حسين عجة: جندي الدموع (إلى … حسين سرمك)

إشارة :
ترك الشاعر والناقد والمترجم الأستاذ ( حسين عجة ) لصديقه الناقد حسين سرمك مسؤولية نشر هذه القصيدة في الموقع ، وبدوره – ولأنها مهداة إليه – فقد ترك سرمك لنا ، خجلا وأخلاقا مهنية كهيئة استشارية ، حق قرار نشرها في الموقع الذي يشرف عليه ، وبدورنا نتساءل : هل يمكن أن نعطل نصا شعريا وإنسانيا كبيرا مثل ” جندي الدموع ” الذي أهداه الأستاذ إلى جندي دموع نعرفه وأمضى من حياته أكثر من عشرين عاما في جبهات القتال ؟ . إننا بنشرنا هذا النص نعلن وفاءنا لقيم الحياة التي يبشر بها النص أولا ، ولشاعره المبدع الصادق الذي صاغه في لحظة انفعال تلقائية عاتية محسوبة فنيا ثانيا ، و ” لصوت من أهدت إليه الكتابة نفسها ” ثالثا ، وللحظة أمانة إبداعية تاريخية ستحاسبنا وجدانيا عن كل شيء رابعا . من تقاليدنا أن ننتظر موت الكاتب لنهدي إليه قصيدة ، والأستاذ عجة يؤسس لتقليد جديد منطلقا من أن الموتى لا يشمون الزهور ، ولا يسمعون القصائد .

إلى … حسين سرمك

( الصوت هنا ليس صوت منْ يكتب ، صوت منْ أهدت إليه الكتابة نفسها )

1-

لي وللضالعين بحب الحياة مثلي يزف العالم صواعق وطبول حربه،

في بدء الخليقةِ ، كانت عيني تلهث ، صافية ، نحو قبة زرقاء ، صوب

وميضها،

عتمتها

في وضح النهار وبيوت الطين تَرقدُ في أضلعي ، تبني طوباً بعد آخر

حرائق جوعها في مجرى دمي ، تتلوى ، تستغيث وترتمي كالجرح فوق

هامتي .

طفلٌ وكل ما يحيط بخلفية الدار يمحق طاغياً نبرة صوتي ، يُفَتْتُ

موسيقى

أصابعي ، شاهدي

النهر الذي أحببت أعشابه ، علقه ، رماله البيضاء ،  وسَبحتُ ضيفاً

على أسماكه الملونة يَجفُ كما تجف الدواة من حبرها الأزرق .

رباه

رأيت ولم

أر من سعة الأرض والمدار الذي تطوف من حوله ، أطيافه ، دلال

نسائه ، زغاريد طيوره غير غمامة عيني ، لكن يدي في ساعة الخوف

لم تهدأ

من الحفر في جوانب سره ، تكبو وتنهض من ركام غيمه ، في أطراف

أناملها

شهية كانت ترسم للأفق درباً لم يألف همس إيقاعه بحراً

ولا ضربات عشقه

قافلة ،

ربع قرن وأنا ألوك ، أمضغ أتقيأ أحشاء جملتي ، تائهاً ،

ما بين زفرات الموت ، جندي تعبث في حلته مشاعل شمس

غاضبة ،

وأمام

ناظريه لم يبق من أثر سوى

طوابير المسدلين جثثاً والدم

ينزف من غرتي .

إليك قصة أنفاسي أن لحقت في ذيل موجها نبضات الكون ،

إليك روحي

في كأس من البلور ، دُفَعتَ من السيل دفعاً باتجاه الهاويات

غفلةً

وفي جيبي ينام

محار القصائد ، تنام رقة وأنين الجرس ، تغفو لغات

العَلمْ والعالمِ ، وفي الليل الجاثم عبثاً فوق التلال

كانت رياح السم تسعى لهتك

مخيلتي .

