تابعنا على فيسبوك وتويتر

jamal atabi 1رواية (ذاكرة أرنجا) هي الإصدار الأخير للروائي محمد علوان جبر، وأرانجا التسمية القديمة لمدينة كركوك التي تعاقب عليها نفوذ واحتلال اقوام الشعوب المجاورة، قبل الميلاد .
وقبل الشروع بقراءة احداث الرواية، يخيل إليّ أن الكاتب يريد الخوض في اسرار هذه المدينة. المفتوحة على حقب التأريخ بما تحمله ذاكرته من خزين .. بمعنى آخر افترض أن الرواية مشدودة زماناً ومكانا.
وهي، وان تشعرك بنكهة المكان منذ صفحاتها الأولى، الا أن فصولها اللاحقة ابتعدت عن (أرانجا) لتتحدث عن واقع عائلة بانتمائها الريفي وجدت في المدينة أملاً واحداً وهو الخلاص من البؤس، والانتقال الى عالم الأطمئنان والراحة، بعبارة أدق لم يختص النص بالمكان مثل ما كنت أتوقع، فأستعار محمد علوان (أرانجا) لتمر عليها الذاكرة سريعة في بعض اللقطات، لأن الكتابة المكانية تمنح نفسها للمكان تأخذه وتؤخذ به، تعيش جماعها معه لتولد معاني جديدة كما يقول لؤي حمزة عباس في (المكان العراقي . جدل الكتابة والتجربة).
لكنني أزعم انها رواية تحمل في داخلها تأريخ العراق خلاك حقبة زمنية تتشكل قبل تموز 58 وما بعدها من عقود .
لكن محمد لم يقدم هذا التأريخ بشكل سرد تقريري، إنما كان تشكيلاً أطارياً للأحداث الروائية، وهي مشحونة بمرارة وخيبات وانكسارات والآم وسجون ومنافٍ وجوع.تتوزع الرواية الى عدة مشاهد مرقمة، كل مشهد يحال الى المشهد التالي، بروية وتماسك دون إثارة أو افتعال، تسير وفق مخطط مرسوم بعناية ودقة، ويجيء تعريف الاشخاص كتطور متنامٍ من شأنه اضاءة الحدث الأهم في المشاهد كافة.
لقد أعتمد الروائي على ابطال عدة، وهيأ لهم المزيد من الفرص فرص الانتقال من موقع الى آخر، دون أن يمس جوهر العمل، بل انه يسهم في دفع العمل الروائي نحو قمة الحدث. رغم ان الرواية تتمحور حول شخصيتين رئيستين هما الاب حسن كنيهر المزدوج الاسم (هوبي عبد الرزاق) بعد دخوله الجيش متطوعاً فانتحل هذا الاسم ليرافقه طيلة احداث الرواية وشخصية ابراهيم (الأبن)، و (عازف الناي) يجيد كل شيء الا الطريقة التي تجعل (هوبي) راضياً عنه، فهو رسام، وموسيقار، وشاعر، وخطاط، ويهوى الى حد الجنون العطور الزكية، هذه الاسرة تضم الأم (نجمة)، (سلام) الإبن المعاق والمقعد . وسط عائلي يتسم بالتناقض والاشكالات اليومية .
mohammad alwan 4هيأ محمد علوان لروايته كل اسباب انتمائها الاجتماعي والسياسي فحاصرها بالتسمية (المكان)، والزمان، واطلق لها المبررات لتدعو القارئ معاينة الوقائع الاجتماعية والسياسية بتناقضاتها الحادة، مع مراقبة لتطور الأحداث المتنامي. واغنى الروائي موضوعه بومضات موجهة الى زوايا مظلمة من الانتكاسات ورفع بها من مستوى رواية الخسارات ولكنه مقابل ذلك تساهل كثيراً في مقاطع عديدة من روايته وقدم مادة تجاوبت مع متطلبات شعاراتية أو ايديولوجية قبل المتطلبات الفنية.
“انها نهاية القتلة والسفاحين، اما اعضاء الحزب
الذين تركوا العمل مجبرين بسبب القمع السياسي
والفكري، فأن الحزب سيبقى علامة مشرقة في نفوسهم،
وكل الرؤوس التي سقطت في وحلهم ستذبل”.
كان ابراهيم يعيش احباطات العائد من رحلة فشله، إحباط الانهيار الكبير وهروب اغلب من عرفهم الى المنافي، هذه الرواية تريد انتهاك شعور القارئ وانتزاعه من دوره المألوف في المتابعة. الصفحات الأولى منها تزجك في بلبلة بنيان الحكاية والاغتراب، قد تبدو مرتبكة ومشوشة في انتقالاتها واختلاف السبل والوسائل لبلوغ غايتها، ان الضمير، انتم، أنت، يحل محل أنا، أو هو إذ يسعى الراوي لتعديل النظرة الى القراءة في خلق تداخل باطني في الرواية .
زاير نعيم، يوظف حسن لمهمة تهريب اللآلئ الى بغداد، يتعرف على زاير (محيبس) الطرف الثاني من العملية في احدى فنادق بغداد، وفي الفندق يتعرف على ( شكيب) الذي سيكون له صديقاً ووفياً ودليلاً للمطاعم والمقاهي والمحلات التجارية والمواخير، تتكرر كنية (زاير) في الرواية .. فهناك زايرة (سكنة)، ويبدو لي ان الروائي معجب بهذه التسميات والألقاب حد الافتتان لكثرة استخدامها، أو لتأكيد انتماء الرواية وابطالها الى اولئك الناس البسطاء من ابناء جنوب العراق، فنالت هذه الشخصيات قدراً من العناية حتى جعلها الروائي متكاملة مع بعضها، واعطى للقارئ حرية التجاوب مع آمالها وعذاباتها دون ان يكون ذلك تسليماً بصحة افعال هذه الشخصيات.
kh mohammad alwanفلم يكن التحول في شخصية (هوبي) مفتعلاً لأسباب، ابرزها أن الروائي هيأ وبدقة اجواء روائية وشحنها بالمشاعر بلقطات صغيرة كانت بالغة الأثر في بناء الجو النفسي الذي قاد النائب عريف (هوبي) الى السجن لأسباب تعاطفه مع حزب سياسي تبرع له بمبلغ زهيد، يبدع محمد في رسم عملية استرجاع يتحدث فيها الاب، وابراهيم وسلام باسترسال مثير اذ يختلط السرد بالاسترداد باستعادة سريعة حيث الصور تتلون وتتغير لتروي اكثر من حدث واكثر من قصة أوهكذا تمكن من رسم صور واضحة عن أهمية شكيب وابو جواد وسامر والمعلم حسين وغيرهم في العمل السياسي بأتجاه واحد، ورسم تطوراً فريداً لهذه الشخصيات داخل حركة الرواية .
شكيب إحدى الشخصيات المهمة في الرواية، طالب يسكن احدى فنادق بغداد يقضي اغلب اوقاته في القراءة، يتحدث بعاطفة تدلل افعاله وسلوكه الى انه اكثر الشخصيات وعياً وانتماءً ، كان (حسن) لا يدرك معنى الكلمات التي تتدفق من فم شكيب خاصة في الليالي التي تطوق حسن وتذهب به بعيداً الى قريته (المجرية) وأمه حسنه، التي ودعته ذات صباح ليهرب الى البصرة بعد أن حاصره (زيدان) شقيق سليمه، التي أحبها بصدق وعفوية .
في بيت خاله كريم يلمح لاول مرة (نجمة) بوجهها الدائري الموشوم باللون الخمري تتوسطه عينان ملونتان بلون السنابل الجميلة.
وبداية صفحة جديدة من حياة الشك والغيرة والخوف على نجمة زوجته الحسناء.
وتشهد مرحلة (الجندية) تحولات عديدة في حياة هوبي عبد الرزاق، الانتقال الى كركوك، وفي بيت طيني كبير مجاور لسكة القطار ضمن حي اسمه (العرصه) يضم ثماني غرف وباباً خشبياً كبيراً مشرعاً دائماً في كل غرفة سكنت عائلة من الجنود ويولد هنا ابراهيم. أما التحول الآخر الذي نعنيه، واشار اليه الروائي يخص شخصية (هوبي) الذي لم يرتق الى ما أحاط به الأخرون من أهمية لم يستطع أن يواصل السير على السكة التي هيأتها الأقدار أمامه لم يفهم انتسابه القسري الى الحزب تنقل بين السجون، لم يفهم سبب اعتقاله والحكم عليه بأحكام جائزة.
الروائي يريد القول إن هوبي لم يوظف اللحظة التأريخية التي تهيأت ليتحول الى بطل سياسي، وهو (السارق، المزور، الريفي البسيط) فيمحو تأريخه الذي لم يكن مسؤولاً عن صنعه بنفسه انما هي الأقدار قادته الى ذلك مثلما قادته كذلك الى السجن فوجد أنه شخصية ضيعت نفسها. مثل ما ضيعت اسمها.
فيعود هوبي لـ(أرانجا) مرة اخرى ليتابع معاملة تقاعده من الوظيفة بعد اطلاق سراحه من السجن .
“الدخول الى كركوك لا يشبه الدخول الى اي مدينة اخرى في العالم، الدخول اليها يشبه السقوط في فخ، اجل، فخ المدن التي تترك أثراً في القلب والروح. مدينة تركت اوشامها على كل جسدي، بدءاً من ليالي الحب الساخنة في الغرف المغلقة مع قطعة السكر (نجمة)، وانتهاء بتلك الاثار التي تركها الجلادون على ظهري”.
ومرة اخرى يريد ان يعيش هوبي حياة جديدة بلا احلام زائفة في مدينة (الثورة) يستأجر مقهى، يجد في هذا الطريقة المثلى للتحرر من الخوف. المقهى مقر لفريق كرة قدم معروف، يداهمه رجال الامن ويعتقلوا هوبي وآخرين لعثورهم على اسلحة وقنابل واكياس من الحشيش . ورحلة جديدة من الاعتقال لمدة 7 اشهر.
ان عنف المشاكل التي تطرحها الرواية وحدتها، مع دقة الموقف الانساني المنحاز للكاتب، قد حدد هيكل الرواية الفني على حساب (الاساس) الفكري الدقيق لها . صور زوايا السجن، جلسات المحكمة، مراجعات ابراهيم لابيه داخل السجن .. منح الرواية ايقاعات نفسية حادة، ضمنها الكاتب في هاتين الشخصيتين الرئيسيتين .. (ابراهيم وابيه)، ومن هنا كان الشكل العام للرواية يبتعد قدر المستطاع عن النتوءات الزائدة في البناء. بالرغم من الخلفية الاجتماعية العريقة التي تصنع الرواية في اطار الروايات السياسية، بل يسيران جنبا الى جنب في هارمونية بديعة. تمثلت بهذه الحوارية بين ابراهيم وشقيقه سلام، انها اشبه بحكاية كان يقصها ابراهيم ..على سلام المستمع.
“الآن يا عازف ماذا تبقى لنا لنتحدث فيه … حسناً يا عازف، حدثني عن ابراهيم … لا احب سيرة هوبي، لقد مللتها ..
نصمت … حدثني عن ابنة عمنا اسماء … أجلايا .. لا اطيق يا سلام .. هذا الامر .. ان تعجز عن الكلام . وان تعجز عن سماعي وانا احدثك .. من ساحدث بعدك”.
ان القارئ يستطيع ان يتساءل عن المغزى في الثنائية التي قادت الرواية، الى النهاية في سفر ابراهيم الى لبنان، وشعور سلام بالوحدة والعزلة القاتلة وفقدانه القدرة على التمييز بين النوم (الحلم)، او الموت.
والطرف الاخر من هذه الثنائية في الرواية، هو الحنين الى الماضي والاكتواء بعذابات الحنين، فاستطاع الروائي ان يسهم في رسم اللوحة الاساسية للموضوع (العراقي)، وحاول ان يوفر لهذه اللوحة الوانها الخارجية، وهي البؤس والعذاب والمرض، والمنافي.
ان معالجة (الموضوع العراقي) ان صحت التسمية، لدى الجيل الآخر من الكتاب ما بعد الستيني، اظهرت تطوراً واضحاً نحو الافضل فيما يتصل بالمضمون وقوة التحليل، او فيما يتصل بالشكل والبنية السردية، وليس هذا يعني . تفضيل انتاج هذا الجيل على اجيال سبقته . بل لان لغة اخرى بدأت تظهر لتعبر عن غنى الحياة العراقية، وتعدد جوانبها .. بصورة اعمق.
ان (ذاكرة ارانجا) لا تقودنا الى التفاؤل مطلقاً، ان النهايات تتفاعل مع اليأس، لكن الروائي حاول ان يستمد من هذا اليأس قوة خيالية ليعيش الانسان ما بين اللامعقول والمصير .
لم يكن محمد علوان غامضاً ومعقداً، كما كان بعيداً عن المباشرة او التقرير، فراح يبني شخوصه من اعماقنا الحزينة، وينسج احداثه من جزئيات حياتنا، ويحرك هذه وتلك وفق اتجاهات رؤاه التي صاغت هذا العمل الفني .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"