رماد الغائب وخراب الامكنه..
قراءه في ملحمة البمبرة للشاعر ماجد مطرود (الحلقة الأولى)
زهير الجبوري – بروكسل

ان الغاية التي يسعى النصّ اليها هو تحقيق الاتساق والانسجام بين مكوناته المعجمية والتركيبية التي تعتمد بالاصل على قدرة النص على ايصال عنصر الافهام والقراءة التفاعلية الى الاخر المتلّقي باعتباره الشريك المنتج للنص بتاويلة لمكونات النص الدلالية مستخدما معرفته الخلفية التي يشترك هو والمنتج (كاتب النص ) في فضاءها فكلما كانت معرفة الناصً(كاتب النص) الخلفية تنتمي لفضاء مشترك مع القاريء كان  النصّ منتجا بكسر التاء قابلا للتداول والتفاعل ومحققا  وظيفته التي هي ليس تحديد اواصر  العلاقة بين الدال والمدلول فقط وانتاج المعنى ولكن من اجل خلق تواصل اشاري وعلاقات مع الاخر .

ان اتّساق النص يعتمد على رصد الترابط بين عناصرالنص
(مكوناته المعجمية) والاسلوبية والتي سوف تساهم في المحافظة على عدم ارتباكه .. وبالتالي ستكون له القدره على الوصول لفضاء القراءة
وهناك عناصر يمكن اعتمادها كادوات لاتسّاق النص منها :

الاحالة

وهي اهم عنصرمن عناصر الاتساق داخل النص وتعني ارجاع اللفظ للفظ قبله او بعده داخل النص وتسمى هذه الاحالة
الاحالة النصّيه (الداخليه)

اما الاحالة المقامية

فهي  تساهم في جعل النص منفتحا على مستويات التاويل والقراءة المتعدده اعتمادا على الخلفية المعرفية للقاريء وانفتاحه على الثقافي الاسطوري, التاريخي,الخرافة, الدين و النظم السلوكية المعيارية وغيرها كفضاء مشترك يخزّن المعلومات  ويستخرجها في المواضع التي يحتاجها للتفاعل مع النص وتفسيره

الضمائر

هي البنى الرئيسية في عنصر الاحالة بالاضافة الى اسماء الاشارة   وادوات المقارنة .

غير انّ هذه البنى تخلو من اي  محتوى دلالي يقود الى الكشف عن مكنونات النص بدون احالتها الى مرجعياتها التي هي الوحدات الدلالية القبلية او البعدية داخل النص او المرجعيات التي هي خارج النص والتي سوف تسهم في فتح النص على مستويات من التأويل واتسّاقه وايضا في عدم تفككه الذي يؤدي الى الاشكال في القراءه التواصلية

كما انّ هذه العناصر الاحالية تسهم بشكل كبير للكشف عن مقاصد النص الذي هو اساس نصّيته وتجعل منه بنية قابلة للفهم والقراءه  من خلال عناصر الاحالة النصيّة والمقامية  وحضورهما واشتراكهما معا  سوف يقودان النص الى تحقيق وحدته الدلالية الكبرى

ان الاستعارات والتشبيه والكناية والمجاز والضمائر واسماء الاشارة وبنى التشبيه والمقارنه وادوات الوصل والحذف هي عناصر تعمل كلّها من اجل المحافظة على نص يحقق ذاته
شكلا ومعنى وتعمل على تماسكة وتجنح  الى تفسيره وفهمة   والوصول لغائيتة النصيّته
ومن اجل تفكيك النص الذي بين ايدينا وهو نص طويل يأخذ العنوان الاول في مجموعة النصوص التي تضمنتها مجموعة ماجد مطرود الشعرية الثانية  (الطوفان في نوحه الاخير) لابدّ لنا من رصد حركة الاحالات داخل النص ومدى توفيقها في الحفاظ على جسد النص من الترهل والتفكك الذي يجعل منه غير قابلا لتوريط  القاريء يالدخول الى فضاءه المغلق .

كما اننا سوف نحاول رصد  تأثير وفاعلية عناصر الاحالة  على تفسير جسد النص وسوف اعتمد النظر الى عتبات النص اوالعنوان بالتحديد اضافة للهوامش  واحالة عناصر الاتساق لهذه المرجعيه التي تتجلى اهميتها في كونها مفهوما يعتمدعلى رفع مقام الهامشيّ وتوطينه في مركز الخطاب باعتباره اي العنوان نصّا مكثفا وهو بؤرة لجسد النص الاصلي ومفتاح الولوج الى عوالمه ومعانيه التي سوف تتجلى من خلال  تفكيك وحداته وانساقه ودراستها  ..

كما اني سوف استعين بمعجم النصّ لان اللفظ  هو الوحده الاساسية في البناء اللغوي وهو المشكّل لكل طبقات النصّ التي فوقه واقصد المتواليات الجملية ومن خلال تفكيك وحدات المعجم تتيح لنا اكتشاف الحقول الدلالية وتحديد بنياتها التي  سوف  تعرّي من خلال  طاقاتها الايحائية غاية النص الدلالية

كما اني سوف اتصدّى للنصّ من خلال المستوى التركيبي   للجمل الفعلية والاسمية وايحاءها الدلالي داخل جسد النص

بالاضافة الى محاولة رصد الاسلوبية بما يخص المستوى البلاغي واستخدام ادوات المقارنه والتشبيه والايجاز وغيرها وكذالك سامرّ وبشكل سريع على اشكال تخلخل الرتبة النحوية داخل المتواليات وحركة الانزياحات داخل  النصّ .

ملحمة البمبره نزيف بين تمبكتو وبغداد
هذا هو عنوان النص.

العنوان  يتكون من ست وحدات دلاليه
الاولى والثانيه هي المبتدا
والاربع وحدات المتبقيّة هي الخبر

اذا فالعنوان  هو ملحمة البمبرة
التي هي النزيف الممتذّ بين بغداد وتمبكتو

وقبل فحص الدوال في هذه العتبة يجب ان نؤكد على القصديه الاخبارية
للشاعر في تقريب فكرة ان نصّه ملحميا ومحاولة ايصال هذه الفكرة الينا من خلال الجملة الخبرية المتكونة من المبتدا والخبر.

على اساس كونه( النصّ) سرد يختلط فيه التاريخي والميثولوجي والذاتي كذلك تشكلّه كسؤال يبحث عن اجابات  منطلقا من بؤرة النص الى الاخر.

ومن فحصنا للدالين في المقطع الاول يتبين لنا ان الملحمه هي حدث يختلط فيه التاريخي بالميثولوجي بشكلها الادبيّ الذي يحاكي  الفعل الحربيّ واقعا واسطورة ..
لان الملحمة تحمل في انتاجها للمعنى دلالة الدم ورائحته ودويّ المعارك فلابد ان يكون  للنزيف  حضورا دلاليا في هذا المعنى .
وبنفس الوقت تحمل مدلولاتها الثقافية والطقسية وحكمتها
في انتاج صيرورة الزمن الانساني بتجلياته السارّة والموجعه
ويقع لفظ الملحمة في نفس الحقل الدلالي الذي يقع فيه اللفظ الاول من المقطع الثاني للعنوان( نزيف) فالمبمبره كما اشار الشاعر في هوامشه هي لغة الزنوج في جمهورية مالي .

وكأنه اراد ان يشير الى ان ثمة فارق عرقيّ  بين الدال المكاني في المقطع الثاني(اسميّ العلم) من العنوان وبين لفظة البمبرة في المقطع الاول لنيّته المبيّتة في الهامش في تاكيد هذا الكشف ..
وسيتنضح لنا من خلال هامش الوحدة الدلالية الاخرى في  المقطع الثاني للعنوان اهمية هذه الاشارة .

في المقطع الثاني  من العنوان يضعنا الشاعر امام النزيف بكل دلالاته الحسيّة والروحية
فالنزيف هو الشكل المؤلم حين يكون الجرح اكثر عمقا في شكله الوجداني او المادي وهو اشارة واضحة لحدث دمويّ شكّل افرازا لصراع عرقي من اجل اثبات الهوية وتاكيد الذات.

وحين نستمر في تفكيك  عتبة النص نجد  ظرف المكان  هو فضاء هذا النزيف يمتذّ وبشكل قسريّ اعتمده الشاعر لكي يجعل من عنوان نصّه يحمل كل الوجع الذي سوف ينسجه جرحه ..
في متوالياته الدلالية في المقطع الاول في النص والذي سيكون   بداية دراستنا لهذا االفضاء الشعري الصعب والعصيّ على القراءة

امّا اسميّ العلم وهما الدالان الاخيران   في السياق  الذي هو نصا موازيا  لمتن النص الذي بين ايدينا وهو عتبة العنوان
(فبغداد)  لفظ واضح الدلالة ولايحتاج الى الكثير من التفسير  ولاحتى الى هامش   بالرغم من امكانية انزياحه واخراجه من معياريته  الجغرافية والتاريخية الى مناطق اخرى سوف  يتبين  لنا تحققها فيما بعد غير ان اسم العلم الاخر وهو (تمبكتو) وكما اشار الشاعر في هامشه هي مدينة عربيه  يسعى اهلها من اجل التحررمن سيطرة البمبره وهذا يحيلنا طبعا  ويفسّر لنا لماذا اشار الشاعرفي هامشه عن البمبرة بانّها لغة الزنوج .

فكونها عربية  يعني انّها لها مكونا ثقافيا يختلف عن البمبرة وكذلك كونها عربية  تشترك مع بغداد الموصولة معها (ب)/(و) الذي هو رابط الالم وكانّه اراد ان يدفع لنا بتعاطفه مع تمبكتو العربية بتشكلّ المكانين كطرفين مضطهدين يسعيان الى التحرر
وتأكيد الهويةهذا اولا

وثانيا وهو المهم في تفسير العنوان وهو القصد البالغ الاهمية  ان ظرف المكان الذي هو فضاء  النزيف بين تمبكتو وبغداد قد ربط دلالة تمبكتو كمدينة مغيّبة عن ذاتها المدينةالمستعمره وبين بغداد كذات تشترك مع تمبكتو في ذات الغياب وهذا التشكل الموجع النازف الذي يمثله الاحتلال وتغييب كينونتها الفاعلة .

اذا توضّحت لدينا من خلال تفكيك العنوان مقصد الخطاب الشعري  الذي اراد ماجد مطرود ان يوصله الينا من خلال دفعنا الى تثبيت انظارنا الى صورة المكان الغائب المغيّب بكسر الياء  وتوريط ذات الشاعر كذات انسانية في فضاء غياب المكان والتركيز. ان ثمة ارتباط بين ذات الشاعر بنزيفها وبين ذات المكان  الذي يربطه به وجع النزف .
هذا ماستؤكده دراستي لضمائر الغيبة في المقطع الاول من النص بشكل خاص وعلينا الان ان نحاول تفكيك وحدات النص ومتوالياته البنيوية  للكشف عن اتساقه وقدرته على تحمّل مفهوم القراءة التاويلية والمشاركة في تفعيل دور المتلقّي باعتباره شريكا مؤكدا في كتابة النص لايقل اهمية عن المبدع كاتب النص نفسه
وقد حاولت تقطيع النص وتقسيمه الى سبع مقاطع معتمدا على حضور الضمائر واسماء الاشارة وحضور الجمل الفعلية والاسمية في متن النص  ودلالتها في تاكيد المساهمة
في القراءة الناجحه .

وقد حاولت تقطيع النص الى ثمان مقاطع معتمدا  على حركة
عناصر الأحالة في النص  وانسيابية السرد والتحولات الدلالية
للاصوات المختلفة داخله

يقول ماجد مطرود في المقطع الاول من نصّه ملحمة البمبرة

بَعيداً عنها.. أولدُ فيها.. ممرَّغاً بالتُراب.
يدايَ ممدودتان ِ،الى أبعد ِكوكب ٍ في السماء
بينما قدماي.. يبحثان ِعنها تِلكَ التي غيَّبتني، بين جسرين وغابتْ .
بضفَّتِها .. تغسلُ، قَدمَ التأويلِ , بضفَّتِها.. لاترى إلاّ عابرا ً
سبيلا ً للهوى يحملُ نخلا ًبيديه
يلغي المسافاتِ , يفتحُ الاقواسَ
وحدهٌ،لاترى سواه , يجعلُ البعيدَ،قنديلا ً مشعّا ً
لايمكنُ الوصولُ اليّه دونَ خسارات.
على صراطِها
المستقيمُ الوحيدُ تخلى عن سيّئاتهِ فأتعبهُ التقطيعُ والترقيع
كقصيدةٍ، ما جاذبتها القوافي وما أغراها وترٌ أوبديع
رأى متى ما نضجتْ , تنضجُ، في أكفِنا الارطابُ
وتخرخرُ الانهارُ  أصحابا ً
يجيئون بالثمارر لايشيخون لايلدون انهم بداية البداية.

في البداية لابدّ من الاشارة ان هناك ثلاث اصوات تتوزع في مركبات المقطع الاول صوت الانا وهو صوت هامشي على مستوى شغل فضاء النص فهو شاهد ووسيط بين ذاتين يشغلان جسد النص كله تقريبا ويحتلّ ضمير الغائب المساحة البيضاء تذكيرا وتانيثا في هذا النص ويحتل مقاما رفيعا ساهم في تماسك النص  والتفافة حول مركباته ودلالاته فحضوره سبعة عشر مرة في خمسة وعشرين وحدة دلالية تمثل هذا المقطع كاملا يدعونا الى التاكيد ان النص في هذا المقطع حافظ على توازنه بشكل رائع , اولا وثانيا فسّر لنا من خلال هذا الاتّساق مرجعية الاحالة .. ثم وفّر لنا فرصة فك شفرة النص المتمثلة بالذات الغائبه وهي المكان فالشاعر قدّم لنا علاقته بالمكان اولا من خلال محاولة ربط ذاته الغائبة بغياب المكان بفعل النزف الذي اشترك به مع نزف المكان من خلال التداخل بين ضمير الغائب تذكيرا وتأ نيثا , فالتذكير هو ذات الشاعر والتأنيث هو ذات المكان كما ان الشاعر قدم لنا تشريحا للضمائر ودلالاتها من خلال دوال توزعت  على حقول دلالية تقاسمتها مواضيع الغياب من خلال نفيّ مظاهر الفرح والخير  عنها

قصيدة ماجاذبتها القوافي/ مااغراها وتراوبديع/
.. …قنديلا مشعا لايمكن الوصول اليه../ ..عابرا يحمل النخل بيديه..

تلك التي غيبتيي وغابت / …اتعبه التقطيع والترقيع…

كما ان رصدنا للمستوى التركيبي  للضمائر  كشف لنا انها جميعها جاءت في محل المفعول به والمجرور ماعدا ضمير واحد جاء بمقام الفاعل هذا الامر يجعل  ان فكرة الغياب كانت حاضرة  وفاعلها غير موجود وقد وقع فعل الفاعل على ذات الشاعر وذات  المكان كما ان الدوال توزعت على حقول دلالية يمكن اجمالها  بالحقل الجغرافي  والذي تمثله الوحدات/الثمار/ الارطاب /الانهار  /الضفاف /النخيل/ يخرخر/نضجت/جسرين وكلّها احالات للمكان  كتشريح لصورته وهي احاله ايضا للعنوان المدينه/بغداد تحديدا وهي محاولة نفض الغبار عن الذاكرة لخلق حالة من التوازن النفسي  الذي سوف يمّده بمقاومة الغياب والحقل الثاني يشمل حقل الغياب والعزله الذي تمثله الوحدات/ممرغا بالتراب/التقطيع /الترقيع/ غيّبتي/غابت/ماجاذبتها القوافي/ممدودتان/يبحثان/وحده وهو حقل واقعي   ومباشر  وعدائيّ يهدد ذات الشاعر الغائبة بضرورة الاستسلام للجغرافية البديله يحدث ذالك من خلال تبادل موقع المفعولية بين ضمائر الغائب تذكيرا وتانيثا واشتراكها في رابط يجعلها ذات واحدة تنتجان نزيفا  هو فضاء صالح للوجع من خلال الاحالات الداخليه النصيّه التي يمثلها ضمير الغائب للمؤنث والمذكر بالتداول والتداخل ليكونا ذات واحدة تشتركان بالمعنى الدلالي الاكبر لهذا المقطع وهو الجرح والغياب .

اما ذات الخطاب المتمثله ب/ياء المتكلم/ هي ذات سارده  تحاول التخلص من ذات الشاعر المغيّبه بحياديتها خارج الغياب وهو الاحالة الوحيدة الى خارج النص في هذا المقطع اما ادوات التشبيه فقد جاءت قليلة في هذا لمقطع فهو يقول:
وتخرخر الانهار اصحابا يجيثون بالثمار

الانهار هنا هي انهار العراق حتما وهي مصدر الخير والزرع والرفاهية وهي صوره استعان بها لتفعيل مقاومته ضد الواقع والاصحاب الذين يشبههم بالانهار هم اصحاب غائبون حين يعودون من غيابهم يحملون الخير والسعادة في بلد تجري به الانهار كمدلول لجريان الحياة بحضورها الفاعل في توكيد السعادة وهو يشترك معهم في الوجع ويتخذّ منهم عزاء يخفف وقع المأساة ويقول ايضا :
كقصيدة ماجاذبتها القوافي.
وهنا يحيلنا الى ذات المرجعية وهي العنوان لينفي الفرح والموسيقى عن القصيدة وهي المدينة المغيّبة التي يتصل بها النزيف بشكل دائم سواء كانت بغداد او تمبكتو كما اني اريد الاشارة الى التناص الوحيد في هذا المقطع كقناة توصلنا الى تفسير وفك شفرات النص من خلال فتح دلالة التناص بين النص الغائب والنص المائل ومحاولة تحليل العلاقة الدلالية بين النصّين فالتناص هو تعالق(الدخول في علاقه) بين نصوص كثيرة بكيفيات مختلفه  تعمل من خلال هذه التعالق على تفسير نصّ غائب مذاب او موصوف بنصّ ماثل لتحقيق انزياح في المعنى وكشف خوابي  المعلومات التي تمثل المنجز الثقافي للناصّ(كاتب النص) ومن خلال التناص يمكن توريط القاريء في المشاركة في كتابة النص لان القاريء ايضا يحتفظ بخزين من الثقافي المشترك مع الكاتب والامر هنا يتعلّق بمفهوم النص نفسه  حيث تقول( جوليا كريستيفا) ان النصّ هو لوحه فسيفسائية من الاقتباسات وكلّ نص هو تشرب لنصوص اخرى سبقته يقول ماجد مطرود :
تلك التي غيبتني بين جسرين وغابت

فتلك اسم الاشارة للبعيد هو احالة قبليه ل(بغداد) التي غيبتني بين جسرين وغابت –  وهي تناص وصفي لقصيدة على بن الجهم  عيون المهى بين الرصافة والجسر لذا.. فان كشفنا لدلالة التناص واسم الاشارة اوصلنا الى مرجعية العنوان ثانية. فبغداد غيّبت الشاعر بابتعاده عنها وتحميله  الم الغربة والم الجرح وقد غابت هي ايضا في فضاء الجرح في نهاية قراءتي لهذا المقطع اودّ التأكيد على انّ هذا المقطع من القصيدة كان مقطعا متّسقا وحافظ على نصّيته بشكل جيد بالرغم من خلّوه من الكثير من عناصر الاحالة لكنه اعتمد  بشكل اساسّي على الضمائر كما اودّ الاشارة هنا الى تداخل ضمير الغائب مذكرا مع خطاب الانا المتمثل ب(ياء المتكلم) وكانّ الشاعر اراد ان يفصل ذاته الحاضره  عن الذات الغائبه وتحييد  علاقته بالغائب  ذات الشاعر والغائبة ذات المكان

————-2———–
المرآة فضيحة الدورق
الاحالة والاستبدال والحذ ف

أيُّها الدورق.. دورقي ماذا دهاك؟
الصورة ُ واضحة ٌ ليستْ مشوَّهة
الى الحدِّ الذي يجعل المعنى بسبعة رؤوس ٍمبهمة
واضحة ٌ.. رغم سواد الماء في العينين
وغبار الصحراءِ المخصَّص ِ للهاربين بالمدلول.

في المشهدِ، ميزانٌ بقاربٍ أعرج
لايدعو ، إلاّ لقيامةِ الأموات

الوُجُوه كلّ الوُجُوه
عواءٌ في مقبرة !

ليس إفتراضا ً، أضيعُ بين قلبي ومصباحي
ليس إفتراضا ً، للصحراء ِوجهان ضائعان
ليس إفتراضا ً، أرى رأسي بإنحناءاتهِ الأخيرة
وليس إفتراضا , أقولُ ماذا فعلتُ بأنفتاحي؟

كانَ للجملةِ الفعليةِ أصابعٌ تقودُ أ ُذنيَّ إلى الهاوية
وعنوة ً .. كنت أدسُّ فيها حروفَ الجرِّ..
من، الى، عن، ب، في, ل .. وهكذا، لأعوام.
ومن حين ٍالى حين ٍ كنتُ أنقّيها من حروفِ العلَّة ِ
لكي تأخذ َ لون الفيزياء، أو صدفة ً ما
ثم أحذرها، إيّاك إيّاك .. أيّتها الفيزياء أيّتها الباهرة
إيّاك من سمعة الضياع، وعلّة السكون
قعرٌ ممغنط ٌ بالتيه أنا تقول، تفاصيل ٌ تتكاثرُ بالأنفاس ِ..لاتتعبْ .

على رصيف ٍ، بلا كلماتٍ بلا قواعدٍ بلا قطرةِ حلم

يستخدم الشاعر في هذا المقطع بالاضافة الى الضمائر بشكل ناجح  عنصر الاستبدال وهو استبدال لفظ بلفظ مرادف له دلاليا كعنصر جديد من العناصر التي تعتمدها ادوات المنهج الاتساقي في تحليل الخطاب وهو اسلوب انزياح ايضا يعمل على جرّ اللفظ من المعجم واخراجه للثقافي القابل للتأويل كما استخدم ادوات الوصل التي حافظت على الترابط في توالي الجمل. واستخدم عنصر الحذف لترك فرصة للقاريء بمحاولة ملأ الفراغات التي على  البياض كمان ان للموت في هذا المقطع حضورا طاغيا وهو غياب روحيّ وحسيّ ايضا
عندما يؤكّد ان(كل الوجوه عواء في مقبره) وهي تدوين بصري  مستّل من الذاكرة حين يكون العواء هو نذير الموت وهوالفعل الذي يتحرك في فضاء المقابر  بيت الاموات في هذا المقطع ايضا يبدأ ماجد مطرود بلفظة يادورقي/ المتكون من
حرف النداء(يا)والاسم المنادى/ وياء  الملكية. فالياء هي استدعاء للغائب البعيد وهو دورق الشاعر بدليل ياء الملكية
فماذا يريد الشاعر بهذا الدال ولاي منطقة سيدفع بالمدلول .
فالدورق هو زجاجة المختبر والتي اختلفت عليها العناصر والتجارب بكل الوانها وخواصها وهو الزجاجة التي مرت بها النجاحات والاحباطات  فهي اذا  زمن المختبر وهو نفسه زمن الشاعر ورحلته التي يحاول استدعاءها وكأنه يريد تذكيرالدورق بان لابد من نهاية لهذه التجارب ولابد من سكون لهذا الارباك ولابّد لهذا الدورق المسجون في مختبر الاحباطات ان يتذوق طعم الفرح ايّها الدورق/ يادورقي وكأنّه يريد تذكيره انك انا فلماذا صرت غريبا عني ولاتشبهني الصورة ليست مشوهة اي  صورة التي يعنيها هل هي الرؤيه التي ارتبكت  والتي تشبه فكرة بقراءات متعددة هي سبع قراءات كما يقول وهي يشير الى القراءات القرآنية السبعة وماتمثله من اختلاف وتنوع في التفسير الذي يكون غامضا في بعض الاحيان كاف الخطاف/ استخدمت مرة واحده وهو احالة للفظة الدورق واستخدم الضمير الغائب اربع مرات  الاحالة الى المركّب/الجملة الفعليه/ حين يقول   كان للجملة الفعلية اصابع// فيحيل اليها الالفاظ حرف الجر /في/باسناده للضمير الغائب انقيها /باسناد الفعل المضارع للضمير احذّرها /باسناد الفعل المضارع للضمير ثم يتبعها بادات التحذير / اياك / ثلاث مرات ثم يتبعها بحرف النداءا ثلاث مرات/ ايّتها / وهو احاله الى الجملة الفعلية المسنودة الى اللفظ المستبدل/الفيزياء/ وهو تعويض عن/الجملة الفعلية/وهي اللفظ المرجع فماعلاقة الفيزياء بالجملة الفعلية وماعلاقة كل ذلك بالدورق اعتقد ان انزياح الجملة الفعلية عن مدلولها المعياري  كونها زمن وفضاء الشاعر الذي يتحرك به يفسر ان الفيزياء هي فضاء الدورق وهي المختبر  كاستخدام التحذير كاسلوب يؤكد لنا زمن الرحله وكانه في بدايته ويريد ان يحذر دورقه من مكمن الاسى القادم  يغلب على هذا المقطع السكون والتأمل وانتاج الاسئلة في محاولة للكشف عن الذات المرتبكة لذا فان الجمل الاسمية كثيرة  مع وجود اقل للجمل الفعلية وكأن الشاعر قد انتهى من عرض صورة الغياب في المقطع الاول وترك لنا ان ننشغل في تفكيك هذه الصورة منزويا مع ذاته وامام المرأة لمحاولة ترميم الاشياء واعادة اجزاءه التي تناثرت في صورةالصحراء التي هي غياب من نوع اخر وعزلة قسرية وهي تجربة احباط اخرى للدورق الذي لاادري ماذا دهاه كما يخاطب الشاعر دورقه فحضور الجملة الاسمية وطغيانها في هذا المقطع هي استراحة محارب اثخنته الجراح حتى الجملة الفعلية متّهمة فهي التي اوصلت المقام الى هذا الحال من انحناء الرأس والتيه والحيرة بين القلب والمصباح الذي الضوء الذي يكشف الاشياء حتى انّه كان يستخدم حروف الجر دائما لكي لاتقوده هذه الجملة الفعلية الى الهاوية وبعد كل محاولى لجرّ جملته الفعلية من طرف الهاوية يقوم بترميم دورقه من حروف العلة فالجملة الفعلية هي رحلة الدورق وهي المسؤولة  عن هذا الوجع لذا فان الشاعر يحاول الاتكاء على الجمل الاسمية ليلتقط الانفاس من   قسوة الفعل وتجاربه المحبطة للاحلام كما يقول:

تفاصيل تتكاثر بالانفاس .. لاتتعب
على رصيف بل كلمات ,
بلا قواعد ,
بلا قطرة حلم

فالرصيف الذي هو فضاء المطرود من عش السكينة والتائه الذي لامكان له  هو رصيف بلا كلمات بلا قواعد  بلا حوار  بلا تواصل مع الاخر بلا لغة تفتح كوّة للوجدان وهو تفسير للدال الثاني في المقطع الاول من العنوان / البمبره/ باعتبارها لغة الزنوج التي لايفهمها الشاعر ولا قطرة حلم وهو اشارة الى المطر مصدر الخصب ولان الصحراء متهمة بفكرة الجفاف وموتها القديم فمكوثه في هذا المكان هو مكوث بلا خصب ولاحتى حلم يبث الخصب في دورقه انّه مقطع مغرق في خطاب الذات وتأنيبها على اخطاءها وهو زمن للوقوف امام المرأة واكتشافها من جديد لعله يفلح في بثّ تجربة سارة في هذا الدورق  الحزين يعتبر هذا المقطع هو ايضا متسقا جدا ومترابطا رغم اعتراض الجمل الاسمية بين المحال الضمائر واسماء الاشارة من جهة وبين المحال اليه الثاني وهو المركّب/الجملة الفعلية لان المسافة كلما ابتعدت بين المحال والمحال اليه اربكت النص وجعلته غير مفهوما كما ان النص استفاد من حروف الوصل  التي ربطت متواليات النص  بشكل جيد غير انّه ايضا لم يستفد من عناصر الاتساق الاخرى وادوات المقارنه .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.