الدرب ما زال ينهش خاصرتي ، وفي المنبسط الخالي من الحجارة يتعثر

خطوي ، لم تُكتب بعد الرواية ، وتحت غطاء الجندي المبلل من المطر كانت

عيني لا تجد رفقة لها سوى نافورة الدمع ، انقطاع النفس ، ندرة الهمس :

ستلد معجزة القلم ، ستصوغ من فُتات معدنك النادر تواريخ الطغاة وما فعلوه

بضحكة الشارع ، ببيوت الفقراء ، وليشيب إذا ما أغوته سلالم

حزني رضيع الولادة

عازف العود ، أو صاحب المسحاة تقلب أرضاً

باتت غريبة عن  أحبتها ، فعراق الضارعات والأثداء

المغطاة بالرماد ، أيتامه ، ما زال

لليوم وأنا خائر القوة يواصل نزفه

في هجرتي ويحيل كل ما رسمته أظافري

في سنوات التشرد والضياع العابس إلى

بقعة من اللون الأحمر ، تربك الخالق وخلقه

وتدمغ بالحياء حتى الموت خطوط جبهتي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| باسم محمد حبيب : طالب.

طالب من حقك ان تطالب طالب فليس غيرك من سيطالب طالب بحقوقك وحقوق أولادك وبضمان …

| مقداد مسعود : ماء اليقين .

(*) الخيرُ حين يفعل ُ : يتوارى (*) غنيّ.. غنيّ.. في الآبارِ المهجورةِ والمأهولةِ والمقهورة …

2 تعليقان

  1. ايها العزيز يا حسين سرمك ..انت يامن اضأتنا احياء .. وازحت عنا ظلام منافينا
    انت يامن تقرحت اصابعك وتقوس ظهرك وانت تكتب عمن تعرفهم وعمن لاتعرفهم
    دون ان تنتظر حتى ان تقال كلمة واحدة عرفانا بالجميل .هل يجدي ان نكتب عنك بعد ان
    تدير ظهرك للحياة “لاسمح الله وامد في عمرك “؟
    لماذا تستكثر على نفسك ان يهديك شاعر مثل الاستاذ حسين عجه الذي نعرف
    صدقه ونقاءه هذه القصيدة ..وهكذا جاءت قصيدته المهداة لك عفوية ومؤثرة ورقيقة ..
    تحية لكاتب القصيدة ولمن اهديت له ..وكلنا مقصرون معك ياأبا علي الكبير .

  2. حسين عجة

    الاستاذ والأخ المبدع عيسى حسن الياسري
    تحية مودة واحترام
    بدون أي تردد أقول بأن كل كلمة من كلماتك الصادقة، المرهفة، كانت بالدقة في مكانها. أنت لا تعرفنا جميعاً فحسب، لكنك ايضاً تقطن قلوبنا. بالتأكيد، يستحق أبا على الكبير أن يكتب عنه الكثير من قبل الذين عرفوه ومن الذين لم يعرفوه. لكن، لتغفر لي أن أقول لك كيف تولدت هذه القصيدة في روحي : ببساطة كانت ثمرة لرسالة تلقيتها من المبدع حسين سرمك الذي كنت اجهل كل شيء عن حياته، عن الثلاثة والعشرين عاماً من حروب وجبهات العالم الغادرة التي عاشها أو مات مرات عديدة فيها، تلك الرسالة قد وضعتني في حالة احتدام سيكون من العبث أن اصفها لك الآن. وكما كتبتُ له بقيت مشلولاً، ولأني تنازعت مع نفسي واردت الخروج من ذلك الشلل، الدهشة والحيرة، صدر هذا الشيء العفوي والقاتل مني. لم أكن متيقناً من أن قصيدتي سترتفع الى مصافه، مصاف حسين سرمك، لذا كتبت له قائلاً لا فضل لي في كتابة هذه القصيدة، شجاعتك من أخذت القلم نيابة عني. دعني، في الأخير، أن اشكرك على رقة كلماتك حيالي، وحيال من “أهديت إليه الكتابة نفسها”. يسعدني ان تكون هذه فرصة للتعرف على شخصك الكريم
    حسين عجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *