حسن عبد الحميد: راوية رشدي.. على فراش موز عبد الستار ناصر.. مرارة الضحك الضروري

في واحد من أشهى كتبه التي ناورت بالقصة والرواية وكتابة المذكرات يضيف كتاباً آخر الى رفوف مكتبته العامرة بالروايات من حيث ما كانت (نصف الأحزان) (الحب رمياً بالرصاص) (لا عشاء بعد الليلة) (صندوق الاخطاء) وغيرها من قصص قصيرة (سيّدنا الخليفة) (في مطار السمك) مثلاً أو كتاب في النقد الأدبي (شارع المتنبي) وآخر حمل عنوان (سوق الوراقين)… جاء الروائي والقاص الكبير عبدالستار ناصر بعمل يحمل شقاوة السخرية وخبرة الموهبة وسنوات التواصل من خلال ثقب باب المذكرات نحو بهجة الرواية التي قال عنها الروائي العالمي (ميلان كونديرا) (اذا اردت ان تقول شيئاً عظيماً عليك ان تكتب رواية) .

وهذا ما حفل به عبدالستار ناصر في عمله (على فراش الموز) الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر الصادرة في عام 2006 لكنها وبسبب اجراءات الرقابة الاردنية لم يطلق سراحها الا في اذار 2007 لاسباب واعتراضات سيجدها من يقرأ هذا العمل الروائي المدهش بلذة الاكتشاف وشهية الطريقة التي يكتب بها هذا الكاتب الاكثر غزارة وشهرة وتواصلا من بين اقرانه من الروائيين والقصاصين العراقيين وربما كذلك من العرب ايضا..

لقد البس عبدالستار ناصر روايته (على فراش الموز) رداء كتابة المذكرات متحايلا بحذق وسحر خفي لطبيعة الامكنة والشخوص التي تدور بهم وحولهم هذه الرواية التي كتبت لها مقدمة اثنى فيها على ذاكرته التي اعانته على استذكار ما أراد ان يستذكر من رحلاته الاكتشافية وعلاقاته مع عدد من النساء الاوربيات ومحاولات مزاولة بعض الاعمال التي اضحت ذخيرة له في استقطاب مشاهد وعلاقات عابرة لكنها حفرت عميقا في ثنايا عقل وتفكير وحياة (راوية رشدي) الاسم الذي اختاره عبدالستار لنفسه لكي يروي او يقص علينا محنة شاب شرقي ـ عربي اراد ان يفتح بلاد الغرب من خلال معاشرته لعدد كبير ومختلف من نساء لم يكن هاجسهن مثلما كان هاجس ذلك الشاب حين كان يراقب حياة وعمل الناس في مدن وموانئ اوربية بوخارست ـ روما ـ مدريد وغيرها.. اعرف جيداً ان أسوء انواع النقد هي اعادة قراءة الحكاية داخل العمل الابداعي قصة كانت أم رواية أم مسرحية لكني اريد العبور من فوق (على فراش الموز) لكي اصل الى عمق الصراحة والجرأة والوضوح والسهولة العميقة التي كتب بها عبدالستار ناصر جزءاً من سيرته وطفولته الممتدة من منطقة وازقة الطاطران في بغداد القديمة الى حيث بهجة الحياة وتناقضاتها في اوربا الواسعة لكل شيء فقد كتب في مقدمة تلك الرواية التي اهداني نسخة حارة منها مثل رغيف خبز ٍساخن خرج تواً من التنور باهداء مختصر ومدهش مذيل بتوقيع الروائي في 6/ آذار/ 2007 عندما التقينا في عمان من ان (هذه الرواية خرجت من مذكراتي التي لم اكتبها بعد..  كانت تحيا في ذاكرتي وعاشت معي في كل مكان مضيت اليه، الزمان فيها ليس غير (شليلة) ضاع رأسها وصار ينتهي في البداية او يبدأ حيناً من النهاية.. ورأيت في ذلك طريفة ماكرة لا أدري ان كان ثمة من جربها أو لعبها قبلي في ذات يوم ذلك اللقاء بالصديق الروائي الكبير في عمان كان قد اهداني، ايضاً، كتاباً في النقد اسمه (سوق الوراقين) عبارة عن كتابات في القصة القصيرة والرواية والشعر، لامست فيه روح وعمق الكاتب في رصد نتاجات عالمية وعربية وعراقية معروفة بحجم ذلك الاهتمام بنتاجات وانجازات الغير من الكتاب الذين قرأ لهم عبدالستار ناصر على مراحل تطور كتاباته الروائية والقصصية التي عمقت فيه ايضاً روح النقد واعادة اكتشاف متعة القراءة عبر رسائل بعثها الى خورخي لويس بورخيس، ماريو بارغاس يوسا، توماس ترانسترومر، غابريل غارسيا ماركيز، ايزابيل الليندي امرأة من بناة العالم، عالم جورج أورويل، وغيرهم من كتاب عراقيين، محمد شاكر السبع، وارد بدر السالم، ان ما رافق قراءتي بكتاب (سوق الوراقين) و(رواية ـ على فراش الموز) في نفس الفترة او نفس اليوم لفرط ما تحمل من عمق ومعنى واغراء وشهية مفتوحة للتواصل مع افكار وعوالم هذا الكاتب الكبير ان توصل في ساعة ضجر ونحس لكي يقول؛ (الكتابة بلا هدف من قلة الأدب) وكان يريد ـ هناـ بالأدب الموهبة وليس موجز انباء الاخلاق وتلك الحكمة المتداولة (الضحك بلا سبب من قلة الأدب) فثمة سخرية وضحك مُرّ وقاتم يتناوب في فصول الرواية التي وضع لها كاتبها عناوين شيقة ومغرية كانت مفاتيح للدخول الى عوالم وامكنة هنا في بغداد حيث المقاهي وأزقة الطاطران والعائلة المزدحمة بالمشاكل والاهواء والرغبات وعددها الهائل بقدر ما كانت تحمل من احلام مجهضة.. وهناك في مدن اوربا حيث كان ينتقم (راوية رشدي) بطل الرواية الاسم الغريب الذي كان يحمله بين الناس في المقاهي والأزقة والبارات والشوارع الخلفية، لا أحد في بغداد يقول عبدالستار ناصر اسمه (راوية) مع ان ابي (رشدي) ما كان يعرف الكتابة او القراءة برغم اعجابه بالسندباد البحري وعنترة بن شداد وكذلك بالطنطل والسعلوة، ولا أدري كيف الصق بي أسماً كهذا بينما أخوتي وأخواتي سليمة ومديحة وجعفر وطارق ومحسن، لا غبار على اسم أي واحد منهم، فمن أين جاء بتلك الرواية؟

سؤال ينطوي على اسئلة تؤدي الى مواقف ومشاهد وحالات واكتشافات فكرية ونفسية ماكرة بذكاء حاد أدار به الروائي هذا الجريء بكل مواصفات الجرأة التي قال عنها بلزاك من ( ان الغباء أحسن من الجرأة التي في غير محلها) نعم كان عبدالستار ـ كعادته ـ ماهراً ذكياً متدفقاً في رسم عوالم وعلاقات تلك الرواية فصولها وعناوينها الخمسة عشر بكل ما يحمل من رؤية ومرح وسخرية حانقة وبناء محكم في الفكرة والمفردة التي عبدت طرق ومثابات وأروقة هذا العمل الابداعي الذي اضاف عنواناً كبيراً وآخر الى عناوين روايات ومجاميع عبدالستار القصصية منذ بداية سبعينيات القرن الفائت (العشرين حتى بدايات هذا القرن من عمر ايامنا المتسارعة والتي لا يمكن ايقاف تدفقها الا من خلال الانجازات العلمية والاعمال الادبية ـ الابداعية الكبيرة.. ولعل (على فراش الموز) واحدة من هذه الاعمال بيقين فهمي وتقديري لنوع وحجم الابداع المتوالد في العراق رغم حجم الارض التي تقف عليها مثل هذه الاعمال الكبيرة والجريئة معاً.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.