ليث الصندوق : مبدأ الهروب اللانهائي في رواية ( هبوط الملائكة )

laith alsandook 4أعترف سلفاً بأني لم أقرأ من قبل أي عمل سردي للكاتب ( محمد حسن ) ولذلك ظننت قبل أن أهم بقراءة روايته ( هبوط الملائكة ) بأنه كاتب في أول الطريق ، ولكني فوجئت منذ الصفحات الأولى بأني أمام كاتب خبر الطريق خبرة عالية ، وإنه يفهم اسرار حرفته ، ويتلاعب بأدواته تلاعب الحاذق الخبير .

هذه الرواية ذات الزمن الدائري التي تبدأ من الوراء ، وتنتهي من حيث ما تكون قد ابتدأت تختصر هموم مجموعة من الشباب المتمرد الذين هربوا من الخدمة العسكرية ولم ينخرطوا في الحرب ، بل عاشوا على حدودها يراقبون كوارثها من الجانب الآخر المعرض في كل لحظة للانزلاق إلى آتونها . وبمعنى آخر إنها رواية عن الشباب الذين عبروا عن رفضهم للحرب بالهروب منها ، وأرى إنها من هذه الزاوية رواية تتطرق إلى موضوع جديد يتناول تجارب الهاربين سواء من الحرب أو من الجيش وظلوا على مدى عقدين من الزمن يعيشون في وسط ملغوم ومعاد يتتبع آثارهم ، ويضيّق عليهم حركاتهم ، مما أوجب عليهم في كل يوم إجتراح وسيلة تبقيهم في الجانب الآمن ، وتمكنهم من إدامة أمانهم باستمرار والبقاء بعيداً عن نيران المتخاصمين . لكن اشتغال الدلالة لوحدها لا يكفل تأمين أدبية النص ما لم تتعاضد مع الدلالة بنية تمسكها وتوجهها ، وهذه البنية هي التي سمحت للمرجع المخاتل الذي يتوارى وراء اللغة أن يبسط سلطته ويقود القاريء إلى تاريخية متخيلة تستعير من الواقع خامات أحداثه وأسماءه الثنائية والثلاثية مقترنة بالألقاب وتعيد طرح ذلك المزيج وفق إمكانات تداولية . ولذلك أرجو من القاريء أن لا يُخدع بتلك الخامات الواقعية ( ألرئيس / إبن الرئيس / صوفيا لورين / دستوفسكي / إسماعيل فتاح الترك / علي طالب … ألخ ) وأن لا يعول عليها في الفهم وبناء المعنى لأنها ليست ذاتها التي يعرفها القاريء وأنها ليست سوى بضاعة نصّية صُنعت خصيصاً من أجل التخييل .
ألمدخل إلى متن الرواية الذي حدده الراوي المشارك خليل لا يتعدى بضع سطور يصف بها استعداده لمغادرة ألمانيا بعد رفضها لطلب لجوئه إليها ، والمفارقة أن يكون ذلك المدخل إلى المتن هو في الوقت ذاته المخرج من أراضي الدولة التي اختارها من بين دولتين أخريين ( هولندا وبلجيكا ) ملاذاً له . وعبر هذا ( المدخل / المخرج ) الضيق يتسرّب زخم هائل من الاحداث الحافلة بالتفاصيل الدقيقة والتي لن يسمح الراوي بأن يفوته منها حتى رقم حافلة نقل الركاب ( 4 ) التي تقل أحد شخصيات الرواية إلى بيته ( ص / 42 ) لكنها في كل الأحوال تفاصيل حيوية تنشط ذاكرة القراءة ، وتزيل الفاصل ما بين المتلقي والنص ، وتجعله شريكاً فيه . كما تنفذ عبر المدخل الضيق ذاته أعداد كبيرة من الشخصيات ، علماً أن عدد شخصيات الرواية بلغ واحداً وثمانين شخصية أغلبها شخصيات متحركة وذات أدوار فاعلة باستثناء ثلاث عشرة شخصية ليس لها سوى وجود إسمي ، وبذلك يمكن تقدير الجهد الذي بذله الكاتب في تفعيل وإدارة هذا العدد من الشخصيات . هذا بينما كانت الرواية قد بدأت بأربعة شخصيات فقط هم كل أصدقاء الراوي الذين سهروا معه ليلة مغادرته ألمانيا ، وسينسحب ثلاثة من هؤلاء الأصدقاء إلى الظل ليبقى واحد منهم وهو مالك يروي مرويته للراوي ، لتتشكل الرواية من جمع مرويتين ( مروية مالك + مروية البطل – الراوي – خليل ) . لكن الراوي يتحول حين يصغي إلى مروية مالك منه مباشرة إلى مروي له ، وينضم إلى المروي له التخييلي الآخر المفترض الذي تتوجه إليه الرواية بكليتها . أي إن رواية مالك تفترض وجود إثنين من المروي لهما ، وكلاهما تخييليان ونصّيان ، ولكن الفرق بينهما أن أحدهما شخصية معرّفة ( خليل ) بينما الآخر شخصية مفترضة ، ولهذا الأخير يتوجه خليل أيضاً عندما يأتي دوره في الكلام .

لوحة رائعة للمبدع ليث الصندوق
لوحة رائعة للمبدع ليث الصندوق

بعد استهلال قصير تبدأ الرواية بمروية مالك التي تنفتح لمغامرات الهروب المختلف الوجوه سواء من الخدمة العسكرية أو من جبهات القتال أو من سلطات شرطة الحدود في الدول التي تسلل إليها أو الهروب من الذات ومن الآخر معاً ، تقطع المروية حادثة اختطافه مالك من قبل المخابرات العراقية في الأراضي الباكستانية وإعادته إلى العراق مخفوراً بطائرة مدنية حيث أودع في السجن وتعرض لأقسى وأذل أنواع العقاب ، ثم حكم عليه بالاعدام ، ولأن ضمان بقاء مالك على قيد الحياة هو ضمان لاستمرار الرواية وانفتاحها لفضاءات أبعد تهيء لأن يلتقي فيها مع الراوي ويحقق رغبته بمنحه المادة الأساسية لروايته . لذلك توافق إطلاق سراح مالك بمكرمة قدرية من الرئيس في عيد ميلاده مع رغبة الراوي بالدفع بالمغامرة خطوة إلى الأمام حيث سيمكن مالك هذه المرة من تكرار محاولة الهروب بنجاح .

جاءت لغة الخطاب في مروية مالك بضمير الغائب فقد كانت تروى عن مالك ولكن على لسان الراوي ، ويستمر الحال على هذا المنوال حتى يفاجيء الراوي قارءَهُ بعبارة ( همس لي مالك ببقية القصة . ص / 64 ) التي ستكون بداية مرحلة الإنحراف في لغة الخطاب إلى ضمير المتكلم إشارة إلى انسحاب الراوي من مهمة التوسط ما بين مالك والقاريء ليجعل المتكلم ( مالك ) يقدم خطابه بدون وساطة ، ومع ذلك لا يلبث الراوي أن يتدخل قاطعاً سلسلة التداعيات لينبه القاريء بأن انسحابه السابق كان انسحاباً تكتيكياً أملته تقنية السرد ، وإنه يظل سيد روايته ، لا يمر منها شيء إلا عبر خطابه ( كان الحزين يتنقل في حديثه من مسار إلى آخر ، فيعود إلى الوراء ويتقدم إلى الأمام ، ولا يروي وفق مسار الزمن ، وعند هذه النقطة قال لي : ص / 68 ) والعبارة الظرفية الأخيرة إشارة من الراوي إلى قرب تسليمه مهمة السرد إلى المتكلم ( مالك ) ليصبح ذاك الأخير راوياً مؤقتاً ، ويصبح الأول مروياً له . وتستمر لعبة تبادل المواقع بين الإثنين ، بل إن خطابهما يتداخلان أحياناً في خطاب واحد ( صمت مالك سارحاً لوقت أحسست أن الدمع سيطفر من عينيه ، ثم أكمل في محطة أخرى . ص / 69 ) أو إن السرد يتحول إلى نوع من الحوار ما بينهما ( وافقته في هذه النقطة ، وقلت له . ص / 71 ) . وفي حالة قطع مفاجئة يقفز المتكلم ( مالك ) من علاقته بفصائل المقاومة الكردية المسلحة التي أجبر للانضمام إليها وتداعيات علاقته المقطوعة بجميلة ليضعنا في جو آخر من فضاء آخر ( في معتقل أرومية الإيراني أحتجزت هناك فوضعوني في خيمة مع ثلاثة عراقيين كانوا هم أيضاً قد فروا من العراق وتسللوا إلى إيران عبر الأهوار . ص / 69 ) . وفي مروية مالك تحضر شخصيات كثيرة بشكل مفاجيء  ومن دونما تمهيد تقدم ما يمكن أن تقوله ثم تغيب إلى الأبد بعد أن تكون قد أسلمت مفاتيح السرد إلى شخصيات أخرى تنبثق من ثنيات خطابها .

شخصيات تاريخية أم نصّية :

mohammad hasanبعد مروية مالك جاءت مروية الراوي – خليل وتدور أغلب أحداثها في بغداد باستثناء جزء يسير منها في باريس وأقل منه في هامبورغ ، وهي كسابقتها تتمحور حول موضوعة الهروب ، وتختلف عنها في كون هروب الراوي كان أغلبه داخل المدينة ( بغداد ) ولم يتجاوزها إلى سواها باستثناء هروبه من الوفد الفني العراقي الذي كان أحد أعضائه في باريس ، وهذه الحلقة لن تتجاوز من الرواية سوى أسطر قلائل . ولذلك تتناول مروية الراوي معاناة الهارب داخل المدينة وبحثه الدؤوب عن وسائل التكيف مع الظروف المتقلبة والمربكة ألتي يعيشها الهارب من أجل أن يتلافي المفاجات التي فرضتها حالة التعبئة العسكرية خلال فترة الحرب .    

ومروية الراوي كسابقتها غنية بالشخصيات الفاعلة والنوعية ، والطريف إن الراوي يضم إلى شخصياته شخصية فنية عالمية معروفة هي الفنانة صوفيا لورين متخذاً من أحد أفلامها نصاً صورياً متحولاً إلى نص لفظي يتناص مع مروية الراوي ( ص / 115 – 116 ) وهذا النمط من التناص السينمائي يتكرر ثانية بصورة أكثر فعالية ، حيث يمتد تأثيره ليتحول لدى أحد الشخصيات المغامرة والمهمة في الرواية ( رعد سلمان ) إلى نص نموذجي يقدم تجربة في الهروب قابلة للتطبيق في ظروف حياتية قاهرة تشبه إلى حد ما الظروف التي يعكسها النص الصوري – السينمائي ( ص / 209 ) بيد أن تطبيق نتائج النص الصوري على الحياة أخفق ، وكان لإخفاقه نتائج كارثية على رعد سلمان . بل إن القدرة التخييلية للكاتب تحول حتى الشخصيات التاريخية إلى شخصيات نصية حين يدفع ( برونو بسمارك ) مندوب الأمم المتحدة في إسلام أباد لزيارة مالك في سجن التسفيرات هناك ويصرّ على إطلاق سراحه ( ص / 162 ) والشيء نفسه يقال عن ( إبن الرئيس ) ونزقه الدموي في لحظات سكره بمقره في الرضوانية ( ص / 143 – 147 ) وهذه المروية تتداخل مع الجزء الختامي من قصة سامية التي انتهت حياتها في واحدة من نوبات نزقه . وفي هذا السياق تدخل القراءة التناصية المنتجة لرواية الجريمة والعقاب التي أعاد الراوي قراءتها بطريقة غيرية مقارباً ما بين حالته تحت الضغط النفسي ، وبين حالة القاتل في الرواية تحت ضغط الخوف من العقاب ( وما بين الجريمة والعقاب تهت ، وما عدت أميز بين الخطأ والصواب ، فقد تلبسني شرور القاتل ونوازعه الشيطانية ، ولم يعد يهمني مصير الضحية في قسمها الأول . كنت أحث – راسكوليينكوف – على ذبح العجوز المرابية وإنهاء المهمة بأسرع وقت ممكن . ص / 150 ) وبذلك يعيد إنتاج نص قديم بافتراض معالجات أخرى له وباقتسام البطولة مع بطله  ( هكذا سيطر علينا أنا وراسكو رعب هائل . ص / 151 ) أو ( كان قلبي يدق بذات السرعة التي يدق بها قلب صاحبي وهو يُرغم خطواته الخائرة ، ويدفعها دفعاً على أمل أن ينتصر على أبالسة الليل ، ويفلح في الفرار من بلواه . ص / 151 ) .

ولعل أطرف توظيف للشخصيات التاريخية هو في توظيف شخصيتي الفنانين التشكيليين الكبيرين إسماعيل فتاح الترك وعلي طالب وذلك باشتراك الراوي معهما في الوفد الفني العراقي إلى باريس ، وكان هذان الفنانان ينأيان طول الرحلة بنفسيهما عن الإختلاط بالراوي ، فقد ظنا بأنه أحد عناصر الأمن الحكومي المدسوسين بين الفنانين لمراقبة تحركاتهم ، ورفع تقارير عنهم ( ص / 227 – 230 ) وبذلك يكون الكاتب قد وسع من حدود الدور التاريخي لأؤلئك الشخوص جميعاً بمنحهم أدواراً سردية تتجاوز حدود أدوارهم التاريخية . وبنهاية هذه المروية يكون الراوي قد ختم روايته هارباً من الوفد إلى هامبورغ ، فبقاؤه ضمن عضوية الوفد الرسمي يعني إنه ما زال في حدود العراق وإنه ما زال تحت ضغط سلطته الرسمية ، وتحرره من الوفد يعني العكس بالتأكيد . لكن دائرة الهروب لا تنقفل عند هذه النقطة ، لأن نقطة النهاية هي في الحقيقة نقطة بداية الرواية . فمعرفة ما تلى النهاية هو ذاته الذي كان قد رواه الراوي في الصفحات الأولى من روايته ، حيث ستكرّ دائرة الهروب ( أو دائرة الرحيل ) مجدداً بعد أن رفضت السلطات الألمانية منحه حق اللجوء .

مبدأ الحركتين المتعاكستين :

kh-mohammad-hasan-1وبحكم ابتداء الرواية من الوراء ، فهي توحي بأن هناك حركتين تتحكمان في تعاقبية الأحداث ، الحركة الأولى تمثل الذروة التي بلغت عندها الأحداث منتهاها ( ألحركة باتجاه الأمام ) حيث لا احتمال من إضافة أية تتمة أخرى ، وعند هذا الحد يضطر الراوي للتراجع في الزمن إلى الوراء ( ألحركة باتجاه الخلف ) حيث النواة الأولى لتشكل الأحداث . تستهل الرواية بأولى الحركتين المتعاكستين باتجاه الأمام زمنياً ومكانياً مع الراوي وهو يودع أصدقاءه ويغادر ألمانيا ( المكان ) متوجهاً إلى النرويج . والزمان ( بداية زمن السرد ) هو فترة الحصار الدولي على العراق التي أعقبت حرب الكويت من دون إعلان عن سنة الحصار تلك . أما الحركة المعاكسة ، فزمنها التراجعي يُعيد ذاكرة الراوي إلى ما سبق تلك المرحلة من عقدي الثمانينيات والتسعينيات أيام الحرب مع إيران والحرب الأخرى التي تلتها وما رافقها من حصار . أما الأماكن التي شهدتها الحركة الارتدادية تلك فهي جبهات القتال العراقية – الإيرانية ، ثم المحافظات العراقية على امتداد الحدود الشرقية إضافة إلى الأراضي الإيرانية والتركية والباكستانية والبلغارية واليونانية والإيطالية والفرنسية وللألمانية ، وليس للمكانين الأخيرين من انعكاس او تأثير على الأحداث بالرغم من أن لقاء بطلي الرواية ( مالك والراوي ) ومساراة الأول للثاني التي حفزت ذاكرة التداعيات لدى الثاني ودفعته لجمع المرويتين في رواية واحدة كان قد تم على ما يبدو في ( ألمانيا – هامبورغ ) إلا أن المكان ظل خارج إمكانية التفعيل مجرد إسم بلا ملامح ولا حساسيات ومن اليسير استبداله بأي إسم لأي مكان آخر دون حدوث خلل في السياق . إن عودة الراوي إلى الوراء لا يتم بذاكرته لوحدها منفردة ، بل أيضاً بذاكرة أخرى متعاضدة مع ذاكرته في خوض تجارب الهروب ، وهي ذاكرة صديق الغربة ( مالك ) المقيم في ألمانيا . لقد وفرت الحركة الارتدادية إلى الوراء فرصة أمام الراوي لاستعادة ذكرياته مع أصدقائه الذين سيفارقهم بعد ليلة ( مالك / خزعل عذافة / ولسون ياقو / حاتم الملقب بمحمد السكران ) وذلك من خلال تداعيات لولب التراجيديا ما بينهم ( مالك ) الذي سيلقب تبعاً لذلك بالحزين ليكون بحق ( مالك الحزين ) الطائر المعذب المحلق في أفق النص . وستكون حصة هذا اللولب من الرواية قرابة ثلاثة أرباعها ، بينما سيكون ربعها الأخر المتبقي من حصة تداعيات الراوي ألذي تدور أحداث مرويته ( كما بينا سابقاً ) في جزئها الأكبر في بغداد ، ثم يختمها في باريس ، أما هامبورغ التي وصلها بعد مغادرته لباريس فليس لها من انعكاس على أحداث مرويته . وبالرغم من إن ذروة المأساة في مروية مالك هي في أسلوب التعذيب الذي تعرض له في سجن أبي غريب ، إلا أن تلك الجزئية بالتحديد ظلت سراً لم يكشف عنه مالك للراوي ، ولم يعلن الراوي تخمينه لطبيعة ذلك التعذيب بصراحة ووضوح وما ورد عنه على لسانه لم يكن سوى مجرد تلميح لما كان قد خمنه ( … فقصص وحكايات اغتصاب السجناء واجتثاث أعضائهم التناسلية بالمقصات الحديدية كانت تُتداول على كل لسان . ص / 180 ) وفي مكان آخر ( … فوظيفتة أصبحت شاغرة بعد أن عطل السجانون رجولته وجعلوه رجلاً بلا فائدة . ص / 183 ) يدعم تخمينات الراوي تلك سلوك مالك بعد إطلاق سراحه متمثلاً بتهربه من الارتباط بجميلة ، وتهربة من ممارسة أية علاقة جنسية مع إمرأة بعد إقامته في هامبورغ .

لكن الحركتين المتعاكستين لا تقتصران على الحدث الإستهلالي الأساسي ، بل تشمل الأحداث  الفرعية أو أهمها والتي تتراكم فوق بعضها على شكل طبقات ، وتترابط مع بعضها بعلاقات معقدة تجعل من النص الكلي للرواية نصاً مركباً ، فقصة هروب مالك من جبهة القتال الجنوبية خلال الحرب العراقية – الإيرانية تبدأ من نهايتها ، حيث تلقي القوات الإيراني القبض عليه لتشكل تلك النهاية حركة التقدم الفرعية باتجاه الأمام ( فبعد هروبه من العراق ومكوثه لفترة في مدينة السليمانية وقتاله القوات الحكومية إلى جانب قوات البيشمركة دفعه يأسه وسأمه للهرب من هناك والتسلل إلى الأراضي الإيرانية بواسطة مهربين أكراد . ص /  9 )، ومن الطبيعي أن تسبق تلك الحركة خطوات أولية تمهيدية ، وأن تكون قد تمت في زمن سابق لزمن الشروع باتخاذ الخطوات الأولى للهروب ، وفي مكان آخر غير الذي انطلقت منه . أما الحركة الارتدادية الفرعية إلى الوراء فستمثلها التفاصيل الدقيقة للحدث في بداية تكونه ، أي منذ اللحظات الأولى لالتحاق مالك بالخدمة العسكرية ( فشل مالك في إتمام دراسته الثانوية فتم تجنيده على عجل والدفع به إلى أتون حرب إيران كجندي مشاة بعد دورة تدريب لم تزد على الستين يوماً أمضاها في معسكر التاجي في ضواحي بغداد ، نقلوه بعدها إلى جبهة الحرب الجنوبية حيث التحق بمقر لوائه في منطقة صفوان وسلمهم كتاب النقل . ص / 11 )  . ويتكرر العمل بمبدأ الحركتين المتعاكستين في مروية الراوي التي بدأها بحركة أمامية متقدمة نسبياً في الزمن ( في السنة التي دخل فيها مالك إيران وقبع في معتقلاتها كنتُ أنا فاراً من الجيش ، أجوب الشوارع بحرية وبحذر ، وأشاهد أخبار الحرب من على شاشة التلفاز . ص / 32 ) ومن تلك النقطة المتقدمة تبدأ حركة الرجوع إلى الوراء ( بعد فشلي في الدراسة وتركي لها ومعاناتي وقلة حيلتي في تبديد أوقات الفراغ شجعني إبن عمتي حمزة ونصحني بالذهاب للعمل كرسام متجول . ص / 38 ) . ولعل تقنية الحركتين المتعاكستين وما تتطلبه من الإبتداء من الوراء هي السر الذي ضمن للرواية الإثارة والتشويق ، فهي تكشف النتيجة أولاً ، ثم تبدأ بعد ذلك بتقديم الأسباب تدريجياً وبتقتير محسوب .

حلّ عقدة وإحكام أخرى :

وفي تلافيف الأحداث تضيع أحياناً البوصلة وتتداخل حدود الزمن ببعضها مثلما تضيع مؤشرات المكان وتختلط أيضاً مصادر البوح وتتوالد من زحمة التفاصيل تفاصيل أخرى حتى يصبح فك الاشتباك أمراً عسيراً . فحين يوشك الراوي – مع قرب الوصول إلى نهاية الرواية – إنهاء مروية مالك الذي كان قد وصل هامبورك وتعرف إلى الأصدقاء ذاتهم الذين بدأت بهم الرواية ( خزعل عذافة جاء على متن طائرة من فارنا إلى مطار شارل ديغول ، ثم جمعته الظروف من جديد بمحمد سكران في مدينة هامبورغ ، ومن خلاله تعرف إلى مالك وولسن ياقو قبل أن يجتمع هؤلاء في هامبورغ . ص / 191 ) حين تصل الرواية بذلك النص المجتزأ إلى حل لواحد من عقدها ( عقدة مالك ) يفاجئنا الراوي بقطع مفاجيء ينقلنا إلى جو آخر وفضاء آخر ليضعنا في صلب أحداث حرب الخليج الثانية بين قوات التحالف الدولي والعراق إثر اجتياحه الكويت . لكن هذا القطع لا يلبث بعد صفحة واحدة لا أكثر أن يتعرض لقطع إرتدادي آخر عائداً بسياق الزمن إلى أيام الحرب العراقية الإيرانية ومغيراً بوصلة المكان من هامبورغ إلى بغداد ونافذاً إلى صلب الحدث المزلزل الذي سيضعضع من تماسك الراوي – البطل وصموده ، ويدفعه لإنهاء حالة هروبه من الجيش ، وذلك الحدث هو موت سنده وداعمه ومفكك عقدة هروبه ( رعد سلمان ) معدوماً في سجن أبي غريب . لقد كانت هذه الميتة إحكاماً في عقدة البطل الذي لن يجد بعدها من يحل عقده ويفكك مشاكله ،  وهي في الوقت ذاته الرد السردي المعاكس على حل عقدة مالك مما سيُبقي الرواية حتى نهايتها تبحث عن حل للعقدة الثانية المتبقية ( عقدة الراوي – البطل ) . لكن إذا ما كان الانتقال السابق من حرب الخليج الأولى إلى الثانية ، ومن ثم العودة إلى الحرب الأولى قد تم ضمن قطوعات مربكة جاءت في سياق إنهاء مروية مالك ، فإن انتقالاً آخر ما بين تينك الحربين سيكون أكثر سلاسة ومن دونما قطوعات في الأحداث وفي حلقات الزمن ( ص / 218 ) ولكنه سيغير من طبيعة الأفعال في فترتي الحربين . فبينما كانت أفعال الشخصيات  خلال الحرب الأولى مدفوعة برغبة الشخصيات في الهروب منها ، وتلافي كوارثها ، وبإحساسها بالرعب من احتمال الوقوع في قبضة القوات المنية ، فإن الأفعال فيما تلى الحرب الثانية من ضغوطات الحصار تتسم بافتعال الصراعات الشخصية الهامشية ذات الطابع  البطولي المفرغ من ملامح البطولة الحقة بعد زوال التهديدات المصيرية التي تعرض لها البطل – الراوي ، وبعد أن بات يعيش في بحبوحة مالية نسبية مستثمرأ الفرص غير المتكافئة التي وفرتها ظروف الحصار . ومع هذا التغيير انتقل الصراع من صراع ضد النظام أخذ شكل الهروب من معاركه وعدم الانخراط في مؤسسته العسكرية إلى صراع يُشبه إلى حد بعيد صراع الأشقياء ما بين زملاء السوق من الباعة المنافسين تدفعهم نصرة بعضهم البعض إلى الانتظام في عصابات متصادمة نسى أعضاؤها الظالم الحقيقي الذي تسبب في كوارث الحصار الذي يئنون جميعهم من وطأته ، ونسوا  القاتل الحقيقي الذي ورطهم في حروب نزواته العبثية ، واشتبكوا في نزاعات جانبية مفتعلة ما بينهم مستعيضين عن الانتقام من الظالم بالانتقام من المظلوم تاركين الظالم الحقيقي يستثمر هذه الاستعاضة غير المنصفة لتقوية أدوات ظلمه وتثبيت سلطته .  وبينما كان الراوي – البطل يستمتع أيام الحرب مع إيران بجمال بغداد بالرغم من إنها كانت أقسى أيامها ، صار في أيام الحصار الذي أعقب حرب تحرير الكويت ، وهي بالرغم من قساوتها المميتة أيام سلام ، صار يتمنى لذلك الجمال أن يحترق ليسهل عليه التستر بدخان حرائقه لينتقم من زملاء السوق الذين أوسعوا أخاه ضرباً ( كنت أمني النفس بأن يأتي اليوم الذي تتعطل فيه ساعة العراق وتنشب فيه الحرائق وتعم بين أركانه الفوضى ، حينها يسهل على الصياد الماهر خنق الطرائد أو اصطيادها لأطفيء لظى هذه النار التي تحرق كبدي . ص / 225 ) .

نداء الغائب :

يتسم خطاب الرواية بتعاقب حوارين ( داخلي وخارجي ) ، ألحوار الخارجي يجري على لسان مالك ، وعبره يسرّ للراوي حكايات هروبه من جبهات القتال ، ومن العراق في ظروف الحرب ، أما الحوار الداخلي ، فعبره يستعيد الراوي سيرة حياته في العراق والتهديدات المصيرية التي يتعرض لها جيله . وهذا ما جعل من الرواية تبدو وكأنها روايتان ، أو قصتان طويلتان ، الأولى قصة مالك ، والثانية قصة الراوي – البطل ، وليست هناك من علاقة تربط ما بين الروايتين أو القصتين باستثناء مواقع اتصال محدودة هي في الحقيقة مواقع اتصال خارجي ما بين الشخصيتين الرئيسيتين ( مالك + الراوي ) وفرت للثاني الفرصة أن يسمع من الأول ويدون ما يسمعه ، وعدا ذلك فليست هناك من مواقع اتصال أو تداخل ما بين الأحداث في محكيتيهما .

وبالرغم من أن الحوار الداخلي هو في أغلبه حوار هاديء ولم ينزلق بالرغم من التضييق وأحادية الرؤية السياسية للنظام وانغلاق أفق التغيير إلى المهاترات السياسية والإدانات البلاغية الصاخبة ، ولم يجنح بالرغم من كثرة وتعدد صور الموت ( وسنأتي على تفصيل ذلك فيما بعد ) إلى خطابات النواح والعويل المفتعلة ، إلا إنه لا يعدم في ذروة احتدامه أن يتحول إلى نداء من القلب يناجي به الراوي صديقه الفنان التشكيلي طلال حيدر الذي فقد في إحدى معارك الحرب مع إيران ، واضعاً بهذا الفقد حداً لانسيابية الحياة الرخية وطموحات الشباب الموهوب والواعد ( عزيزي طلال ، في هذا الشأن يمكنني أن أبوح لك بأشياء كثيرة ، لكن دعنا الآن من هذا كله ، لا أحد يريد أن يصغي لصوت العقل في هذا الصخب الدامي والجو البربري المتسيّد . ص / 119 ) أو ( إذاً هكذا هي الحياة يا صديقي ، لا يوجد فيها عدل أو شيء من الإنسانية ، لذلك أنا يائس تماماً من حدوث معجزة تضع حداً لهذا الاستهتار الفاضح . ص / 120 ) . وفي حياة كلها تضحيات وخسائر يصبح الأسر في ميزان الخسائر أقلها وطأة ، ولذلك تلقى الراوي نبأ وقوع طلال حيدر في الأسر كخبر سار مقارنة بالموت الذي كان احتماله قائماً  .

أشكال الهروب المختلفة :

ألموضوعة الرئيسية المحركة لأحداث الرواية هي موضوعة الهروب بمعناها الواسع الذي تقف في مقدمته حوادث الهروب العديدة من جبهات القتال ، وتتوازى أو تتقاطع مع هذه الموضوعة أحداث هروب أخرى لأغلب شخصيات الرواية :

–         هروب مالك والراوي ورعد سلمان من الجيش

–         هروب مالك عبر السليمانية إلى الأراضي الإيرانية

–         هروب خزعل وولسون وحاتم من العراق

–         هروب عائلة مالك إلى النجف .

–         هروب مالك من جميلة وهو هروب ذو طبيعة مركبة ، كانت دوافعه في مرحلته الأولى عدم إمكانية مالك أن يضمن لجميلة حياة آمنة . وكانت دوافعه في المرحلة الثانية خسران مالك لرجولته تحت التعذيب .

–         هروب مالك من معسكر الأسر في إيران باتجاه تركيا .

–         هروب مالك وتملصه من أية علاقة ارتباط مع سلفانة التاجرة الباكستانية .

–         هروب مالك بجواز سفر مزور من العراق عبر الحدود البرية ومروره بديار بكر متجهاً نحو أسطنبول .

–         هروب مالك من الارتباط بسجادة عبد الجليل الموظفة الباكستانية في مكتب الأمم المتحدة بإسلام آباد التي حلت مكان فوزية بعد مغادرة الأخيرة إلى السويد .

–         هروب أغلب سكان البصرة المدنيين من مساكنهم جراء القصف العشوائي ( لم يسلم من أذى القصف سوى قضاء الزبير ومنطقة سفوان ، أما أغلب أهالي البصرة فقد فروا من منازلهم . ص / 28 )

–         هروب الراوي من عائلته ومن العمل في معمل الخياطة مع أخيه سرحان لكي لا يؤخذوا من قبل الجهات الأمنية بجريرة هروبه من الجيش .

–         هروب الراوي من الوفد الرسمي الفني العراقي في فرنسا .

–         محاولة الهروب الفاشلة لرعد سلمان من العراق بجواز مزور والذي دفع حياته ثمناً لها .

–         هروب الفنان التشكيلي لؤي من أصدقائه بعد أزمة نفسية انتهت بانتحاره .

–         هروب جميلة وعائلتها من البصرة إلى سوق الشيوخ بعد مقتل والدها جراء القصف العشوائي .

–         إنفصال فيفيان عن زوجها سمير كاردن بسبب عجزه الجنسي وهو نوع من الهروب بحثاً عن الإشباع الغريزي .

–         زواج فوزية الموظفة في مكتب الأمم المتحدة في إسلام آباد من رجائي بهزادي اللاجيء السياسي الإيراني والمغادرة معه إلى السويد . وقد استبق مالك توصيف رغبة فوزية بالخروج من باكستان بأنه هروب ( هي شابة طموح ولديها رغبة بأن تفرّ من باكستان . ص / 167 ) .

–         عمليات الهروب المركبة للمهرّب العراقي حاتم التي بدأها بالهروب من المستشفى في فارنا ، وكان قد دخل المستشفى إثر تعرضه لهجوم من أحد كلاب شرطة الحدود البلغارية ، ثم تلاها بعملية هروب ثانية إلى رومانيا ثم بثالثة إلى  هامبورك .

–         هروب الفنان طلال حيدر من الأسر في سجن أرومية الإيراني وضياع أثره .

–         هروب أعداد من العراقيين إلى تركيا حيث يتجمعون في مقاهيها ويحلمون بالفرار منها ( ودخول اليونان أو في أسوأ الأحوال التسلل للأراضي البلغارية أو الذهاب في رحلة طويلة محفوفة بالكثير من المخاطر لشواطيء إيطاليا بواسطة القوارب . ص / 185 ) .

وفي عمليات الهروب ، والهروب المركب لا يستغرب القاريء أن يجد بعض الهاربين قد استهوتهم فكرة الهروب اللانهائي فحولوها من ممارسة للخلاص إلى مهنة لتهريب البشر في بلدان ليست طرفاً في نزاعات بلدهم ، وعبر أراضٍ غريبة وبعيدة ولا علاقة لها بما يعانيه بلدهم من كوارث الحروب .

وللموت أشكال وصور أيضاً :

وتعقب أشكال وحالات الهروب المختلفة من حيث العدد حالات وصور الموت بيد إنها تسبفها من حيث البشاعة . فمن الموت جراء المعارك في الجبهة إلى الموت جراء القصف على البيوت الأمنة ، إلى الموت غرقاً ، إلى الموت إعداماً في السجون ، إلى الموت إعداماً في الشوارع العامة للهاربين من الجيش ، إلى الموت في نزاعات قبلية ، إلى الموت اغتيالاً للمعارضين السياسيين ، إلى الموت في تصفية الحسابات ما بين العصابات ، إلى الموت مرضاً ، إلى الموت كمداً ، إلى الموت انتحاراً ، إلى الموت تسمماً . ولعل أغرب صور الموت وأكثرها عبثية واستهانة بالبشر ذلك الذي يأتي برشقات الرصاص الطائشة يطلقها إبن الرئيس النزق في حفلاته الليلية وهو في ذروة السكر على كل من يمر أمامه .

ولعل موضوعتي ( الهروب والموت ) هما موضوعتي الحياة الأساسيتان في تلك الفترة الزمنية لا سيما أنه لم تكن هناك ثمة بارقة أمل في أفق التغيير على امتداد عقدين كاملين هما الفضاء الزمني للرواية . ولا شك أن هاتين الموضوعتين ترتبطان مع بعضهما ارتباطاً جدلياً ، فالهروب هو الخلاص الوحيد من الموت ، بيد أنه ليس هناك هروب ناجز إنما هو هروب من بوابة واحدة من بوابات الموت ، وتبقى البوابات الأخرى مشرعة في انتظار أن يدخلها من أفلت من البوابة الأولى . أما الموت فهو الخلاص الوحيد والناجز من عذابات الهروب ولا نهائيته ، ويوجز رعد سلمان المحكوم بالإعدام هذا المعنى في حديثه لصديقه خليل – الراوي الذي جاء يزوره في سجنه ، ويودعه قبل إعدامه ( لا شك أن مكوثي هنا قد طال بما يكفي ، لم أعد أحتمل المزيد من التأخير فأنا مستعد للموت كما ترى ولتلقي رصاصة الرحمة . ص / 215 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.