابن زيدون ” حر في زنزانته ..  كل منهما يفعل ما يشاء . لك ما تشاء ..
سوف يصبح شاعر قرطبة ، بفضل قضيته ، رجلا عجائبيا .. تأتيه الكرامات ويمنح الخوارق .. سيطير فوق سحاب الزمن ..ويأمر الأشياء فتأتمر بأمره وتطيعه وسوف يصبح سيدها . يصير ” سليمان ” زمانه .  وفي الحقيقة فأن المعني هنا هو دحبور نفسه .. وذلك لسبب بسيط جدا هو ان السجين القرطبي انتهى بموته وانتهت ، بالتالي ، قضيته . لكن قضية دحبور مازلت على حالها . ودحبور نفسه ما يزال على قيد الحياة . أيعقل ان يجرح الدهر من مات قبل كذا من  الأعوام ؟؟؟!! . لنرى مظاهر تلك القوى العجائبية التي تأمر الطير ليغني . يقول دحبور :-
إن فوَّضتهُ فاض الغناء
يجرح ويأسو الفقراء
ما تغّيرت َ ،
وغـّْيرنا أغانيك َ ،
فهذه محنة لا تقبل الشكوى ،
ولا يقوى عليها الشعراء الطيعون
(الديوان ، ص 416 – 417)
*************************
هل فوَّض سجين قرطبة العصفور ليغني ففاض في الغناء ؟؟ . وهل زار العصفور فعلا ، يوما ، زنزانته حاملا معه رسائل من ولاّدة ؟ . رسائل تبث فيها لوعتها وشكواها ؟؟ . هل أخبره يوما ان شعراء زمانه غيروا من أغانيه ؟؟ . هل جرح هذا العصفور الوديع نوائب الدهر وأسى الفقراء ؟؟ . وما علاقة العصفور بأسى الفقراء؟. أليس العصفور فقيرا مثلهم ؟؟ . لا يملك غير جناحين صغيرين ولكنه يطير ولا يتمكن احد من اللحاق به . هذا هو امتيازه الوحيد الذي به يختلف عنهم . وبذلك يملك ما لا يملكون . يواصل دحبور مناجاته لذاته .. اعني لسجينه . فيقول :-
كل من أحببتهم ضاعوا ،
أو ارتدوا ،
أو الأعباء ُ لم ترحم فناؤوا
ــ أينها  ” ولاّدة ” الشعر ” ؟
ــ هباء ُ
ــ أينها  ” ولاّدة ” القلب ”  إذن ؟
ـــ في شارع الليل الحزين
مكّنت ْ عشاقها من صحتها فاحتفلوا ،
لكن صحنا واحدا لم يكفهم فاقتتلوا ،
ثم أتوا من صحنها التالي عطاشا جائعين
(الديوان ، ص 417)
*********************
لقد أصبح البطل ، هنا ،  أيا كان ، دحبور أم ابن زيدون ، وحيدا . فقد هويته الشعرية . ضاع بين شعراء كذبة أو أشباه شعراء . أصبح الشعر لدية هباء . لم يعد رسالة يعيش من اجلها . لم يعد قضية يكرس حياته من اجلها . حتى ” ولاّدة ” الإنسانة التي وقع في حبها .. هي الأخرى ضاعت وأصبحت تائهة في شارع الليل الحزين . وتحول صاحب الوزارتين الى عاشقا للفقراء . ومتى كان الوزير أو ملكه عاشقا للفقراء ؟؟ لم نقرأ في التاريخ ملكا عاشقا للفقراء وإذا وجد سرعان ما يختال .  . أصبحت مائدة الشعر متاحة للجميع . يأتي إليها كل من دب وهب . والشعراء .. الشعراء الحقيقيون صاروا حبيسي زنزاناتهم .. تاهوا في عواصم البلاد . لم ترحمهم الأعباء .. صاروا مشردين . سوف يحور دحبور قصيدة شاعرنا الحبيس الى نص يعيشه في أرضه المسروقة والمغتصبة والمغزوة . ها هو يقول :-
هكذا أضحى التنائي من تدانينا بديلا
وتناوبنا شريدا ً ، وأسيرا ً ، وقتيلا
فلمن تشكو إذن ؟
قرطبة ؟ . . مهجورة ،
عشاق  ” ولاّدة ” ؟ .. مسلوبون مطلوبون ،
والتجار ، والمذياع ، والأتباع يسرون َ ـــ
من الجند إلى المجد ،
لمن تشكو إذن ؟
(الديوان ، ص 418)
******************
دخل صاحب الوزارتين السجن بسبب شك مولاه لنواياه ومصداقية انتمائه . لا علاقة له بما يجري من حوله في ارض الخليفة وبلاده . فما همه إذن من ان تنقلب الأدوار في تلك الأرض وما همه أن يصير الجند والأتباع هم أسياد الموقف وهم أبطاله وهم أصحاب قرار . التاريخ ينقلب رأسا على عقب . هل كان صاحب الوزارتين ينتظر تحقيق حلم ماركس مثلما ينتظره شاعرنا دحبور . المذياع صار أداة بين التجار . فلمن تشكو يا دحبور .. وليس صاحب الوزارتين . يكمل دحبور واصفا الدهر .. دهره هو متقنعا وجه صاحب الوزاراتين . يقول دحبور في ذلك الوصف :-
دهرك سيف بيد الفجـّار والسيف يجول
وعلى مقربة من طعنة طائشة يعلو الغناء ُ :
يجرح الدهر ويأسو الفقراء
كيف يأسوا الفقراء ؟
لو تعرفت َ عليهم في الحواري ،
والمجاعات ،
وفي ُعري السهول
لو تحرقت َ إلى وجبة لحم مرة ،
أو مرة أخفيت َ يوم العيد عن طفلك ،
لو فارت عليك الشمس في الحقل ،
ولو دختَ من الشغل على كسارة الصخر ،
ولو . . . ،
(الديوان ،  ص 418- 419)
******************************
تلك هي مأساة الفقراء .. وذلك هو الدهر الذي يحيط بالبطل المثخن بالجراح بسيف الدهر وهو في زنزانة الطغاة . هنا ابعاد التماهي بين البطلين . اعني بين دحبور و” ابن زيدون ” كلاهما حبيسان . الاول في زنزانة الطغاة لأنه فقير وشهر السيف بوجههم . والثاني حبيس من اجل طمعه في الوزارة والخلافة و ” ولاّدة ” . لكنه تماهي مختلف شكلا ومضمونا . تماهي معكوس .. مقلوبا رأسا على عقب . لا يزال دحبور يلعب دور الرقيب على صاحب الوزارتين . وها هو يستعرض مأساة الفقراء وأحزانهم ومعاناتهم  وهمومهم . وكأني به يلعب دور اللائم والمعاتب له بحيث يجعله ينزل من علياء عروشه وأبراجه ليرى كيف تسير مجريات الحياة على ارض الواقع . وان محنته لا تشكل شيئا  مقارنة من محنة دحبور ومن معه من الفقراء الذين لا يملئون أرضه المسروقة فحسب بل جميع فقراء العالم اينما كانوا . هنا يسجل  دحبور امتيازا لا يملكه صاحب الوزارتين . وسوف تتكشف معالم هذا الامتياز بالمعرفة المخفية لحبيس الزنزانة المشكوك بنواياه ومصداقيته تجاه مولاه وراعي نعمته .. بالأسرار التي لا يعرفها احد غير دحبور . ان دحبور هنا سيكون كلكامش جديد ..  أنها نوع من توارد الأفكار والخواطر بين البطلين . لنرى ما هي تلك الأسرار المحفورة في قلب دحبور ولا يعرف بها احد :-
كنت َ إذن ْ تدري معي ــ
كيف يفت ْ المسك في الترب فلا يوطا ،
ولكن يحقن الأرض بأسرار الفصول ْ
وأنا أدري من يرد الدهر بالقهر ،
ومن يمشي على الجمر ،
وأدري أن من أدعو يجيئون
كما ، من قبل ، جاءوا
(الديوان ، ص 419 – 420)
*************************
لقد فاقت معرفة دحبور بالإسرار . فإذا كان صاحب الوزارتين يعرف :-
كيف يفت َ المسك في الترب فلا يوطا
*************
لكن دحبور يعرف ما لا يعرفه ذلك الحبيس . سنرى ان دحبور لا يقف لائما له ولكن ساخرا منه ومن همومه . أنه فوق الزمان .. سابق للتاريخ .. هو الذي كان وراء خلافة مولاه .يعرف من جاء ومن سوف يجئ . دحبور ليس فقط سابق للتاريخ .. بل هو جوال في الزمان . يذهب إلى الماضي البعيد ويغور في دهاليزه و مدفوناته ويمضي نحو المستقبل ويجلي مغاليقه ومخفياته . ليس هذا فحسب .. بل هو الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح . العالم كله ، بالنسبة إلى دحبور ، رقعة شطرنج ومن فيها بيادق تمشي وفق ما يريد وما يشاء . ومن منهم ابن زيدون ومولاه . يقول دحبور :-
فلمن تشكو إذن والسيف مشهرْ ؟
ليس يجديك البكاء ُ
ليس يجديك َ ابنْ جهور
إنني خـَلـّفتُهُ بين إماء القوط (قبائل جرمانية شرقية ) * يسكر
كان ملء الوهم يحسو
وترنمت ُ على جرحي ، فلم يصغ ِ ، وواتاني الغناء ُ :
يجرح الدهر ويأسو الفقراء
يجرح الدهر ونأسو .
(الديوان ، 420)
*******************
صار مولاه .. اعني ابن جهور هو من صار خليفة بأمر من دحبور . ولم يعد خليفة كما كان يتوهم هو ومن حوله .. كان عبارة عن نكرة بين إماء القوط . وعلاوة على هذا فكان يسكر . ويحتسي ملء الوهم . الا أن  دحبور يشعر هنا بالجرح . وعلى الرغم من أنه هو الذي يسيّر التاريخ ويولي هذا ويعزل ذاك الا انه إله مجروح . كلكامش مطعون .. نوح حزين .. مسيح متألم . الا تقول التوراة ان الإله ندم!! لأنه اغرق العالم بالطوفان وأقسم بأنه سوف لن يلعن الأرض ابدا بسبب الانسان . دحبور ندم لأنه جعل من كان بين إماء القوط خليفة . فكان الجرح . وراح يغني ترنيمته الأزلية للدهر المجروح ولأحزان الفقراء والمساكين ………. وترك ابن زيدون في زنزانته ليحلم في زنزانته وهو في عالمه المثخن بالجراح ..

الهوامش :-
* بين القوسين توضيح من عندنا ولم ترد في النص .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

مقداد مسعود: الرواية المشطورة :(فستق عبيد) للروائية سميحة خريس
(إلى روح الشاعر الكبير محمد الفيتوري)

ثريا نص رواية سميحة خريس : (فستق عبيد) فتحت شاشة ً سكوب ملوّن في ذاكرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *