ناطق خلوصي : الحافي (كوميديا قصصيّة)

nateq  2ما إن أغادر بناية الدائرة  عند انتهاء الدوام  الرسمي بعد الظهر ، حتى أتسلل الى الأزقة الضيقة  التي تفضي إلى السوق القريب ،  لأتسوق ما أريد من الخضروات بسعر رخيص بعض الشيء . هذا هو ديدني كل يوم حتى ان الباعة أصبحوا من معارفي وصاروا يتساهلون معي في  السعر ليس حبا ً بي انما لأنهم يخشون من أن يبيت ما لديهم فيتعرض للتلف . وها أنا الآن قد أنجزت هذه المهمة لهذا اليوم الخميس وغادرت السوق . أقف اللحظة على الرصيف في انتظار ” الكيـّا ” التي تقلني إلى اقرب مكان إلى البيت ، يتدلى من يمناي كيس المشتريات وأضع بيسراي جريدة  على رأسي لأتقي بها وهج شمس آب اللـّهاب . مرقت من أمامي سيارة مثل ومضة ، بلون يغبش البصر لم أعرها اهتماما ً يذكر فأنا لست على وئام مع مثل هذه السيارات التي تليق بعلية القوم ورجال الدولة وكبارالتجار والمقاولين ونواب الغفلة ولصوص المال العام . فجأة ً صدم سمعي صوت  شحطة احتكاك عجلات سيارة باسفلت الشارع . التفت ُ إلى مصدر الصوت وإذا بي أجد السيارة الفارهة التي مرقت قبل لحظات قد توقفت دون سبب واضح ، ثم صارت ترجع إلى الوراء . دفعني الفضول الى أن ألاحق  ما يجري ببصر متطفل، وإذ صارت أمامي توقفت لكن صوت محركها ظل يئز .من هذا الرجل الذي انحنى بجسده جانبا ً ومد ذراعه وفتح باب السيارة ؟ ساورني شيء من القلق ، تحول إلى خوف حين سمعته يقول بلهجة آمرة :
ــ اصعد !
تلفتُ يمنة ً ، يسرة ً ، إلى الوراء ، لعلني أجد معنيا ً غيري بنداء الرجل ، فلم أجد أحدا ً فصار في يقيني انني أنا المقصود  ولا أحد غيري . حقا ً من هذا الرجل الذي تغطي نظارة سوداء الثلث الأعلى من وجهه؟ ماذا يريد مني ؟ انني رجل مسالم صاحب عائلة لم أفعل ما يريب ، تفصلني عن سياسة هذه الأيام مسافة شاسعة  ولا أشكل خطرا ً على أحد أو أنافسه على جاه أو مال أو منصب ولا أحمل ما يغريه باختطافي! من هذا الرجل حقا ً ؟
احتد صوته :
ــ قلت لك اصعد !
تقدمت خطوت نحو باب السيارة . تلك اللحظة رفع  النظارة عن عينيه وقال بلهجة عتا ب ولوم : ـ ألم تعرفني ؟!
تسمرت في مكاني هنيهة ً . هل حقا ً ما أرى أم انني أتوهم ذلك ؟ انتزعت نفسي من حالة ذهولي . ارتعش الصوت بين شفتيّ :
ــ من ؟ شرهان  الحا ……
وتجمدت بقية الكلمة في حنجرتي خوفا ً من أن أثير حفيظته لو أنني أكملت اللقب  الذي كان يلاحقه في تلك الأيام . لكنه سارع للقول :
ــ قلها لا تتردد . شرهان الحافي .. أليس هذا ما تريد قوله ؟
حاولت أن أعتذر لكنه صادر رغبتي :
ــ لا يهم . اصعد أولا ً .
دسست جسدي إلى جواره بعد لحظات تردد، فسرت فيّ رعشة  وكادت أسناني تصطك حين لسعني زمهرير جهاز التكييف . أغلقت الباب فانطلق بالسيارة .
عادت بي ذاكرتي سنوات إلى الوراء . كنا نلتقي في مفقهى الطرف نتسلى بلعب الدومينو وكانت قرقرة نرجيلته ودخانها يزعجانني أنا بالذات . ولأنه كان معتادا ً على احتذاء نصف نعل ، اعتدنا بالمقابل ممازحته وكان لا يغضب في الواقع حين ندعوه بـ ” الحافي ” . أذكر الآن كيف كان مثار جدل وهرج قد يبلغ حد العراك أحياتا ً بسبب اتهامه بالغش في اللعب ، لكن الأمر سرعان ما كان ينتهي بالتراضي وكأن شيئا ً لم يحدث .
صرت أتأمله وأنا إلى جواره : وجهه الصقيل، شعره اللامع ، بذلته الأنيقة ، ربطة العنق التي لم يكن قد وضعها حول عنقه في يوم من الأيام ، وها انني استرجع في ذاكرتي ذلك القميص العتيق مقطوع الأزرار وياقته المسودّة بفعل ما تراكم عليها من أوساخ . سبحان مغير الأحوال ! فغمت أنفي رأئحة عطر زكي وتذكرت كيف اننا كنا ندير وجوهنا عنه لكي لا يزكم انوفنا زنخ الرائحة العطنة التي تعط من جسده .
قال فجأة :
ــ كيف لم تتعرف عليّ يا رجل وقد كنا نلتقي كل يوم في مقهى الطرف ؟ هل نسيتني بهذه السرعة ؟
ــ اعذرني يا شرهان . لقد تغيرت تماما ً عما كنت عليه من قبل . لكأن صبّك أعيد في قالب جديد ومغاير !
ابتسم وقال :
ــ ماذا تذكر من أيام المقهى ؟
لا أدري لماذا كان يلح على ذكر أيام المقهى . هل هو الحنين إلى الماضي ؟ ساورتني رغبة مباغتة في استفزازه . ضحكت :
ــ أذكر كيف كانوا يتهمونك بالغش في اللعب .
ارتجف الصوت بين شفتيه :
ــ قواويد . كانوا يستغلون وضعي آنذاك  . أتمنى لوأنني أرى  أحدا ً منهم أمامي الآن ويقول ما كان يقوله لأجعل جسده يخيس في الحبس .
صمت لحظة  وعاد يقول وقد ارتعش الصوت بين شفتيه من جديد :
ــ لقد نسيت أسماءهم .. أولاد الكلب .أتمنى أن تذكّرني بها أو اسم واحد منهم لكي أعرف كيف أشفي غليلي به .
قلت وأنا أحاول أن اخفف من غلواء انفعاله :
ــ ما فات مات . نحن أبناء الحاضر يا شرهان
وقبل أن أواصل الكلام سبقني بالقول :
ــ قد تتساءل كيف وصلت إلى هذا المستوى الراقي  .
ــ أتساءل  فعلا ً .
ــ أقول لك باختصار . الفضل كل الفضل يعود إلى العم بول بريمر  حفظه الله ورعاه .
عاد يقول كـأنه يريد أن يؤنبني :
ــ أتذكر كم نصحتك ؟ قلت لك يا رجل ضع يدك بيدي وتوكل على الله فلم تقتنع .ركبت رأسك حينها وقلت : كيف أضع نفسي في خدمة المحتل ؟هذه هي النتيجة . قارن بين حالك وحالي .. لقد رفعوني من القاع إلى القمة : قصر فخم وثروة واسعة وسيارة من أحدث موديل  و …
ــ وماذا ؟ لماذا سكت ؟
ــ شهادة جامعية .
أرجعت ظهري إلى الوراء مصدوما ً بما سمعت :
ــ  شهادة جامعية ؟
ــ نعم وأنا في طريقي إلى انماجستير. أنظر خلفك لكي تتأكد .
التفتُ فرأيت كتبا ً ومجلدات تتكوم على المقعد الخلفي .
عاد يقول :
ــ مررت على المتنبي وانتقيت هذه الكتب لزوم الماجستير . خذ منها ما تشاء .
مددت يدي والتقطت أحد المجلدات وصرت أتفحصه . سألني :
ــ ما هذا الكتاب ؟
ــ معجم  .
ــ ما معنى معجم ؟
ــ قاموس يعطيك معاني الكلمات وامتداداتها وتفرعاتها المختلفة  .
لوى شفته دون سبب واضح ، فأردت مشاكسته :
ــ ما عنوان اطروحة الماجستير التي ستتقدم بها ؟
ــ ماذا تعني بالأطروحة ؟
ــ كل طالب ماجستير عليه أن يكتب دراسة في الموضوع الذي تم اختياره وهذه الدراسة تسمى اطروحة .
ضحك :
ــ لا أنا معفو من  هذا الذي تتحدث عنه . أتلقى كل شيء جاهزا ً مثلما نتلقى الأكلات الجاهزة التي نوصي عليها من المطاعم .
تماديت في مشاكستي :
ــ ولماذا لم ترشح للانتخابات  إذن ما دمت تحمل كل هذه المواصفات ؟
ــ ومن قال لك انني لم أرشح؟
ــ وهل تم قبول ترشيحك ؟
ــ هناك إشكال بسيط وعدوني ان كل شيء سيكون على ما يرام .
انتبهت إلى  انه بدأ يضجر فقال محاولا  أن يلوي طرف الحديث :
ــ وأنت ؟ ما أخبارك ؟
ــ كما تراني . أركض والعشا خباز كما يقولون .
ــ الذنـب ذنبك يا ابن الناس .
وصار يدندن : أنا بيدي جرحت ايدي ..
قطعت دندنته :
ــ لكن قل لي . ما الذي أخرجك بهذا الحر الكافر ؟
ــ أبحث عن كمأ .
ضحكت :
ــ صرت تتكلم  نحوي !  الكمأ موجود لكنه غالي .. بسعر يلسع القلب .
ــ بكم يعني ؟
ــ أسمع انه بأربعين ألف .
ــ رخيص . أشتريه حتى لوكان بربع مليون .
ــ ما حاجتك إلى ذلك ؟ هل تتوحم على كمأ ؟
ابتلع الشتيمة :
ــ زوجتي حامل!
ــ أم الأولاد ؟
ــ  لا . أم الأولاد صارت عتيقة . سرحتها هي وأولادها إلى بيت أهلها .
ــ  إذن واحدة ثانية !
ــ نعم . لم تبلغ العشرين .تحفة رائعة هبطت عليّ من السماء .لقد بشّرنا السونار انها حامل بتوأم : ولد وبنت . ونحن حائران .
ــ مبروك ولكن أخشى أن يكون السونار فاشوشياً مثل سونار الكشف عن المتفجرات .
ــ لا . هذا مضبوط . ولكن لم تسألني عن سبب حيرتنا !
ــ أسألك الآن .
ــ اننا نبحث عن اسمين جديدين يتلاءمان مع روح العصر كما يقول جماعتك المثقفون . شغّل مخك يا رجل وساعدنا .
أطرقت قليلا ً وكأنني أستجلي ذهني  . قلت :
ــ ما رأيك  بـ ” قيس ” و ” ليلى ” ؟
ــ قديمة وصارت يخني .
ــ ” فرهاد ” و ” شيرين ” ؟
ــ لا تمزح معي .
ــ ضحكت :
ــ “حمدان ” و ” بهانة ” إذن .
احتدّ صوته :
ــ لا تسخر .
ــ إذن ” روميو ” و ” جوليت ” .
انتفض غاضبا ً :
ــ أرجوك . لآ أريد أسماء كفار . أنا رجل مسلم محمدي أؤدي الفرائض وقد حججت إلى بيت الله الحرام ثلاث مرات ومرشح للحجة الرابعة .
ــ على حسابك ؟
ــ ولماذا على حسابي ؟ أنسيت انني من السجناء السياسيين ؟
ضحكت في سري . يالها من براعة في قلب الحقائق . كان معروفا ً آذاك انه دخل السجن لخمس سنوات لإدانته باختلاس المال العام
كوّرت كفي ورفعتها إلى فمي وأنا أهز رأسي فأدرك ما أعني . جاءني جوابه خافتا ً هذه المرة :
ــ  لم أعد أشرب كثيرا ً هذه الأيام . مجرد  ربعية أتمضمض بها ليلة الخميس .
شعرت تلك اللحظة انني أوشك أن أنفجر . فاجأته بالقول :
ــ إذا كنت تريد حقا ً اسمين جديديد ، مناسبين ، يتلاءمان مع روح العصرفليس هناك غير ” فرهود ” و” نهيبة ” !
أحسست به يضغط على الكابح . اهتزت السيارة وكادت جبهتي تصطدم بالزجاجة الأمامية .أرتعش صوته :
ــ انزل !
ظننت ان الغضب قد استبد به فأردت أن أعتذر  . قلت :
ــ هل أغضبتك ؟ انني أعتذر .
قال وهو يمد يده إلى رأسي ويجذبه  نحوه ويقبّله ويقول :
ــ ولماذا تعتذر ؟ لقد انقذتنا يا أخي .هذان هما الاسمان اللذان نبحث عنهما . إنزل أرجوك لكي أرجع إلى البيت  وأبشّر زوجتي ونحجز هذين الاسمين قبل أن يسبقنا اليهما أحد !

شاهد أيضاً

“صوت يجرح صمت الليل ”
سكينة خليل الرفوع
الأردن – البحرين

في هَدْأةِ المساءِ ، تسيرُ مراكبُ البوحِ بسكونٍ ، فنسماتُ الهوى تفتحُ أشرعتها لأمواجِ البحرِ …

محراب الماء
بقلم: خيرية صبر

الزمن يخلع نعليه ليخطو حثيثا الي محراب الماء وانا دهشة وجلة مكورة بين عينيه هذا …

حبيب الروح
عصمت شاهين دوسكي

حبيب الروح .. يا نسمة البوح ضمني .. جردني من الجروح اكتب على جسدي عشقا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *