الرئيسية » نقد » ادب » فاضل ثامر : محمود سعيد ورواية صيد البط البري

فاضل ثامر : محمود سعيد ورواية صيد البط البري

fadel thamer 3كان ظهور الروائي العراقي محمود سعيد عام 1993 مثل ومضة ساطعة ومفاجئة في فضاء الرواية العراقية عندما اصدر روايته الاولى (زنقة بن بركة) عن دار الكرامل في الاردن فتلقاها الوسط الادبي بترحاب مشوب بالحذر، وخيل للبعض ان الرواية قد تكون لكاتب مغربي اعتمادا على عنوانها ووقائعها وانشغالاتها لكن الوسط الثقافي سرعان ما اكتشف ان الروائي عراقي كان يقيم انذاك في دولة الامارات واستطاع من خلال زياراته قصيرة لبغداد انذاك ان يدخل المجتمع الثقافي البغدادي بلباقة ورقته ورفعة اخلاقه، فكان ان كتب عن روايته عدد من النقاد منهم استاذنا الراحل الدكتور علي جواد الطاهر كما نشرت شخصيا دراسية عن الرواية تحت عنوان (من فردوس البراءة الى جحيم المأساة :قراءة في رواية (زنقة بن بركة) (لمحمود سعيد) ظهرت لاحقا في كتابي النقدي الموسوم (المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي) الصادر عام 2004 عن دار المدى في دمشق . لقد اكتشفنا ونحن نتابع تجربة هذا الروائي المغترب، وبشكل ادى المنفى الذي اختار منفاه الاختياري فيما في الولايات المتحدة بحثا عن اوكسجين الحرية وهربا من تعسف نظام دكتاتوري لايرحم، اكتشفنا اننا امام صانع ماهر يمتلك خبرة عالية بنفس السرد والكتابة تدعمهادراسة اكاديمية في اللغة العربية، حيث كان قد تخرج في احدى الكليات العراقية في اوائل ستينيات القرن الماضي بعد ان جرب خطه في عالم النشر من خلال مجموعة قصصية مبكرة وتواضعه تحمل اسم (قصص بور سعيد) عام 1957 وشخصيا تابعت لاحقا بعض مانشره هذا الكاتب من روايات ومنها الموسمي (الموت الجميل) الصادرة عم 1998 عن دار المدى في دمشق واطلعت حدثيا على ثلاثية الروائية الموسوعة (ثلاثية شيكاغو) باجزائها الثلاثة المستقلة (حانة النية) و(اسدورا) و (زيطة وسعدان) وتقع في حوالي السبعمئة صفحة صدرت عن دار افاق في القاهرة عام 2008، واخيرا روايته الجديدة (صيد البط البري) الصادرة عام 2013 عن دار النشر (ضفاف) التي تتوزع مكاتبها بين الشارقة في الامارات وبغداد وقطر، التي mahmood saed 7ستكون محور قراءتنا اليوم . عنوان الرواية (صيد البط البري) يوصفه عقبة اولى على اليه الناقد الفرنسي جيرار جينيت يرتبط، ارتباطا وثيقا بانشغالات الرواية الاساسية ويضفي على الخطاب الروائي ثيمة سياسية تتصاعد تتدريجيا حتى النهاية كما ينقل السرد تدريجيا من فضائه الداخلي السيكولوجي في اعماق شخصية البطل الراوي الى فضاء خارجي يرتبط بها الاخر وصراعاته واحلامه، والعنوان تقتبس من عبارة اطلقها طيار امريكي اثناء حرب الخليج الاولى التي اجتاح في الدكتاتور صدام حسين الجارة الشقيقة دولة الكويت عام 1990 حيث قال ذلك الطيار بانه وزملائه الطيارين الامريكان سوف يصطادون العراقيين الفارين والمنسحبين من الكويت باتجاه العراق مثلما يصطادون البط البري، وهو ماحدث فعلا من خلال المشاهد التي سجلتها ذاكرة البطل الذي كان  احد الجنود الفارين الذين  زج بهم رغما عنهم في تلك الحرب الظالمة، وشاهد بأم عينه الموت والدمار الذي لحق بالعراقيين الهاربين من جحيم الحرب وكيف انهم قد تحولوا بمركباتهم واطفالهم الى اكداس وهيكال ومومياءات محروقة ومنفحمة،ادخلته هذه المشاهد فضلا عن مشاهد القمع والتعسف التي كان يمارسها النظام الدكتاتوري ضد ابناء الشعب انذاك في ازمة صراعه رافقته في شكل كوابيس ليلية وعقد نفسية وصرخات وحشية حيرت المحللين النفسيين الذين عجزوا عن علاجه . ان رواية (صيد البط البري) بفصولها الواحدة والعشرين وصفحاتها التي تتجاوز المائتين هي صرخة عالية ضد الحرب والعنف والاحتلال والدكتاتورية ودفاع عن الانسان والبراءة والمواطن الذي كان يقاد الى ساحات الموت المجاني رغما عنه وهي تغطي النتائج والعواقب التي ترتبت على حرب الخليج الاولى عام 1990 احتلا العراق من قبل القوات الامريكية والحليفة عام 2003 وبصورة ذاتية من خلال شاشة وعي بطلها المركزي وراوي الرواية الفعلي والمشاهد في الاحداث منصف : وهو مواطن عراقي اضطر الى الهرب من العراق بعد الاحتلال العراق حيث استقر به المقام في ولاية شيكاغو في الولايات المتحدة تبدأ الرواية بمشهد خارجي متوفر وساخن تتعرض فيه شاحنة شركة اهلية كان يقودها البطل الى حادث سير يضطره الى الاصطدام بعمود كهرباء عملاق لكي يتفادى ان يصدم بشاحنة الكبيرة سيارة صغيرة تضم مجموعة من الاطفال وهو منظر افزعه عاد به الى الاف الاطفال الذي ! احترقوا اهاليهم في طريق الموت داخل سيارتهم هاربين من الكويت وتتالي الاحداث بين خارج وداخل : خارج يرتبط بمشهد الاصطدام وعواقبه، داخلي يرتبط بذكريات البطل الجريحة وكوابيس الليلة المرعبة التي ورثها من معاناته تحت ظل نظام فاشي متوحش جلب الويلات لابناء شعبه . على الرغم من توظيف الروائي لكثير من الضمائر وزوايا النظر السردية الا ان زاوية النظر المهيمنة تظل هي رؤية البطل وتحديدا من خلال توظيف ضمير الغيبة (هو) الذي تميل صورة مموهة لان الراوي (فجأة مرقت السيارة الصغيرة الحمراء امامه من ناحية اليسار وبسرعة البرق تفجرت الدماء الساخنة في صدغية، (ص5) لكن المؤلف ينتقل احيانا الى توظيف ضمير المخاطب (بالفتح) kh mahmood saed 5من خلال محاكمة عقلية، وذهنية داخلية في نسق من المولوع الداخلي : (بدأت الان تسير بشكل نظامي متعقل، تنتقل عيناك في الجهات كلها، الامام، الخلف، الوراء، الامام ادبتك الحادثة (كما سيتبطن احيانا رؤى شخصيات روائية اخرى، وخاصة عند بناء  بعض المشاهد الروائية التي تشارك فيها شخصيات متعددة كما هو الحال في الفصل الواحد والعشرين وهو الفصل الاخيبر والذي تهمين عليه بنية المشهد الروائي حيث نجد ان زاوية النظر السردية تهيمن عليها شخصيته  هي شخصية (فجر) : (فكرت فجر : الفترة القصيرة بنحو نصف ساعة فقط  بين لقاء الرجل المجهول ويوعد المحامي (ص203)، ويمكن للقرائ ان يكتشف ان الرواية تخرج من عنق الزجاجة الفردي الى فضاء اجتماعي اوسع واكثر انفتاحا، فالفصول الاولى تركيز على العالم الداخلي لبطل الرواية المركزي منصف العراقي المغترب وهمومه وكوابيسه التي وردت من معاناته في العراق اولا والكويت ثانيا وخاصة بعد ان اجتاح الدكتاتور العراقي الكويت والنهاية الفاجعة التي انتهى اليها المواطنون العراقيون ومنهم البطل نفسه في طريق هربهم من الكويت الى البصرة عندما تحولوا الى اشلاء محروقة وكتل من الرماد خاصة وان الوعد قطعه الطيار الامريكي بان يصطاد العراقيين كما يصطاد البط البري  تحقق بصورة علنية وباداء وحشي وغير انساني، لكن حالما يبدأ البطل الاشتباك بالاخرين ويلتقي بمديرة الشركة الحديدية التي اعتاد على تسميتها بالسيدة تاتشر يبدأ المشهد بالانتقال من عالم الداخل الى عالم اني  الخارج وتروح الاحداث والمشاهد تتحرك لتضم افرادا ومجموعات وحشودا تمنح الرواية افقا بانورميا عريضا حيث يزداد التركيز على الوصف  وبناء المشاهد الروائي ويشغل الحوار الخارجي موقعا متزايدا وحالما تخرج حبكة الرواية من كابوس الهموم الذاتية لبطل الرواية منصف الى فضاء اجتماعي واسع نكتشف عوالم الحياة السرية في الولايات المتحدة وبشكل خاص في مدينة شيكاغو ونتعرف الى الاف الناشطين المدنين المعارضين للحرب i اي حرب، ومنها حرب الاحتلال التي كانت تخطط لها انذاك الادارة الامريكية، كما نتعرف الى لون من العلاقات الحميمية بين الجاليات العربية التي يشعرمعظم ابنائها بالغربة داخل المشهد الامريكي الذي  يبدو بالنسبة للبعض متوحشا ومعاديا، تأتي المفاجأة الكبرى عندما نكتشف نحن ومن خلال دهشة البطل منصف، ان المرأة الحديدية التي تدير شركة شاحنات التوزيع والتي تبدو قبيحة في المظهر بسبب وضع لصقين على خديها هي امراة جميلة ووسيمة، واكثر من هذا فهي مواطنة فلسطينية من الشتات الفلسطيني وانها كانت تخطط، دون ان تخبر احدا لدور قد يبدو صعبا وغامضا من خلال التطوع سرا مترجمة لدى القوات الامريكية في العراق لتصبح فيما بعد المترجمة الرئيسية في سجن ابي غريب ومن هناك تنجح مع اخرين في تهريب الاشرطة والاقراص المدمجة التي تفضح ممارسات الادارة الامريكية تجاه السجناء والتي تنتاقض ومبادئ حقوق الانسان وهو ما أوقعها بأيدي السلطات الامريكية التي قررت ماحكمتها في واشنطن على فعلتها، وهو مادفع بالبطل الى تناسي ازمانه وكوابيسه والتحول تدريجيا الى شخصية ايجابية وفاعلة وبشكل خاص عندما قرر ان يقف حتى النهاية مع تلك المناضلة الفلسطينية وان يقف الى جانب ابنة الشابة (فجر) التي استلمت متظروفا غامضا يضم كما هو واضح الاشرطة والاقراص المدمجة التي هربتها امها، او بهذا تفتح الرواية على فعل اجتماعي وجماعي نضالي ضد الحرب والهيمنة والتعسف والاحتلال وخرق مبادئ حقوق الانسان، من الواضح ان الروائي يفيد من عناصر يومية وثقائفية شخصية وسياسيا فشخصيته البطل (منصف) يحمل الكثير من سمات المؤلف نفسه وهي سمة عامة لاحظتها في جميع الروايات المؤلف تقريبا عندما يهب الكثير من ملاحمه وميول شخصيته لبطله المركزي، دون ان يحمل اعمال الروائية الى نصوص سيرية ( بيوغرافية او اوتوبيوغرافية) هذا من جانب من الجانب الاخر فقد (لفق) وهذا من شروط العبة السردية حتما بعصر المعطيات الاعلامية والوثائقية المعروفة الخاصة المتعلقة بتسريب صور التعذيب في سجن ابي غريب ويربطها بحياة ابطاله وبطلاته بصورة افتراضية وتخيلية بعيدا عن جانبها التسجيلي او الوثائقي الحقيقي حتى، بتنا نشعر ان الروائي قد اناب بطله الروائي  المتخيل والافتراضي مهمة الثأر من عذاباته ومعاناته ونزيف ذاكرته الجريحة ليثأر من الحرب والاحتلال والعنف والتعسف في التضامن مع مديرته الفلسطينية السابقة (سناء) ولاحقا مع  ابنتها الشابة (فجر) من خلال الانخراط النشط والفعال في مسيرات  المواطنين الامريكين المعادين للحرب والاحتلال، وبشكل خاص المشاركة في تجمعات المناهضين للحرب في واشنطن وامام البيت الابيض وهو يدرك العــــــواقب التي يمكن يرتبها ذلك على حياته بوصفه مهاجرا ومقيما في الولايات المتحدة ومتحديا كل القوانين ايمانا منه بالدور الذي ينتظره مستقبلا ومايترتب عليه من التزامات سياسية واخلاقية كبيرة ملتــــــــــــزما، ربما اخلاقيا بالعهد الذي قطعه لـ(سناء) بان يقف الى جانبها مهما تكت النتائج وهو ايــــــــضا اعلن بشجاعة ان سيقف ايضا مع ابنتاه وانه سيناضل من حتلال القضاء لاطلاق سراح (سناء) من السجن لاحقا مما يجعل الرواية تفتح على افق مفتوح يحتمل الكثير من التأؤيلات ويجعلها بمعــــنى من المعاني (نصا مفتوحا) يستدعي المشاركة الفاعلة، المنتجة من قبل قرائها ومتلقيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *