هشام القيسي : الكتابة بصبر الحرية ؛ دلشا يوسف* تفتح نافذة في هذا الفضاء

hosham 3هي تعرف ان في مكنونات الأيام دمعات غير متجمدة ، تتشظى ولكن بقدرة على المجابهة رغم مطارق النهار .   وهي تتلظى وترنو إلى غاية بنبض قضيتها ، حلمها العميق يرتبط بنور شاسع هو أمل يسكنها في تطلعها :

((أيها الحلم العميق
حين يخيب كل رجاء
أشفق حتى على العتمة
بهذا النور القاحل
على الأرض …)) ( 1 )
فمفردات الحلم ، الخيبة ، الإشفاق ، النور ، هواجس ممتدة في أفق الرؤيا ، تتناول وتتفاعل وتتكامل وظيفيا في الأسطر الشعرية بما يجذر العلاقات المقننة كرؤية جمعية للعناصر الرافدة للنص . وفي هذا النص أيضا حرارة وفرادة وطعم خاص يؤشر المسار المضيء المعمد بالمعاناة لقصدية محددة :

(( أيها الوطن الأول
والأخير
ما زلت أكتب
بصبر الحرية
أجراس اللقاء )) ( 2 )
فما بين الحلم ، مدخل النص ، وبين اللقاء ، مخرجه ، تستوطن تجاذبات الانعكاسات المكانية إزاء صخب العالم وحواجزه ، ولهذا نجد الشاعرة دلشا يوسف تلجأ في التعبير إلى مستويات سلسة مناسبة ومواجهة في الافصاح عن غيوم الداخل بالضد من مكائن التبعثر اليومية التي تشهرها الأشياء ، وهذه ما توميء الى اجابات على تساؤلات على قدر محسوس من البراعة والدهشة والامكانية الفنية .
وتطوافها يسبر أغوار النفس بموجهاتها وتوجهاتها ، مثلما يوقظ دللت تمنح في قراءة وتأويل وقياس المفردات المتناولة حيوية ونقاء عبر ترشحات الذات / الموضوع – الزمكان وفق إضاءة من ملامحها هذه الثنائية بين انعكاسات الغربة وسياقات الوجد :

delsha yuosef  (( كالمطر
سأهد حيطانك الطينية
لأشيد عليها
لهذا القلب
قصورا من العشق .. )) (( 3 )) .

والشاعرة تميل للعزف على وتر يكون ايقاعه قضية انسانية عميقة كنهها فك التشابكات وادامة نمطية العلاقات من خلال تمسك بثوابت راسخة وتناسق يترشح من يقظة ووجدان وأزمنة تعكس التعلق بالحياة والأشياء :

(( ومن السماء
سأسرق
قوس قزح
أزين به قدي وقامتي .. )) (( 4 ))

مفردات دلشا وصورها مثلما تشي بمساحة انفتاحها ، تفضي إلى دلالاتها من خلال سيول المكنونات الداخلية الحية وفق مسارات ومعاناة الانسان ومحمولات تلك في الكشف عن يقين ونقاء الداخل . من هنا كان سيلها الشعري منسجما عبر عفوية وصدقية وملموسات يصغي لها القلب وترنو لها الذاكرة :

(( جمرة من مشاعر
تشوى في فرن الحياة !
بابه مفتوح على مصراعيه
حارسه منه . .. وفيه
لكنه لايصبح مفرشا
لأي ضيف ! . )) (( 5 )) .

وهي كغيرها ومع غيرها تتشابه في أواصر المعاناة الانسانية  ، بيد انها لاتتوافق أو تتطابق في آليات النسيج الشعري ، من هنا كانت وسائل الاتصال لديها تحمل تناسقا منسابا شفافا وواضحا يكون ملاذا رقيقا للقاريء وفق مستويات السطر الشعري ة الكثافة اللغوية ، سيميائية الرمز المنتقى :

(( لا أعرف في أي فصل
ستغادر قطار أحلام يقظتك ؟
وتحل ضيفا
على صرحك المنيف
أركن قرب جمرك
وأستحل فنجانا
كي أفور إليك ..)) (( 6 )) .

وفي فضاء الشاعرة وعبر تلازم وتواصل الجوهر – المظهر  تختفي الحيادية غزاء القطب الرمزي ، مثلما تختفي إزاء الركون إلى هلامية لتماس عنصري المعادل المتشابك المعالم .
أن تراكمات الهموم وتداخلاتها ترشح معطيات لوحدات تتداخل وتتناغم فيها صور وعي ولاوعي الموضوع بانسيابية دالة :

(( أتعرفون متى أفطم عن الشعر ؟
عندما تستحيل المسافة
بين الحقيقة والرغبة
على خاتم
البسه أصبع يسار القلب ! … )) (( 7 ))

فهي تلتقط المشاهد بسلاسة وجمالية دون رتوش لهواجس في غير محلها وعليه فهي تطل عبر مسار وصيرورة تنحاز لنقيض الإفاضة في تدوين نسيجها الشعري وسبكه بمفردات تعبيرية جميلة تضفي هالة على تواصلية الظاهر / الداخل من جهة وبين تجسيد التناول الشعري بمنطق الذات المتوقدة المتنورة خارج استبدادية ووصفية الخطاب المرتكز على صدى الزمكان من جهة أخرى :

(( أتعرفون
متى أصبح إلهة ؟
عندما أجري كنهر
دون خلجان
في صحراء الرغبة ! )) (( 8 ))

و

(( أتعرفون متى أفنى ؟
عندما أستحيل سماء
تساقطت نجومها
وينتحر عشاقي
بمشنقة القدر ! )) (( 9 )) .

اذن مائدة دلشا الشعرية تذهب بنا إلى مديات باهرة وإلى تحليق في عوالم لم تألف مثلها جغرافية الشعر من قبل . فمن قصيدة إلى أخرى تكتب دلشا يوسف بتدفقاتها الشعرية أنوار مخلوقات الوجد في ليل البرابرة . انها الضوء في الأعلى ، وحدها تقدم هذا الفيض على خط استواء الابداع .

الهوامش
———-  
(( 1 )) ، (( 2 )) : قصيدة حلم الوطن .
(( 3 )) ، (( 4 )) : قصيدة قوس قزح .
(( 5 )) : قصيدة القلب
(( 6 )) : قصيدة فوران
(( 7 )) ، (( 8 )) ، (( 9 )) : قصيدة رغبة .

*  دلشا يوسف  شاعرة كوردية سورية من جيل الحداثة في شعر غرب كوردستان . لها  – (أجراس اللقاء)شعر – دار آميردا للطباعة- بيروت (2001).
– ( شمال القلب) شعر- من منشورات إتحاد الأدباء الكرد- فرع دهوك (2006).
اضافة إلى خمسة كتب أخرى في الترجمة والشعر  ، صدرت عن دار أفستا في استانبول- تركيا.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *