الرئيسية » مقالات » مؤيد داود البصام: أعمال سعد هادي القصصية والروائية نمو ذ جا

مؤيد داود البصام: أعمال سعد هادي القصصية والروائية نمو ذ جا

قيود تثقل الفكر المراقب

moid_albssamعندما هدات الطائرات ،وتوقفت المدافع والصواريخ ،التي دكت المدن العراقية وبغداد بالاخص، ودمرت الابنية والمنشآت، ولم تستثني البشر اطفالاوشيوخا نساء ورجالا ، قابلت صديقي سعد هادي في شارع الرشيد، قرب جامع الحيدرخانة وسالني- ماذا برايك بعد هذا ؟

قلت له – سوف لن يتركونا، وسوف تستمر الحرب باشكال متعددة، لاننا تحرشنا بابنهم المدلل الكيان الصهيوني، ولو لعنا امريكا وضربناها الف مرة، فلن يحدث لنا ما حصل ولكن ما حصل وسيحصل لاننا تحرشنا بمدللهم. ومضت الايام وتقابلنا بعد اربع او خمس سشنين، قال لي والالم يعصره – نعم صدق ما قلت ، انهم ما زالوا يلاحقوننا، وافترقنا مرة اخرى كما افترق اغلب العراقيين،وسحقت اماكن لقائاتنا وقتلوا رغباتنا بحصار طال كل شئ، ولم يبقي على شئ، من اجل ان يهيؤا للغزوي والاحتلال، والتقيت سعد امام قاعة حوار للفنون في الوزيرية، وقلت له- اريد ما اصدرته من الروايات في الاونة الاخيرة لاني لم احصل عليها.

قال ونبرة الهدوء والخجل على محياه – ساتيك بهن، ولكن اعذرني فلم يبقى لدي الا المستنسخات.

ووجدت بعد ايام عند جمعه مدير قاعة حوار الكتب، ولكن لم ارى سعد بعدها، حتى قرأت ما كتبه الصديق حسين سرمك، عندها احسست أن جزءا آخر اقتلع من خاصرتنا، وهو مايريدونه.

———————————

صدرت للقاص الروائي سعد هادي اربعة كتب ، حصلنا علي ثلاث منها (الاسلاف في مكان ما) مجموعة قصصية ورواية (ليلي والقرد) وآخر أعماله رواية (تجريد شرقي) اما كتابه الرابع (طبيعة صامته) وهو اول اصداراته عام 1990 فلم نحصل عليه .

سعد هاديكتابات سعد تذكرنا بروحية ودأب الادباء والفنانين الستينيين من القرن الماضي ، ان لم تكن امتدادا لهم في محاولاتهم هضم الانتاج الابداعي باجناسه المختلفة كمحاور ذهنية ومعرفية وتذوقية ، تكون الاجزاء الكل الذي يحصر المبدع تميزه في الجنس الذي اختاره ليمثل قدراته الابداعية ، ويستفيد من عملية التلاحم في فهم محركات الحياة ويخبر الدروب التي تتشعب منها اعماق الانسان وتأثيرات العالم الخارجي علي هذه الاعماق السحيقة من النفس البشرية ، وسعد واحد من الذين امتلكوا خاصية التذوق الجمالي ودربة الصنعة في البعد الجمالي بين السمعي والمرئي ، كفنان تشكيلي ونحات خاصةً وله كتابات ونصوص نقدية في الادب والفن ، وهذه الميزات ستجبرنا للنظر الي اعماله الكتابية بعين تختلف عما نراه في اعمال الاخرين ، خصوصا ممن كتب الرواية ، فالرواية لها معايير خاصة ، يقول ولكانك ايزر في كتابه القارئ الضمني (من تعامل الرواية مع معايير اجتماعية وتاريخية) فهي تتطلب كماً من المعارف والتجارب ، عالم يحتاج الي هذه المعارف الموسوعية والتجارب البيانية ، لانها تتحدث عن انماط وانساق من البشر والحوادث والوقائع تمتزج به هذه المكونات لتظهره كواقع تأتلف في داخله العناصر مع بنائية الخطاب والرؤية الجمالية لهذه الموتيفات ، وهو ما يذكرني بالروائي عبد الخالق الركابي عندما اراد ان يكتب عن الموسيقي في احد اعماله وعلي مدي ثلاثة اشهر استمر يطالبني بكل ما املك من كتب وموسوعات عن الموسيقي واستنسخ مكتبتي الموسيقية من اشرطة وسيديات وكان يخبرني عن الناقص في المجموعة من سوناتات لهذا الموسيقار او سمفونيات لذاك ، من اجل ان يهيء مصادره وذهنيته في اخراج ما يعتقد انه شمولية البناء للحدث . وبعد ان انجز العمل وصدر ، إكتشفتُ ان هذه الضجة المعرفية والتذوقية كانت من اجل صفحة ونصف من الرواية ، ولم تكن الرواية عن الموسيقي وهو السبب نفسه الذي حمل بلزاك بفتح ملف لكل شخصية من شخصيات اعماله يملئه بالمعلومات التي يستقيها من مصادرها بنفسه . يوضح لنا هذان المثالان عملية الدأب والمثابرة لانتاج نص يحترمه الكاتب قبل المتلقي . وسعد هادي ممن يبحثون وينقبون للوصول الي القيمة الجمالية ، فهو لايكتب نصوصا تخضع ويلات المتعددة ولا لفك شفرات وترميز ، يكتب (موجة احلام) كما سماها اراغون ، نصوص سريالية ، تلتقي فيها الاحلام بالواقع علي مرتكزات جمالية . تستمد وجودها من ارض الواقع كحلم يجوس آفاق اليقظة ليغطي المساحة الفراغية في ما يعانية الانسان من فقدان للامل وما يحمله من معاناة وقلق وما يتلبسه او يحيطه من هموم ، انه يكتب دون خشية او تحفظ كدأب السرياليين الاوائل ، لهذا لا تقع كتاباته ضمن انساق الواقعية السحرية ، علي الرغم من استخدامه هذا الاسلوب بعض الاحيان ، فهو صريح وواضح في ادانه الواقع ونقد المتعارف دون مواربة والغوص لاكتشاف الاعماق السحيقة للانسان بما يتضح من رؤية بوعي متبصر (اغوص متأملا في ذاتي دون ان اصل الي قرار) (رواية تجريد شرقي) .

مجموعة (الأسلاف في مكان ما) القصصية الصادرة عام 2004 عن دار الشؤون الثقافية في بغداد ، تظهر لنا المراحل الاولي للوعي الذي سيترسخ لأكتشاف الحلم والواقع كخطين متناظرين يلتصقان ويفترقان للوصول الي فهم المتخيل الذي يبحث عن (السعادة لا يمكن الوصول اليها او العثور عليها إلا بالحب) فجاءت بداية كل قصة من قصصه السبع للمجموعة افعال (ستظل ، بدت ، هبط ، وصل ، وصلت ، ضغط ، تبدو ، يبدو) اي ان المتحقق عبر الحركة الدرامية للفعل ، وهو ما يؤكد فطرية الوعي او ميكانيكية الفعل الذي يحركه من الخزين المعرفي والذوقي والفعل في اللغة متحرك غير مستقر ، وهو تأكيد للتجانس بين الفكرة واللغة حيث تتطابق الرؤية ، بان الحلم لحظة والتخيل لحظة ، قد تبقي لزمن ما او تزول بنفس اللحظة . فهو ينقل صورة انه يرسم او ينحت حينما يكتب يصف الحركة بعين الكاميرا ، مستخدما تكنيك الكتابة المسرحية او السيناريو (فاصل موسيقي ثم صمت لثوان تقول المرأة بعده) (ص73 . الاسلاف في مكان ما) وهو يضيف الي هذه القدرات التكنيكية في الكتابة التقاط التأملات الداخلية ، يصف الخارج الجامد ، لكن الداخل هو المهم . هو الرؤية المتحركة للمتخيل الذي يريد التخلص من (القيود التي تثقل الفكر المراقب) كما يقول أندريه بريتون ، لهذا يرفض القوانين الحسية لهذا العالم واستبدادها ، ويبحث عن الحرية الكاملة للانسان (بدون الابواب والموصدات التي تضع المحرمات والافكار والنقاد وتقاليد الاخلاق اليومية) في هذه القصص نجد الملامح الاولي للتمرد ، ولكنه تمرد مرهون بسياقاته المعرفية ضمن اطار محدود من العلاقات المحيطة به ، لم يأخذ ابعادا بآفاق متسعة ، لهذا نجد تركيزه علي شخوص ضمن المحيط لأكتشاف الاثر ودلالة الصورة ، ليس عبر ملاحظة انتاج الهذيان من الظاهر ولكن من الدلالات الباطنية ، اي انها ليست محاكمة طبية نفسية انما شعورية ، فشخوصه عينات محددة من المثقفين تؤطر حياته ، قسم منها يقترب كثيرا وقسم يظل بعيدا . جاسم الزبيدي ، فؤاد التكرلي ، موسي كريدي ، محمد شمسي ، سعد الدين كاظم … ألخ. قصص (الاسلاف في مكان ما) يحول ادراكاتنا نحو الغوص في الاعماق لاجل ان نفهم متطلبات معاناته (انهم يشحبون ويختفون مثلما يختفي المقهي في مخيلاتهم وفي ذاكرتهم ، انهم هناك في مكان ما مكان يبدو قصيا وموحشا وغامضا ، مكان لا تدركه الاعين ولا تبلغه البصائر ، ولكن هل هناك رعاة حقا) (ص61) ، ويستمر البحث عن الحلم لتحقيق الفكرة الرئيسية التي تحوم في رأسه (نحن أشباه السائرين في نومهم جيئة وذهابا نلاحق شبح سعد الدين ، وأطياف أصدقائنا التي تحولت الي جثث ، علنا نعثر في يوم ما علي مقهي البرلمان او حتي علي مقهي أخري شبيهة به) (ص92) ولكن هذه التهويمات والاحلام والبحث في اللاجدوي تحدث شروطا هائلة عندما تصطدم بالاخر ، وتاتي الاجوبة تسويغية (حين لم استمع الي جواب علي ندائي تشظيت انا الاخر ورأيتني اتحول الي اسئلة وصرخات وعواءات وانات وآهات تتردد في الفضاء) (ص133) ان نهايات القصص التي ذكرناها ، توضح السؤال الذي لاينفك يدور في رأسه كل لحظة ، اين تكمن السعادة ؟ بحث ازلي لايجاد الجواب الذي لم يصاغ لحد الآن ، هل هو في إمرأة ، او مقهي او اي شيء ؟ وعدم وجود الجواب تتحول الاعماق الي (اسئلة وصرخات وعواءات وانات وآهات) (الأسلاف . ص132) . ان القصص السبعة في مجموعة الاسلاف تتمرد علي الواقع بحلميتها دون ان تستطيع مواجهته ، وهو الموقف نفسه الذي جعل الكثير من السرياليين يتحولون الي الحركات الاشتراكية والشيوعية واليسارية الثورية ، بعد ان وصلت قوة المعاناة الانسانية حدودا اخترقت فيها الواقع والحلم والمتخيل ، ان التمرد علي الواقع سنجده يتطور بصورة متنامية مع تطور بنائه الانساني وحسه الرافض لكل اضطهاد للانسان مع ذوقه الجمالي في روايتيه اللاحقتين ، اذ يبدو التمرد واضحا وبفهم وادراك في الجملة والفعل والكلمة ، والملاحظة الاهم ان هذا التطور يتجسد في رواية (تجريد شرقي) التي تمثل الاكثر اصالة وقوة ابداع في اعماله ، اي ان التطور والنمو في بنائية المعمار الروائي متصاعدة ومتنامية ، وقدرته تاخذ ابعادها في هضم واستيعاب المعرفة الكلية التي تنطلق منها الكثير من المذاهب وبالذات السريالية متجسدة في رواية (تجريد شرقي) اذ يمنحها صيغا اكثر درامية في تمرده الحاد بما يحيط به بصياغة ذات نكهة تتسم بالتجربة الصوفية السريـاليــة علي ان كتابة الرواية عنده لم تأتِ عبثا ، انما صيغت بابعاد تطورية نمت بنمو الوعي والاداراك للواقع وتصاعد وتيرة التمرد داخليا ، في قصص (الاسلاف) يتحول التمرد الذاتي الي معاناة تكتفي مع الاخر فيما فرض عليهما عالم لم يكلف بتصوره او بناءه ، انما فرض عليه وعلي الاخرين ، لهذا يصبح التمرد ليس حالة فردية ذاتية محضة انما صورة جمالية مشتركة ، لم تكن فوزية لها وجود في واقعه ، لكنها فرضت وجودها عبر الصدفة وهكذا موسي والاخرون ، عالم يفرض نفسه بحكم الواقع المعوج ولم يكن لنا الخيار فيكون الحلم والخيال (الخيال هنا يتمثل بقوة رفض وازالة صفة الواقعية لانتخاب مضمون وشكل جديد مبني علي الاختيار والفهم والمعني والدلالة) .

في مجموعة (الاسلاف في مكان ما) القصصية هناك شخوص ومكان وحدث وفيها تراتيبية وزمن ولكنه في الرواية يتلخص من كل هذه القواعد يكتب رواية (حسب تجنيس المؤلف علي غلاف الكتاب) لكنه يسقط الرواية من ابعادها او قواعد التجنيسية ويسعي لتحطيم السرد ، وكأنه يتوافق في الرؤية مع رفض (بريتون) للعمل الروائي في البيان السريالي صراحة ، لكون الرواية تخضع بالضرورة الي تأثير المنطق ، فالبناء الدرامي فيها متماسك بالضرورة في تعيين الزمان والمكان والاشخاص ، وتكون العاطفة في الرتبة الثانية ، وهو ما يرفضه السرياليون وبريتون خاصة يفضل الشعر الذي يمثل البوابة للدخول الي العالم الحقيقي اليومي الذي يدخلنا الي عالم (الحلم السحري) .

في قصص (الاسلاف في مكان ما) تتشكل البدايات لفهم المعرفة السريالية لمفهوم البحث الفيزيائي ، ففي المعرفة الفيزيائية نتوصل الي ان التجربة نقلت بشكل موضوعي وكشفت دلالاتها واهدافها ، فالسرياليون بتقصيهم حالات الهلوسة والجنون والجمل المجزأة لاكتشاف اللاشعور انما يحاولون الوصول الي فكرة التوحد ، والكشف وسنجد في البيان السريالي (التمثيل البصري الضعيف لرجل يسير وهو مشطور في منتصف قامته بنافذة عامودية علي محور جسمه) هذا الكشف معرفة تجريبية لا تأتي بتصور من فراغ ، انما فيها شيئ حسي ومدرك ، لهذا كانت التجربة الشعرية هي السمو في التجربة بين الحسي واللاحسي ، بين الاغراق في الحلم ومعرفة الواقع ، ويستخدم سعد هذه الرؤي لاكتشاف المتوالية التي تحكم البشر في مأساتهم (يتثائب احدهم فتنتقل العدوي الي الاخرين ، وتصدر أثناء تثاءَب همهمات وتنهدات وآهات لا يسمعها احد ، ثم يمضون كالاشباح فوق آثار الخطي التي تؤدي الي ليل آخر) (ص74 . تجريد شرقي) ونجد انفسنا امام عمل متقن بمهارة جمالية وتعبيرية مشكلا وحدة واحدة مع البحث عن طريق المعرفة للخلاص ، وينقب عن كل ما يسمو بالانسان فوق ذاته (فتوغلت وحدها في اعماق الظلام حتي بدا كان من المستحيل العثور عليها او استحضارها مرة أخري) (ص118 . تجريد شرقي) . ان خاصية الصورة العفوية لا يمكن ادراكها او التعامل معها إلا بتميز فكري حاد او ادراك لوحدة العلاقة بين واقعين متباعدين ، فهو لا يعني الربط بلغة الهلوسة والصور المنفصلة للعصابيين ، انما الصورة التي لها دلالاتها بمظهرها الجديد في لغة الشعر ، دلالة جديدة علي تحقيق الخيال ، اذا ما اعيد تركيب الصورة والواقعة التي اخذت فيها ولا يأتي هذا التركيب إلا نتيجة رغبة لأعطائها معناها المطمور. فاننا سنقف للتخيل في تشخيصنا للترابط الفكري بين الرؤية السريالية وكتابات سعد ، لا نضع سعد في حقل السريالية ، لاننا لو درسنا اعماله علي اساس الشعور لوحده فسنقع في النزعة النفسية ، كما حاول الكثير من اخضاع الاعمال السريالية الي علم النفس وعوملت النصوص كتعامل المفردات ضمن فهم الاطباء النفسانيين ، وبالتالي سنقع في مطب اهمال الالهام المتضمن في مشاعره تجاه الواقع ، فهو لا يبتعد عنهم ولا يقترب حد التماثل .

ليلي والقرد

رواية ليلي والقرد رحلة رسام يريد دراسة الفن في ايطاليا ورحلته تعطينا فكرة ان بلده محاصر وكل شيء فيه ضمن هذا الاطار وتمر الرحلة عبر تركيا وتستقر بعض الشيء في مدينة اسطنبول قبل ان يواصل الي ايطاليا ، وفي مدينة اسطنبول وضمن رقعة وقوف الباص والشوارع المحيطة والفنادق والاشخاص الذين زاملهم في الرحلة ، يسرد لنا احداثاً تقع قبل ان ينتقل الي ايطاليا . ليغرق في المتاهة . يسرد لنا حكاية الواقع الذي كان والكائن وما سيكون ، يسرد رؤياه الحلمية للواقع . تارة يتمسك بالحلم ويرفض ان يغادره وتارة يعود للواقع ليتماثل معه ، يقابل موسي حسين الشخصية المتقابلة في الرواية مع شخصية الراوي ، الشبح الذي يطارد الراوي بين الواقع والخيال الي نهاية الرواية ، ويقابل فوزية التي تشاركه الرحلة في الباص والاخرون تشكيل من السرد والذكريات او اشخاص سيقابلهم اثناء تجواله او اناس التقاهم في الواقع او في واقع آخر . في (ليلي والقرد) يختلط الواقع بالحلم ، والخيال يتسيد الموقف (قد تكون فوزية بلا عمر ، وقد يكون عمرها بضعة قرون ، وقد تكون فكرة اختراعها خيالية وقد تكون شبحا ولد الان) (ص29 . ليلي والقرد) .

عبر هذه الحلمية بين سرده عن وقائع الحياة في تلك المدة من خلال رؤية فنان كيف يتصور وجوده داخل هذا الواقع وانطباعاته عن الاخر ، العملية السردية تكمن في الكشف الذي يوليه الكاتب الاهمية القصوي في بناء الرواية ، يقلب الصفحات من الباطن ليكتب لنا عن الخارج ، انه يشارك في تمكين الفكر لاعادة قدراته من اجل توسيع حقل المعرفة الانسانية انه لا يروي لنا هل هو ضد فكرة ضرب فوزية عندما عادت من الفندق الذي اختليا فيه ، هل هو ضد المجموعة التي تريد ان تجعل منها عاهرة ؟ هل هو مع او ضد موسي بافعاله وتصرفاته ؟ هو لا يقول لنا رأياً . يكشف لنا الحقائق بعين الكاميرا ، لنتقاسم واياه اظهار قيمة الفعل من اجل ان نعيش قردا تجاه الحياة وشروط الوجود ، ويفتح بابا لمفهوم االسعادة والحرية في الرغبة والحب .

فهل استطاع سعد ان يمنحنا عبر اعماله العلاقة التوحيدية بين الخيال والشعر والنشاط العملي في الحياة ، لتحقيق الطموحات السياسية والعلمية .

ان نهاية رواية (تجريد شرقي) اكثر توفيقا في التعبير عن المتن الحكائي . وايصال الفكرة التي جسدها الخطاب الشعري والفني . ففي نهاية رواية (ليلي والقرد) يترك الفكرة عائمة وذاتية (طوحت بي الايدي ثم القت بي في فضاء مظلم لا حدود له وها انا أسعي (ام أحلق؟) وحدي في ذلك الفضاء البهيم ، لا ادري الي اين ساتجه ولا متي سأعود ؟) بينما تشكل نهاية (تجريد شرقي) عملية النضج الفكري في تبني الاخر . والكشف عن تمرده لترسيخ فكرة الانسان يحكم المادة والتاريخ . (جحظت عيناه حين رآني ، بدا خائفا ، حمل الكيس القماشي الذي كان الي جانبه واختفي في الزقاق الذي يؤدي الي شارع المتنبي ورأيته يتواري بخطي متعجلة ، محاولا ان لا يترك اي اثر خلفة) (ص121 . تجريد شرقي) وفي رواية تجريد شرقي يتبع خطوات لمزج رؤياه الحلمية السريالية بالبناء الروائي لرواية ما بعد الحداثة يتشابك عنصري الزمان والمكان في اعمال سعد هادي وتتداخل الازمنة في محاولة لتحطيم السرد ، من خلال العلاقة الفكرية التي ادركت التقارب الفوري بين واقعتين متباعدتين وهذا الربط هو مجمل الابداع الفكري ، ان الصور التي يبثها تذكرنا بافلام المخرج السويدي برجمان ، والقلق الذي يتسرب الينا جعلنا نعتقد بامكانية تحقيق الخيال . قدرته ليست علي ما يبدو كالصورة وحسب ولكن في التقريب بين الحدثين وعملية التركيب التي يقودها الفكر .

تجريد شرقي

رواية تجريد شرقي تتحدث عن صحفي يفقد سيارته ليقع فريسة الضياع في مكان ما تتجاذبه العلاقة باشخاص قد يكون رآهم او لم يصادفهم في حياته . (وفي اللحظة التي كان فيها بين النوم واليقظة احس بركام هائل من شظايا متوهجة يغطي جسده) (ص20 . تجريد شرقي) ولكنه علي كل حال يبقي ضمن الحلم والتخيل لان الفكر لابد ان يوجد العلاقة في التقارب بين الواقعتين (تكررت حالات الاغماء فيما بعد وكانت تنتابه كلما اعتقد انه توصل الي تفسير مقنع للغز وجوده في هذا المكان) (ص21 . تجريد شرقي) وهكذا يتكرر النوم والحلم والاغماء والاستيقاظ بتكاسل ثم العودة الي النوم والحلم (لافرق عاشور من آشور ، كلاهما من المصدر نفسه ، السواد الظلمة غياهب العالم السفلي) (ص25 . تجريد شرقي) وتعود الصورة بقوتها من خلال الربط بين واقعتين متباعدتين (كان عاشور يقف ، يحمل بيده تمثال غرابين من حجر لازوردي ويعرضه امام اعين المارة المتعجلين) (ص121 . تجريد شرقي) (ظلت الحقيبة تنتقل من يد الي اخري ، من يد وحش الي يد مارد الي يد سعلاة الي يد قزم ثم استقرت في يد عاشور ، فرفعها عاليا وطوح بها وقذفها باتجاه غرابين من حجر اســـود) (ص25 . تجـريـــد شــرقــي).

وسعد يقع ضمن هذه الدائرة في تمرده بايجاد الصورة التي تربط بين الواقع والتخيل بين الواقع والحلم ، الحلم الذي لا يتحقق ما دامت المتاهة تفرض نفسها علي وجودنا ، انه يدين الواقع عبر مشاركتنا في هذه الادانة بان يجعل الحلم واقعا متحققا ليدخلنا كعنصر متورط في اللعبة للبحـث عن السعــادة والحـب والحريـة .

وهو يستخدم اللغة الشعرية ولكنه لا يقع في الشعرية بل يستخدمها من اجل تسويغ وجود الحلم .

بغداد 2006

موريس نادوز . احد النقاد والسرياليين الفرنسيين .

كلود برنار . فرنسي احد منظري السريالية وممثليها .

فلردنيان الكيه : فلسفة السريالية ، ترجمة وجيه العمر ، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي ، دمشق ، 1978 .

سعد هادي ، الاسلاف في مكان ما . مجموعة قصصية . دار الشؤون الثقافية . بغداد . 2004 .

ليلي والقرد . رواية . نينوي للدراسات والنشر . دمشق .2006 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *