أ.د. بشرى البستاني : بنفسجات للمرأة القاصرة

boshra albostani 4 وأقولُ علمني من خفاياك
أيها المعنى المخاتلُ ، الكامن في الزوايا ،
وفي جيوب المعاطف الملونة
علمني …
من أودية الحكمة المحفورة بمعاول التجارب المُرّة
لكن لا تعلمني
من قال لك إني أريد أن أتعلم
إن لديَّ من عذاب العلم ما يكفي
ومن مرارة المعرفة ما ملأ فمي دما
ففي عصور اللبلاب تتحول المعارفُ لعلقم
لست أنا من قالت ذلك
فأنا امرأة قاصرةُ عقل لا تصدر عنها الحكمةولا تطمع أن تقود نجمتين
وإن كنتُ قد منحت المئاتِ من الرجال شهاداتٍ عليا
وأعطيتُ الآلافَ منهم ورداً ومعارف
وتصدرتُ المئات من مجالس المعرفة
ولمجلسي يتسابق طلابُ العلمْ
لكني بالرغم من ذلك قاصرةُ عقل
قالها لي رجلٌ  بكيدْ ،
ابتسمتُ
وحين سألني لمَ لمْ أغضبْ
أجبتُه بألفة : لأنه لم يكن كاملَ عقل ..
قال : أنتِ داهية
ابتسمتُ مرة أخرى ..
كان يطمعُ بجدلْ
لكنه صمت كليا إذ نظرت إلى السماء قائلةً ،
لن تمطرَ ، فالغيمةُ عقيمةْ ..
نعم ، الغيمةُ عقيمة
والوعيُ بعقمها دمار
و” المعرفة تحرق المحبة ” * ، لم أقلها أنا كذلك
بل قالها رجلٌ يحقُّ له أن يقولَ الحكمة
رجلٌ عاش وحيدا ومغتربا وغريبا ،
وملتاعا بغيابي
أنا الحقيقةُ / السر
الذي لو فتحتَه انكسرَ وضاعتْ مفاتيحهْ ..
وهو إذ أدرك ذلك فتح بغربته المغلقَ والمتفرَّدَ
باحثا عني .
وبعده قالها رجالٌ آخرون
بوجعٍ كذلك ..
لكنه وجعٌ من طراز جديد
” المعرفة فاجعة العصر ” **
فبالمعرفة قتلنا الحب
بالمعرفة فارقنا وردةَ الحياة
بالمعرفة تجنبنا الذنوبَ الصغيرةَ الزاهية
بالمعرفة حولنا الماضيَ المزهرَ إلى تماثيل
بالمعرفة أقمنا نصبَ الحرية الذي يلهمنا العذابَ
في كل نظرة
ويعلمنا المزيدَ من أسئلة الحرية
وما أدراك ما الحرية …!!
وماذا سنفعلُ بالحرية ونحن معتادون على السياط
وظهورنا غدت جلد شاة مسلوخةٍ جفَّت خلاياه
الحريةُ أن تتنفس ..
لكن لماذا تتنفسُ وفضاؤك متخم بعبير المفخخات
والعبوات وشذى الرصاص
ومغرورقٌ بالدم وملعونٌ بالصراخ
بالمعرفة رسمنا الجرنيكا التي تأخذنا لهابيل وقابيل
لماذا قتل هابيلَ قابيل  ..؟
آه .. أعرف لماذا قتله ، أعرف
لكن لا أعرفُ … كيف ..!
ولماذا أريد أن أعرف كيف  . ؟
ما دامت طرائقُ القتل كثيرة ..
لكنها تؤدي لهدفٍ واحد …
فواحدٌ قتلني بالحبْ
وآخرُ قتلني بالسيمياء
وثالثٌ قتلني بالصمت
وآخرون قتلوني لأني كنت أسيرُ سريعا
وجاك دريدا ذبحني بالتفكيك
فقط لأني قلت له …
حواريةُ جادامير أصلحُ من تقويضك
وأكثرُ رأفةً بالبشرية من البحثِ عن فجوات الصراع
لماذا أريدُ أن أعرف ..
مادامت المعرفةُ ظلمةْ
والظلمةُ سيزيفية
تصعدُ وتهبط
تهبط وتصعد
تتساءلُ عما فعله بنا سقراطُ ومن بعدُ تلاميذُهْ
هؤلاء الذين حشروا أنوفهم في كل شيءْ
مُدوِّنين دساتير معرفة تحجرت
ولذلك أهربُ منهم
اهربُ من أفلاطون وأرسطو
ذاهبة لهيدجر وباشلار
حيث ينفتح العالمُ أمامي كي يتشكلَ من جديد
بإرادتي هذه المرة
لكن ، كيف أذهبُ وإرادتي مسجونة
ومكبلةٌ بالسلاسل …؟؟
فهيدجر لا ينسى أن يأخذك للعذاب كذلك
هيدجر يعلمك أن الحرية ارتقاءٌ وتميزٌ واختيار
ورفضٌ لقوانين الرعاع
هيدجر يعلمك الهدمَ كي تجيدَ البناء
يمنعك من المكوث في لحظة مقفلة
إنه يأخذك إلى التفرد والصحوة
لكن ، أين المفرُّ من الغوغاء
إنهم يفتحون فمَ الهاويةِ ليأخذوك إليها
ويقودون معارك الانتصار الخاسرة
إنهم يُشعلون جذورَ الجريمة
ينسفون الجسورَ كي لا تصل
الغوغاءُ يحركون مفاصلَ الحياة التي فارقت الحياة
يستنسخون التاريخ بصورٍ مشوهة
والتاريخُ يختنق بأيديهم
يكممون بؤرهَ المضيئة ويقفلون نوافذهْ
يحرقون كتبَ ابن رشد مرة أخرى
ويجلدون ابن حنبل
منتظرين البرابرة مع ” كافافي ”
الرعاعُ يمنعونك من العبور
ينصبون في طرقك العسسَ والسدودَ والعساكر
وحواجز القطيعة الكونكريتية
الرعاعُ يمنعونك من الوصول الى الجامعة
والمصنع
والحقل
والمدرسة
والى رياض الحياة
الرعاع يمنعونك من الهمسة والبسمة ومن نظرة أليفة
ويجبرونك على العيش في قبور غابرة
مهرولا من ليلٍ إلى ليل
الرعاعُ ، الرعاعُ ، الرعاع
يقول طالبي ،
نحن الذين أعطيناهم مقاليدَ النص
ففسروه في العتمة
وكسَّروا مستوياته بالهراوات ومقامع الحديد
وأشبعوا دلالاته سُماً
وكان علينا ألا نمنحهم فرص تقطيع أوصالنا
وعند ابن رشد فصل المقال ..
طالبي يقول ..
شعرك يا أستاذتي وإن كان مُكابدا
إلا أنه مجروحٌ بالورد والحرير
وأقول ، لكنك تكاد تلاقيهم بمنطق الأشياء ،
لا باشتعالها .
فالورد والحريرُ إغراء بالجمالِ كي يتجلى ،
وغواية بالعبير كي يفوح
ودعوة للخروج من المحنة
ومن غوغائيةُ الرعاع خنجرِ نبل الحقيقة
تلك التي ضاعت بين طعنة وطعنة .
حيث يذبل علمٌ وحبٌ كبير .
…………………
نداءات هيدجر أرتني النجوم في عز الظهر
هيدجر يريد ان نمشيَ على الماء دون تصوف
يريد ان نسكرَ بلا خمر
يريد ان نفتح غموضَ الأرضِ
دون ان نمتلك مفاتيح التأويل
هيدجر يريد أن نشعل زَرَدَ الماء شموعا لغدٍ يأتي
ونحن بلا غد
هل يعرف هيدجر أننا بلا غد ..!
نعم أيها الألمانيُّ الواثب ..
نحن مخلوقاتٌ بلا غد
فقد توقف الزمنُ فينا من ألف عام
بعد أن بنينا أول المدن في التاريخ قبل سبعة آلاف عام
وأجرينا دجلة والفرات زلالَ محبة
وغنينا للإنسانية أغاني البهجة
وعلمناها العذوبة
وبعد أن نسجنا خيوط الحضارة وكتبنا الملاحم
وعلّمنا أنكيدو كيف يفتح للحدائق ذراعيهْ
فماذا سأفعل بنداءاتك الحميمة
أنا العراقيةُ المفتونة بأبجدية الحضارة
لكن … وسط الـ
غ
و
غ
ا
ء .
……………………..
*العبارة للشيخ النفري .
** علي زيعور

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سامي العامري : المرافعة … في الشعر ومواجع العصر .

قالوا له أحسنتَ، ثم تورطوا فأطال ثم أطال لا حسٌّ لديهِ وليس يَصلُح مثلُهُ  إلا …

| مصطفى محمد غريب : عامٌ جديد واوروك النازف في الباب * .

لم يرحل عام الكورونا القتل المتعمد في الساحات وضحايا تشرين إشارات الامل القادم  وضياء القامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *