شوقي يوسف بهنام : أنت المخطئ يا هذا .. لماذا بدأت بالسفر؛ قراءة نفسية لقصيدة “الخـيَّال والجواد المحتضر”

shawki  5في نص يكشف العلاقة بين الفرد والجماعة وكيف ان الجماعة لها سطوتها وهيمنتها وثقلها وكواهلها . كيف السفر والخيـَّال له جواد يحتضر . كيف سوف يسافر وفي اي صورة يكون سفره . هذه القصيدة تذكرنا بقصيدة ” الخيـَّال وعورة الماضي ” . كان دحبور يصارع زمانه  .. يتأرجح بين الخسارة والفشل والانتصار . ويضرب الأسداس بالأخماس . وهنا الخيَّال يقارع ما يمكن تسميته بالوعي الجمعي . ذلك الوعي الذي يحتوي الفرد ويسحقه ما لم يسايره . فالقصيدة ووفقا لمفاهيم علم النفس الاجتماعي تتحدث عن المسايرة والمغايرة . وهما نمطان من أساليب التكيف مع العالم المحيط بالفرد . فالفرد الذي يشعر بالاستقلالية والتفرد والتمايز ينحو منحى المغايرة ومن هنا تبدأ مغامرة الاختلاف مع الجماعة . وفي المقابل إذا كان الفرد اعتماديا ولا تتوفر لديه روح المبادأة والمبادرة فسوف يتبع سلوك المسايرة . واحمد دحبور في هذه القصيدة يسرد حوارا بين الكورس والذي يرمز الى الوعي الجمعي الغاشم المهووس بقمع صوت الأنا الفردية لحمايته من مخاطر التحديث والتجديد حفاظا على ماء الوجه واعتبار الذات لديه . والطرف الثاني في الحوار هو الخيـَّال ؛ صاحب القضية .. صاحب الهم .. صاحب الألم . ويتكأ الشاعر على بيتين شعريين لأمير الشعراء (احمد شوقي) لكي يكونا بمثابة عصا الاحتجاج وإطاره المرجعي في مواجهته لعواصف الوعي الجمعي وتياراته ورياحه . لنرى كيف هاجم الوعي الجمعي إرادة الشاعر وحاول تعطيل همته والتقليل من خطابه وشأن ذاته . يقول دحبور على لسان الكورس :-
وأنت يا توزَّعتْ عيناك في الكثبان والحفر
لن تكمل السفر
بالطلل الحزين ، هذا الحافر اللعين
لن تكمل السفر نرى الجواد البرق يحتضر
فالدرب ألف جائع طعين
يمد زوَّادتك الخضراء بالنحافة
والحافر يسل كبة الشرر
من صخرة المسافة
ويجمع اليقين والخرافة
بخطوة ،
لم يبق غير الشلل – الحنين
ahmad dahbor 2لم يبق غير الزبد الحنين
وصهلة الخور :
لن تكمل السفر
الدرب ألف جائع .. لن تكمل السفر
(الديوان ، ص 161-162)
************************
ذلك إذن كان موقف العقل الجمعي .. المدينة .. أهل البلدة .. العشيرة .. كل من ينتمي إليهم الشاعر ، من قراره الى السفر . للسفر رمزيات كثيرة . منها ما هو مرضي كهوس التجوال عند المرضى العقليين . ومنها رمزيته عند الصوفية . ويكرس الشرقاوي صفحتين للتحدث عن السفر الصوفي ؛ فهو سياحة صوفية ، فلا يحج الصوفي للتنزه وزيارة البلاد وطلب الأرزاق وإنما سفره للحج والجهاد …. ” (1) . لا نريد وسم الشاعر بالرجل الصوفي الذي لا مكان يستطيع ان يستوعبه . فهو دائما نقيض المكان والزمان .. على الأقل على مستوى الرغبة والأمنية والخيال . وهناك السفر الذي يعني هروبا من الواقع وضغوطه . والبحث عن مكان مناسب أو آمن للفرد . وهناك وهناك رمزيات كثيرة لا يمكن حصرها أو الوقوف عندها . لكن السفر عند شاعرنا يعني الخروج من قوقعة الظلام الى حيث النور والحرية وكسر قيود ضنك العيش . معنى هذا ان هناك مللا يعيشه الشاعر ويحس به ويعانيه منذ أمد بعيد أو طويل . دحبور إذن قرر السفر ولكونه يعيش في مكان ما .. وينتمي الى جماعة ما فأن أخباره تسافر عبر الرياح مثل صاحبه صانع الأحذية . معنى هذا انه ذا شأن كبير وصيت حسن . ومن هنا رد فعل العقل الجمعي إزاءه . وقد تكون الصورة معكوسة تماما فقد يكون غفلا ومهملا وليس ذا شأن وقرر تقمص دور البطولة ومن هنا ايضا نفس رد الفعل من العقل الجمعي . في كلتا الحالتين هناك موقف من بعضهما البعض . والتاريخ حافل بهكذا وقائع . خذ على سبيل المثال لا الحصر المحاولات التي تناولت اخبار الحمقى والمجانين  والنساء والصفوة وغيرهم في الحضارة العربية .. كلها محاولات لإبراز دور الفرد في المجتمع أو هيمنة المجتمع على الفرد . ناهيك عن سير أولئك الذين غيروا من صورة التاريخ وحركته وديمومته . مثل هذه المحاولات تعطينا فرصة طيبة ومناسبة لدراسة ما يسمى بالمناخ الاجتماعي لهذه الفترة الزمنية أو تلك . لكننا في حالة دحبور فأننا أمام حالة شخصية صرفة . على الرغم من تماثلها وتشابهها مع تلك المحاولات التي مررنا بها قبل قليل . والفرق بين الحالتين إننا هناك إزاء حالات مجهولة تعتمد على عامل التوثيق من قبل الغير .. بينما نحن في حالة دحبور أمام إقرار واعتراف شخصيان . نحن إزاء إفادة ذاتية يعرض صاحبها من خلالها دحبور قطاع من همومه ومتاعبه وأحزانه . يعد نشيد الكورس الذي استشهد به الشاعر بمثابة دعوة ضده . انه موقف الادعاء العام من المتهم . والمدعي العام رمز للقانون والتشريع والسلطة والمجتمع . انه بلغة التحليل النفسي نواهي وكوابح الانا العليا . انه يستعرض المتاعب والصعاب التي سوف يلاقيها لو قرر ان يسافر . انها رحلة مشابهة لتلك التي سردتها قارئة الفنجان لذلك الشاب * الذي أتاها يوما راغبا في معرفة طالعه فوجمت وارتسمت على ملامح وجهها كل أحزان العالم وبدأت تصف له الطريق الى حبيبته . فخلصت الى انه يبحث عن خيط دخان !! . هكذا ، يبدو لنا ، ان العقل الجمعي في هذه القصيدة ، قد قام بنفس الدور . اعني دور اللائم وليس المعاتب . لأن هناك فرقا ، في تقديرنا على الأقل ، بين الفعلين ؛ أي اللوم والعتاب . في اللوم العلاقة بين الأنا والآخر معدومة .. ليس هناك تعاطف ما بينهما . ولذلك فاللائم يكون في دور المهيمن والمراقب والمحاسب على سلوك الملام . بينما يحدث العتاب بين شخصين بينهما درجة عميقة من التعاطف واحدهما يخيب آمال الاخر وظنونه فيبرز عندها العتاب . أنت لست كما كنت اعتقد وأظن .. سلوكك هذا لم يك في الحسبان عندي . في العتاب خيانة وخروج عن دائرة التعاطف . في اللوم إغواء التقريع هو البارز وتبرير الذات هو المتحكم . الذات في اللوم هي المعيار للسلوك . كل السرد الذي أتى على ذكره دحبور على لسان الكورس الذي كان  كما قلنا يرمز الى العقل الجمعي يعد نوعا من اللوم والتقريع والمحاسبة والقصاص . بماذا تريد السفر والمغامرة ؟؟ أبهذه الزوادة الفقيرة والصغيرة والتي تحملها على ظهرك المنكسر الأحدب .؟؟ أبهذا السيف الذي غمره الصدأ منذ سنين وهذا الخنجر الذي طواه النسيان منذ سنين كذلك ؟؟ أم بجوادك المحتضر هذا ؟؟ . الذي دب به الشلل ام بطريقك المكتظ بالجياع والمشردين  ؟ لمن تكفي هذه الزوادة حتى تكفي لتكمل السفر . عد الى رشدك يا هذا . انك في تيه .. دربك خيط من دخان . عد الى أحضاننا وعش يومك سعيدا . المتهم .. عاشق السفر .. الموله به ، محاط بقضبان ينتظر المزيد والمزيد من صيحات ذلك الكورس اللعين . انه بين المطرقة والسندان .. انه رهين الانتظار .. انه ..انه .. لكن صوتا باغت الجميع .. ألزمهم الصمت .. كان بمثابة الصدمة والصعقة .. وحتى هذا المسافر نفسه . انه صوت الضمير الحي .. ضمير المسؤولية .. هاجس الواجب .. رادع الحق .. هنا يستشهد هذا التائه ببيت من أبيات أمير الشعراء . وكأني به يقول . اسمعوا انه صوت الحق والعدل .. علينا الانصياع له . ترى ماذا يقول شوقي :-
ويا وطني لقيتك بعد يأس
كأني قد لقيت بك الشبابا
(الديوان ، ص 162)
*****************
انه الوطن الذي عندما لقيه فكأن الشباب عاد إليه . انه صوت مدافع  من اجل هذا المسافر وبرر لهم أسباب سفره وتحديه للصعوبات من اجل ذلك اللقاء . لو لقيه لعاد إليه الشباب . رمز الخلود الذي كان يبحث عنه كلكامش بطل الميثولوجيا العراقية الاكبر . تحدى الصعاب .. عبر البحار .. صارع الجنيات وقتل التنانين .. من اجل ذلك .. وعاد خائن الظن .. خاسرا .. كان يطارد خيط الدخان على تعبير قارئة نزار . لقد رن هذا الصوت .. اعني صوت البيتين .. أرجاء المكان .. وهز جهات العالم الأربع . فما كان من المسافر .. صاحب الجواد المحتضر الا ان يقوم بالدفاع عن نفسه .. كان هذا الصوت بمثابة عكاز اتكاء ..بمثابة المعزز لسفره والمؤيد لوجهة نظره والمنصف لشكواه .. ما كان دفاع المتهم عن ذاته ؟ يقول دحبور – الخيًّال –  في ذلك :-
حلمتُ ان أبكي على يديك ْ
أن أذرف المنفى على التراب ْ
حلمت أن أخاصر الهواء والسراب
وأدمغ اليباب ْ
حلمت أن أضيء ضفتيك
يا وطنا ً مودوعة أمانتي لديك
ماذا لو انتظرتني ؟
كبا الجواد .. ! لا تغب ْ ،
سينهض الجواد يا حبيب لا تغب ْ ،
معي هدية اليك يا روحيَ يا عيني َّ لا تغب ْ ،
معي .. بعدت .. آه ِ ـــ
في دمي رسائل ُ ُ للشوق لا أذكرها ،
لولا الرقيب كنت آه ِ . . لا تغب ْ ،
أمانتي لديك ْ
(الديوان ، ص 163 – 164)
************************
ذلك إذن هو دفاع دحبور .. الخيـَّال الذي يحمل زوادة لا تشبع جياع الطريق ..ولا مشرديه .. ويمتطي جوادا يحتضر . ويحمل سيفا لم ير النور قط . انه نائم في غمده منذ سنوات . انه أشبه برسالة يبثها حبيب الى حبيبته .. فيها العذاب .. عذاب البعد والهجر .. بها شوق .. شوق اللقاء والعناق .. بها عودة الى الجذور .. لكنه في الوقت نفسه يعيد الشاعر مرة أخرى ومرارا يفعل ذلك . انه يلعب دور البطل .. المنقذ .. هنا يظهر انه حامل هدية . لقد كبا الجواد بالفعل ولكنه سيخيب ظن الجميع وينهض ويجمع قواه ويستنفر إمكاناته ويهم بالانطلاق نحو الدرب . والشاعر يعيش هم الرقيب .. لن احدد هنا رمزية الرقيب . والشاعر نفسه كان قد أطلق عليه ” الكورس ” . وهنا الرقيب . لا فرق بين التعبير . المعنى واحد . هو العائق .. سميه ما شئت .. سمه الرئيس العميل .. سمه الشرطي الذي يطارد الأبطال والشعراء والثوار .. سميه ما شئت .. فالمعنى واحد . لكل مسمياته ولكن يبقى المعنى واحدا في كل الحالات . بعد هذا الدفاع عن الذات .. عن القضية . سوف يعاود الكورس .. العقل الجمعي .. الرقيب .. الشرطي .. العميل . نعم سوف يعاود هجومه وتقريعه وإلقاء اللوم على هذا المسافر التائه .. يقول دحبور على لسان الكورس :-
جوادك العتيق لا مناص
محتضر ، ولن يربك قبة الخلاص
ألا ترى يهده الخور ْ ؟
يموت كل ساعة ، لن يكمل السفر ْ
يموت هذا الخائر الهزيل
والموت لا مناص
أرحه من عذابه الوبيل ْ
( ما الفرق بين الميت والقتيل )
فلتطلق الرصاص
فلتطلق الرصاص
(  الديوان ، ص 164 )
****************************
مرة أخرى يعود العقل الجمعي أو إن شئت الرقيب بمعاودة الكرة من جديد في إلقاء اللوم على مسافرنا هذا . موضحا ومبينا انه جواده على حافة الاحتضار و لامناص من الحقيقة أو الواقعة الجلية  ووصفه بالخائر الهزيل الذي يهده الخور ويموت كل ساعة . معنى هذا ان العقل الجمعي بمثابة عامل إحباط وإرباك لمسيرة ذلك العقل . ولن يربك تلك المسيرة أبدا . هما في اتجاهين مختلفين . فمهما تكن قوته ومهما كانت همته ومهما كان مستوى الأمل لديه .. فلن يجديه ذلك نفعا . وبدلا من ان يعتمد ويعقد الآمال عليه فعليك إنقاذه بطلقة الرحمة . هنا رمز الى إيحاء العقل الجمعي الى استخدام وسائل انسحابية مثل الهدنة أو الهرب أو حتى الانتحار أو الإيداع في زنزانة انفرادية  حتى الموت . هنا قتل جميع ما يحمل هذا المسافر من مشاعر الأمل والعزم والإصرار لمواصلة المسيرة . ويرن مرة أخرى صوت في أرجاء المكان انه صوت الدفاع من اجل القضية ليشحذ همة الشاعر ويمضي معه اينما مضى . ها هو ذلك الصوت يقول :-
شوقي :
وكل مسافر سيؤوب يوما
اذا رزق ال .. (السلامة) **
(الديوان ، ص 165)
************************
الشاعر يتناص مع القول المأثور ” من سار على الدرب وصل ” مؤمنا بأن يوما ما سوف يأتي وسوف يلتقي بوطنه وحبيبه ويعطي له هديته المودعة لدية ويأخذ أمانته المودعة لدى وطنه .. ويسلمه رسائل شوقه ودموع عينيه . ترى هل جاء هذا اليوم لدى دحبور . هذا ما نتركه لدحبور نفسه للإجابة عليه .

الهوامش :-
1-  د . الشرقاوي ، حسن ، 1987، معجم ألفاظ الصوفية ، مؤسسة مختار للنشر والتوزيع ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 174- 176 .
* إشارة الى قصيدة ” قارئة الفنجان ” للشاعر نزار قباني  والتي كانت محورا لقراءة نفسية لها ضمن مشروعنا المتواضع عنه  .
** الاضافة من ديوان أمير الشعراء والشاعر جعل المفردة مبتورة ليزرع في قلبه فضول معرفي أو نفسي على

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *