أحمد خلف : فن الكتابة والسلطة

ahmad khalaf 5يعاني المثقف العربي عبر العصور المنصرمة من حضور غير عادي للسلطة السياسية في حياته اليومية، وممارساته وواجباته الوظيفية أو الأسرية وعلاقاته المتشابكة مع الآخرين، غير أن المثقف العربي غالباً ما ينسى الحضور الخفي لسلطة الثقافة /المعرفة على عددٍ لا يستهان بهِ من الحكام العرب، ذلك لأنهم، ما يلبثوا أن يمارسوا لعبة الكتابة أيضاً وحالما يشعرون بالتخمة من حضور السلطة (رمز القوة والتسلط على الآخرين) فأنهم يلجأون الى عملية سطو لا أخلاقي بأستبدال مهنتهم أو ممارسة هواياتهم في أصدار الكتب في القصة القصيرة أو أقامة المزيد من معارض الفن التشكيلي ولنا أن نتساءل :
ما الذي يدفع حاكم من الحكام الى كتابة الشعر أو القصة ؟ ولا يكتفي بوظيفته كسلطان أو حاكم مطلق الأرادة؟ وقبل الأجابة على سؤال كهذا، يعطينا الباحث العراقي الدكتور صادق أطميش توصيفاً لهذهِ الثنائية، حيث يسميها : ((جدلية العلاقة بين فلسفة الحكم وفلسفة الفكر)) وأنه لا مفر من دخولهما في حالة من الصراع الفكري من اجل الوجود، ولا بد لهما من الافتراق بعد الأصطراع واللحظات الدرامية التي لا مفر منها، وغالباً ما يدفع المثقف ثمن ذلك، أما ثمن ثقته بالسلطة أو أستغفال الأخيرة له ليقع في براثن جرائرها، فأذا وثق المبدع أو المثقف بأحابيل السلطة ومشاريعها أو أهدافها فأنه لابد له من تقديم تنازلات على حساب حالته الشخصية أو فنه أو أدبه لذا لابد للأفتراق أن يكون، وهذا الأفتراق يصبح حقيقة كلما توغل رجل السلطة في تنفيذ مآربه وغاياته السياسية أو حين يجد نفسه وقد ابتعد اكثر عن هموم الناس، الذين هم من أبرز أنشغالات المثقف ذي النزعة الأنسانية،.. أن الكتابة وهي إعادة خلق من نوع خاص،تهبها الطبيعة وقوى القدر الخارقة الى عددٍ من الناس الذين يتسمون بخواص نادرة أو هم تمكنوا من تطويرها عبر سنوات طويلة، لعل من أبرز مواصفاتهم، ما يمكن أن نسميه بالموهبة أو الأمكانية الذاتية ذات المجاز البلاغي للأدب والثقافة والفن، لذلك، نجد أن العديد من رجال السلطة لعجزهم من مجاراة المبدعين على أبتداع عالم من المثال النادر، نراهم يناصبون أولئك المفكرين والمثقفين العداء، ويبحثون من خلال مجسات العسس عن اللحظة المناسبة للتنكيل بهم، أصحاب النزعة التمردية على كل ما هو قديم أو يفتقد الى عناصر الديمومة والحياة، ولا أظن أن ثمة صعوبة في التقاط اللحظة المناسبة للتنكيل والإيذاء، ولكن قد يكون تبرير ذلك أو توفر الذريعة أو الحجة ضعيفاً مما يغيض الحاكم. غير أن بعض الحكام قد يلجأ الى وسيلة أكثر حماقة من الأولى، وهي ممارسة الكتابة، أي أستبدال وظيفة بأخرى ليعلن لنا عن عبقرية نادرة وأمتياز ثقافي تم أكتشافه بفضل الأقدار، مما يجعل مثقفي بلده في موقف غاية في الحراجة والتردد في أتخاذ القرار المناسب لنقد تلك النصوص التي غالباً ما تأتي ضعيفة وهابطة المستوى، .. هؤلاء الحكام يندفعون في منافسة علنية مع المبدعين والمثقفين الذين لا ينضوون تحت أرادتهم، نرى بعضهم يؤلف القصص والروايات ويكتب المجاميع الشعرية وبعضهم يقيم معارض للفن التشكيلي يدعون اليها عدداًمن المبدعين الكبار والفنانين المختصين، وذلك لأكتساب صفة المهنية أو روح الأحتراف التي يتميز بها المبدع الحقيقي وعلى صعيد الكتابات السردية، أمامنا جمهرة من الحكام والمتسلطين والسياسين والمتنفذين في الدول العربية الذين كتبوا قصصاً وروايات، والطريف أيضاً، أن رجال السلطة والحكم، لا يتوانون من أعلان أنتسابهم الى طبقة الفقراء والمعذبين أو على أقل تقدير ليكون أنحدارهم من الفلاحين الذين لم يرضخوا الى حكم الأقطاع، أو أضفاء صفة طيبة على أرومتهم، بل نرى أباءهم في كتاباتهم متمردين على قوانين تلك المرحلة.
لذا، نرى أن روايات هؤلاء الحكام تدافع عن الحق العام وتقف ضد ما يمكن تسميته الشر المطلق من أجل ترسيخ قيم الخير المطلق أو الواقعي العام في مرحلة من مراحل طفولتهم ، أن فلسفاتهم أو رؤيتهم في ما يكتبوه غالباً ما يتصف بالشمولية وليس التشخيص وهذهِ الشمولية أو الأطلاق في أصدار الأحكام، قد يخدمهم على مستوى الواقع العياني أي أنه يترجم نواياهم تجاه شعوبهم،أنهم لا يمارسون القسوة والانتقام من شخص معين،في ما كتبوه بل من مطلق متجبر أو طاغية أو شرير على أفضل تسمية تروق لهم، وقد يتصف ذلك الشرير لديهم بالجشع وحب الذات وربما حسد الآخرين، كأنهم في هذا يردون على من ينوي الأنتقام منهم على صعيد الواقع (واقع السلطة)، أو يحذرون قراءهم من مغبة التفكير في الأعداد الى أنتفاضة أو ثورة ضدهم، أن أغلب كتابات الحكام العرب تتسم بالنفعية والقصدية والتبريرية ولا يمكن، أدخالها في منطقة الأبتكار والعفوية فالنص لديهم ليس بريئاً قط، بل هو يعمل على تزكية مرحلة حكمهم أو أعطاء صفة الشرعية على ذلك الحكم، ولا عجب أن يتخذ الهدف مرمى ثيوقراطي لا يمكن الأحتجاج عليه أو رفضه لأنه مرتبط بقوى أكبر من مقدرة الحاكم على التصرف أزاء المشيئة الربانية التي أختارته وأختارت أسرته للحكم.
أذن، أذا ما تيسر لنا الأطلاع على مؤلفات بعض رجال الدولة أو الحكومة في أي بلد عربي كان، في كيفية قيامنا بعقد مقارنة سريعة للتشخيص واعطاء صورة تقريبية بين ادولف هتلر وبين توماس مان أو جينيه ؟
بين القذافي الذي كتب قصصاً قصيرة وبين ابراهيم كوني ؟ وأخيراً بين صدام حسين (صاحب الروايات العديدة) وبين فؤاد التكرلي ؟ ترى كيف لنا أن نبرر هذهِ المقارنة أصلاً، بين ثنائية السلطة والمعرفة، رجل الحكم ورجل الأبداع، الا يبدو لنا، ما كتبه الحاكم هو محاولة منه للتشبه بالمبدع الذي يتمتع بالحرية ومناصرة العدالة اعتقد أن هذا التباين والأختلاف بينهما، هو الفارق بين ان تحكم لتملك وبين ان تكتب لتصبح حراً تماماً، ونحسب أن تلك هي أولى  خصائص الكتابة الحرة غير المفيدة بشرط الأذعان إلى غايات وأهداف ليست نزيهه أو أن يكون هدفها الحقيقي مضمراً في داخلها أي أنها تتجلى عبر السامي والمتعالي الذي يمنحها فرصة أن تكون كتابة حرة تتسم بالنقاء التام مما يجعلها خالدة في أذهاننا أو لا يمكن نسيانها قط.
نستنتج من هذا أن شقة الأختلاف بين الحاكم الذي يروم تغيير كينونته بالكتابة أي أشغال الآخرين بعالم مكتشف من قبل الحاكم ذاته ثم تصديره الى القراء، لغايات متعددة كنا قد أشرنا الى بعضها، أن هذا العالم الجديد الذي يريد الحاكم تدشينه والبدء بممارسة حرفياته، يظل بعيداً عن حقيقة الحاكم حتى بعد انجازهِ الكتاب، ذلك لأننا أدركنا بل تلمسنا روح المغايرة في طبيعة الكتابة التي ترفض أي محاولة لتدجينها بالقوة أو بالدعاية الصفراء التي تؤله الحاكم على حساب تاريخ وتراث شعب يعرف تماماً طبيعة حكامه، وأنزلاقهم نحو تحقيق نزواتهم التي تبدو لنا الكتابة التي يدعونها هي جزء من تلك النزوة وليست نزعة أصيلة تتحكم بمصير الكاتب وواقعه العيانيأن رجل السلطة يلجأ الى رفع مسدسه في حالة أحساسه بالعجز تجاه خصومه وليس اللجوء الى فن الكتابة والأبداع، وذلك هو الفارق الصريح بين الأثنين دائماً .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عبد الرضا حمد جاسم: الابتسامة والضحك

ابتسم دائماً واضحك أحياناً هكذا يقول أصحاب العلم ودارسي المجتمع والنفس الابتسامة لها تأثير ساحر …

مريم لطفي: جمالية الالوان في القران الكريم

“الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *