ماجد مطرود : قصة حبٍّ مؤجلة

majid matrod 3أنسحبتْ شمسُ الضّحى أمام هجومٍ واسع النطاق من غيومٍ سوداء
مخلفةً وراءها ضوءاً رمادياً قاتماً وريحاً صفراءَ محملةً بغبارٍ دقيق
احتلَّ مساحةَ المكان الكربلائيّ الذي ماتَ فيه أبواي وتركاني وحيداً  في البيت الكبير
الواقع على جهة اليمين من مرقد الأمام الحُسين.
فجأةً خطفتْ قدّامي , فراشةٌ تبحث عن حديقة وجهها مثل الصّباح ندياً مشرقاً
وبعينيها العسليتين تمسحُ المكانَ,مسرعةً كانت كأنّها البرقُ حين يخطفُ الابصارَ
أو كأنّها تسابقُ الريحَ باتّجاه الأمام , لعلّها تبحثُ عن ملاذٍ آمنٍ  يقيها شرّ الطبيعة
وغضبها السّافل المنحطّ
أحياناً يصعبُ على المريء أنْ يجدَ الكلمةَ المفقودة في لعبة اطفالٍ عابرة
حيث العباءات السود والمكان والتاريخ والخطابات والشعارات والمليشيات
والمتشابهات كلّها تداخلتْ فضّيعت نصفَ الحقيقة وغيبتْ نصفَ العقل وحوّرتْ درَّ الكلام
فأربكت الصورةَ وكسّرتها في الذاكرة وادخلت الشكّ في اليقين فقلتُ ربّما ليست هي أو لعلها شبيهةً بها
بالرغم من نظرتي الثاقبة وقوّة ملاحظتي وقدرتي على تحليل الاشياء وتفسيرها بدقّةٍ عالية
غير أنّي كثيراً ما أقع في اخطاءٍ ساذجةٍ وتافهة
وبالرغم من أنّني تعبان نفسياً على طول الخطّ بسبب هزالة جسمي وضألته
ففقدان ساقيَ اليمنى وذراعيَ الايمن وبعض التشوّهات التي أصابت كتفي في الانفجار الكبير
الذي كنتُ أنا احد ضحاياه زادت الطّين بلّه وسممتْ بعضَ المحبّة في دمي ..
كما أنّ فقدان الكثير من السوائل بسبب الاسهال الدائم الذي لا يبارحني أبداً
نتيجة البكتيريا التي استوطنتْ في امعائي والتي جعلتني اشعرُ بالخوف الدائم
منذ نعومة أظافري حتّى الأن كانَ سبباً مهماً لأكونَ ضعيف الهيكل مقوّس العظم
كأنّي بلغتُ من العمر عتيّا.
الفقرُ والجوعُ والحاجةُ الدائمة ونقصُ الثمرات جعلتني مرتبكاً نوعاً ما
لكنّني قويّ العزيمة ,شديدَ البئس ,كريمَ النّفس حتّى مع أشدّ النّاس كرهاً إليّ ,
أنا عاشقٌ قديم لكنّني الأنَ صرتُ معاقاً ..
أحيا على ذاكرةٍ نقية كثوبٍ ابيضٍ لم يدنّسْهُ السّواد , انتمي الى عائلةٍ عريقةٍ ,
مرموقةٍ يرجع نسبها الى أول الخلق وآخر الخلق
قلتُ في نفسي ..
ما الذي حدثَ بالضّبط في صيرورتي وتكويني ونشأتي الأولى ..
التي جعلتني أشعرُ أنَّ الاخرينَ هم نقطة العاطفة التي تبكيني؟
التي جعلتني أعيشُ على ذاكرةٍ مهشمةٍ تشبه الخراب لا يمكنني التحرر منها
والتي حوّلتني في النهاية الى انسانٍ عاطفيٍّ وحسّاس
أميلُ بشكلٍ واضحٍ ومتحيّزٍ الى طلاب المرحلة الاولى في أية مدرسة في الكون ,
لأنّي أشعرُ بشبهٍ كبيرٍ بيني وبينهم خصوصاً تلك الطفولة التي قضيتها في ناحية  الزّاب
في قضاء الحويجة بكركوك حيث كانت ولادتي وطفولتي ونشأتي الأولى هناك
مدرسةُ الفارس كانتْ احدى المحطات التي جمعتني بها , تلك البنت الرقيقة
عمرها كانَ يداني عمري , اثنتا عشر عاماً كانتْ كافيةً لتجعلنا نشعرُ بالحلم معاً ,
أيّ حلمٍ كان يجمعنا؟ فبعد كلّ هذه السّنين مازالَ حلمنا صبياً ينمو في الأماكن , مرّةً في كربلاء
وفي كركوك , مرة في قلبي وفي قلبها وألف مرّةٍ في السماء عند الله يشكو التمزّق والآه
أحبك , اول مرّةٍ نطقتها في حياتي كانتْ على مسمعيك , أحدثت هزّةً على وجهك البريء
وحرّكتْ دمك الوردي الذي تصاعد حتّى نبع نهديك وعلى وجنتيك راحَ يرقصُ احلى
الرقصات ,كنت فراشةً تبحث عن حديقة وكانَ وجهك مثل الصّباح ندياً مشرقاً
وبعينيك العسليتين كنت تمسحين المكان كأنّك الأنَ من قدّامي تخطفين
انتهت

شاهد أيضاً

شاعرٌ يردُّ الوهمَ للوراءِ
بقلب عبد اللطيف رعري/منتبولي فرنسا

بعِشقِي هذا حينَ تكتملُ اللَّذاتُ.. سأنقرُ السَّماء بأعوادِ الثقابِ لتلِدَ الغَيْمة فجرًا ثمَّ.. فِي واضِحِ …

عادل الحنظل: ميتافيزيقيا

ألْقوكَ جسما عاريا تحتَ السماءْ أتُرى عرفتَ بما يخبّئهُ العَراءْ قالوا لروحكَ رفرفي.. واستأنسي علّ …

انتفاضة العرفاء الباسلة 3-تموز 1963
الاديب حميد الحريزي

قصة انتفاضة ((حسن سريع)) 3-تموز 1963 كما وردت في الجزء الثاني ((كفاح))من ثلاثيتي الروائية ((محطات))… …

2 تعليقان

  1. علي المسعود

    الشاعر ماجد مطرود شاعر غزير الثقافة ذو امتدادات عميقة ووارث لحضارة عميقة وعظيمة وله ألمام في ثقافات الامم وذكي في تطويع اللغة و قادر أن يفجر مفردات اللغة لتصوير افكاره ويرتكز على فلسفة عميقة غنية تجعله يحلق في صوب القول العميق الخالد وبالتالي فالشعر عنده ليس كما نريده أو نريد له، فهو فيض تلقائي للمشاعر القويَّةِ يَأْخذُ أصلَه مِنْ العاطفة المتأملة ولكنه ليس غارقاً في طين اليأس والعتمة والشهوة إلى حدود فقدان الرجاء من انطلاقة متألقة له بل مجموعة متناقضات فهو ( قصص من الحب و الحزن و اللوعة ممزوجة باالجوع و محاصراّ بالسؤال ” ما الذي حدثَ بالضّبط في صيرورتي وتكويني ونشأتي الأولى؟؟) !!!! , فالشعر هنا حياة تجدّد فينا الرغبة في الحياة و اكتشاف سرّ وجودنا ، مبدع كعادتك الشاعر الجميل ماجد مطرود

  2. ماجد مطرود

    الناقد الجميل المعتدل ذو الخصوصية المتميزة المبدع علي المسعود ليس جديدا عليك هذا الفيض الجمالي , فروحك دائمة الامطار بحسن القول وصدق العبارة , حمالة بارواح الملائكة المتكونين من النور والجمال .. لك مني الف تحية محبة وتقدير لتوقيعك وقراءتك لي .. دم لي عزيزا ومبدعا متألقا وناقدا معتدلا جميلا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *