ماجد مطرود : التحفة

majid-matroodبالرغمِ من قدمِها وشكلِها الذي يوحي بأنّها بلا قيمةٍ ,
وبالرغمِ من إنَّ الكثير من الأصدقاءِ كانوا يسخرونَ منها والكثير منهم أيضاً نصحوني ..
أن أرميها في أقرب مزبلةٍ  , إلّا أنّي أعتزّ بها جداً
مرةً رأها سائحٌ قال انّه أمريكي , نعم كان يتكلم الانجليزية بطلاقة !!
لا يعنيه الاخر يفهم الانكليزية أم لا , المهم عنده أن يتكلم هو وعلى الاخر ان يصغي
كان ثعلبيُّ العيون , جلده يميل الى اللون الاحمر المبقّع بالنمش البنيّ , قصير القامة
كرشه يتدلى أمامه مثل شحمة عظيمة , كان لا يشبه الامريكين لكنه أكد لي أنه امريكي الوثائق
تفحّصها بعدسة مكبّرة وأندهشَ للتاريخ المنقوش عليها 1921 عَرضَ عليَّ مبلغاً  جيدا لشرائِها
لكنّي وبالرغمِ من حاجتي الملحّة لهذا المبلغ رفضتُ ورفضتُ لسببينِ
الاولُ عدم ثقتي بالامريكيين والثاني أعتزازاً بتحفتي وتاريخها الجميل.
كان لونها فضيّاً نقياً من الخارج , زجاجتها مصقولة ونظيفة خالية من أي حكٍّ أو تحوير
أمّا من الداخل فكان لونها ذهبيّاً صافياً بأرقامها الّلاتينية البارزة بوضوح عجيب , كنتُ أحبّها
أشعر دائماً أنّها بريئةٌ مثل طفلةٍ لا تدركُ قذارةَ الدنيا , لذا لم يتقبلْ عقلي فكرةَ التخلي عنها
حتى حبيبتي التي كنت أعشقها حدّ الجنون شعرتْ يوماً بالغيرة منها ,حبّتْ أن تختبر مكانتها
قالت أخترْ بيني وبينها , قلت لا مكان للمقارنة بينكما , لكنّها أصرت على الاختيار فخسرتني
وخسرتها وافترقنا الى الابد  ..
ارتبطتُ معها بتاريخٍ قديمٍ يمتدُّ الى طفولتي وارتبطتْ هي معي بنبضي ودقات قلبي كانت ثمة علاقة حسّية بيني وبينها , كأننا عاشقان فريدان .. تشعرُ بي وأشعرُ بها
تفقدُ بريقها حين أحزن وتشعّ بريقاً متلألأً حين أفرح , الأدهى من ذلك كلّهُ كانت تحسب ,
السنين التي قضيناها معاً , أمّا يدي وبالتحديدِ معصمي الأيسرلم يتجرأْ على خلعِها ابدا
جدي وقبل وفاته بقليل أهداني إيّاها .. وصّاني أن لا أفرط بها .. لا أبيعها .. لا أهديها أو أعطيها
إنّها مطليةٌ بذهب الفرات يا ولدي , باهضةُ المعنى وأصيلة الشأنين وعظيمة الخلق ..
لم يبقَ على عمرِها سوى القليل لتكونَ تحفةً في متحف القرون
إحفظْها في قلبك, خذْها الى برِّ الأمان ,
أنها ساعةُ العرش الجميل أورثني إياّها أبي وها أني اليك أعطيها
هذه هي كلمات جدي التي لم تغادر ذاكرتي على الرغم من ان تحفتي  ترقد الان بأمان سعيد
في متحف القرون الواقع على الساحل الغربي لمدينة الساعات الحالمة.

بلجيكا

شاهد أيضاً

الحرية ثمنها كبير
خلود الحسناوي- بغداد

حررني من قيدك َ.. فأنا عصفور طال حبسه بين يديك .. لم أعرف منك حبا …

أبعد من كورونا: ماذا عن الموت الشفاف؟
بقلم: سعيد بوخليط

”مجاورة الموت، وسيف ديمقليس المسلط فوق رؤوسنا، يجعلنا نعيش حياة أخرى،ثمينة للغاية، وأكثر حساسية” جوليا …

غانم عزيز العقيدي: بعض الرجال لا يبكون (1)

الإهداء الى كل احبابي عائلتي الكريمة أهلي الأعزاء أقربائي أصدقائي مع تمنياتي بالصحة والسلامة وفقنا …

تعليق واحد

  1. توفيق المعموري

    الرمزية الرائعة التي تملك على المتلقي حسه ووجدانه سمة واضحة تؤكد الثبات المبدئي بالأنتماء المتجذر للوطن الأم ، هذا ما ظهر واضحا وجليا في هذا النص .. أحييك أيها المبدع أستاذ ماجد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *